تأخر الرواتب خلل إداري لا مالي.. والحلول متاحة إذا توفرت الإرادة الحكومية


المدى/خاص

أكد المتخصص في الشأن الاقتصادي دريد العنزي، أن أزمة تأخر صرف الرواتب في العراق لا تعود إلى عجز مالي بقدر ما ترتبط بخلل إداري في إدارة الموارد العامة، داعياً الحكومة إلى مصارحة المواطنين بحقيقة الوضع المالي واتخاذ قرارات حاسمة لمعالجة الأزمة.

وقال العنزي، في حديث لـ(المدى)، إن “الحكومة مطالبة بمواجهة المواطنين بصراحة، إذ إن وزارة المالية كانت قد أعلنت مع بداية العام أن جميع الرواتب مؤمنة، كما أكد البنك المركزي ذلك، وبالتالي فإن عدم صرف الرواتب يمثل خللاً إدارياً وليس مالياً”.

وأوضح أن “هناك 33 مؤسسة حكومية تمتلك إيرادات تُقدر بتريليونات الدنانير، إلا أن هذه الإيرادات لا تُجمع بالشكل الصحيح، ولو جرى تحصيلها وتحويلها إلى وزارة المالية لما ظهرت أزمة السيولة الحالية، ولما حصل أي تأخير في صرف الرواتب، بل كان من الممكن تحقيق فائض مالي”.

وأضاف أن “جانباً مهماً من الأزمة يتعلق بارتفاع النفقات الناتجة عن تشريعات سمحت بمنح رواتب تقاعدية للرئاسات الثلاث والوزراء وكبار المسؤولين بعد فترات خدمة قصيرة، معتبراً أن هذه التشريعات تخالف قانون الرواتب والقانون المدني والدستور، وأنها شرعت لخدمة فئات محددة”.

وأشار إلى أن “من غير المنطقي أن يخدم مسؤول ثلاث أو أربع سنوات ثم يحصل على راتب تقاعدي دائم، في حين يقضي موظفون عشرات السنين في الخدمة للحصول على رواتب تقاعدية أقل”، داعياً إلى إعادة النظر في تلك التشريعات وإلغائها.

وتابع العنزي أن “الحكومة مطالبة أيضاً بتدقيق ممتلكات كبار المسؤولين الحاليين والسابقين، ومراجعة الامتيازات والرواتب الكبيرة التي يتقاضاها بعضهم، فضلاً عن مراجعة القرارات التي شملت الوزراء والمقربين منهم برواتب وامتيازات تقاعدية”.

كما دعا إلى “إعادة النظر في قانون مؤسسة السجناء السياسيين وامتيازات مستفيدي قانون رفحاء، مبيناً أن بعض الحالات تحصل على رواتب ومخصصات مرتفعة لا تنسجم مع مبادئ العدالة الاجتماعية، في وقت لا يحصل فيه كثير من الموظفين الذين خدموا لعقود على رواتب مماثلة”.

وأوضح أن “المشكلة الأساسية تكمن في الإدارة، وليس في نقص الموارد، لافتاً إلى أن معالجة الأزمة يمكن أن تتم خلال فترة قصيرة إذا جرى تحويل جميع الإيرادات الحكومية بالدينار العراقي إلى وزارة المالية، وإيقاف جميع الرواتب والامتيازات التي تُصرف خارج الضوابط القانونية”.

وأكد أن “الاقتراض ليس حلاً لتأمين الرواتب، لأنه سيؤدي إلى تراكم الديون دون وجود قدرة على السداد، بينما يمكن اللجوء إلى الاقتراض لتمويل المشاريع الإنتاجية، لأنها قادرة على تسديد كلفتها من عوائدها المستقبلية”.

وأضاف أن “الرواتب لا ترتبط بشكل مباشر بالنفط، فالعراق يمتلك أموالاً تودع شهرياً لدى البنك الفيدرالي الأميركي، كما يمتلك موارد وأصولاً وأموالاً في الخارج يمكن الاستفادة منها إذا أُديرت بطريقة صحيحة”.

وأشار إلى أن “العراق يمتلك مشاركات وأملاكاً واستحقاقات مالية في عدد من الدول تعود إلى عقود سابقة، فضلاً عن اعتمادات مستندية موزعة في عشرات الدول، ويمكن تفعيلها لدعم الاقتصاد وتمويل مشاريع استراتيجية بدلاً من الاعتماد على الحلول المؤقتة”.

وبيّن العنزي أن “من بين هذه الخيارات التفاوض مع الدول التي تحتفظ بأموال أو استحقاقات عراقية لتحويلها إلى مشاريع خدمية وإنتاجية، مثل محطات تحلية المياه ومحطات إنتاج الكهرباء، بما يحقق منفعة اقتصادية مباشرة للبلاد”.

وتابع إن “العراق لا يعاني من نقص الحلول، وإنما يحتاج إلى إدارة حازمة وقرارات جريئة بعيدة عن المجاملات، لأن استمرار التراخي في إدارة الملف المالي سيؤدي إلى تعقيد الأزمات الاقتصادية وتفاقمها مستقبلاً”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *