دعوة لولاية رئاسية ثالثة للغزواني تفتح نقاشاً جديداً حول مستقبل التناوب على السلطة في موريتانيا ومعارضوها يطالبون بمحاكمة مطلقيها



عبد الله مولود

نواكشوط –»القدس العربي»: أعادت دعوات مطالبة بتمكين الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني من الترشح لولاية رئاسية ثالثة فتح نقاش سياسي ودستوري واسع في البلاد، في وقت تستعد فيه الساحة الوطنية لاستحقاقات وحوارات يُنتظر أن ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
وبينما يرى أصحاب هذه الدعوات أنها تعكس رغبة شعبية في استمرار ما يصفونه بمسار الإصلاح والاستقرار، تعتبرها قوى المعارضة تجاوزاً صريحاً للدستور ومحاولة مبكرة لإرباك مبدأ التناوب على السلطة، بل ذهبت إلى المطالبة بمحاكمة مطلقيها باعتبارهم يدعون إلى خرق النظام الدستوري.
ويأتي هذا الجدل ليضع مجدداً قضية تداول السلطة وحدود تعديل النصوص الدستورية في صدارة النقاش السياسي الموريتاني، مستحضراً تجارب سابقة شهدتها البلاد ودول أخرى في المنطقة.
ولم تحتج موريتانيا هذه المرة إلى مبادرة حزبية أو وثيقة سياسية لإعادة ملف المأموريات الرئاسية إلى صدارة النقاش؛ فقد كانت كلمة ألقاها مسؤول جهوي في مناسبة تنموية كافية لإحياء واحد من أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية الموريتانية، وإطلاق موجة واسعة من التفاعلات القانونية والسياسية.
فقد دعا رئيس المجلس الجهوي لولاية لبراكنه، محمد المصطفى ولد محمد محمود، رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الترشح لمأمورية رئاسية ثالثة، معتبراً أن ما تحقق من إصلاحات وبرامج تنموية يستدعي استمرار الرئيس في قيادة البلاد حتى استكمال مشروعه الإصلاحي، ومؤكداً أن «موريتانيا تحتاجه والشعب يريده».
وجاءت هذه الدعوة خلال حفل رسمي بمدينة ألاك لإطلاق النسخة الثالثة من مشروع تمكين المرأة والعائد الديمغرافي في منطقة الساحل، بإشراف السيدة الأولى الدكتورة مريم محمد فاضل الداه، وبحضور أعضاء في الحكومة وسلطات إدارية ومنتخبين، وهو ما منح التصريح بعداً سياسياً أكبر، نظراً لصدوره في مناسبة رسمية.
ملف أُغلق ولم يغلق
وأعادت هذه الدعوة إلى الواجهة نقاشاً كان قد خفتت حدته بعد تصريحات سابقة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أكد فيها أنه لا يريد مأمورية ثالثة، وأنه لن يتدخل لإدراج هذا الموضوع أو حذفه من جدول أعمال الحوار السياسي الجاري.
ورغم أن تلك التصريحات اعتبرها كثيرون رسالة طمأنة بشأن احترام السقف الدستوري، فإن دعوة رئيس جهة لبراكنه أعادت التساؤلات حول ما إذا كانت فكرة تعديل الدستور ما تزال تجد من يدفع بها داخل الأغلبية، أم أنها مجرد مبادرات فردية لا تعكس توجهاً رسمياً.
معارضة دستورية وسياسية
وأثارت الدعوة ردود فعل رافضة من شخصيات سياسية وقانونية رأت فيها تجاوزاً للنصوص الدستورية وإحياءً لنقاش يهدد الاستقرار السياسي.
واتسعت دائرة الرافضين للدعوات المطالبة بمأمورية رئاسية ثالثة، بانضمام رئيس حزب العدل، أحمد سامبا، الذي وصف دعوة رئيس جهة لبراكنه للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بالترشح لولاية ثالثة بأنها «انتهاك صارخ للدستور».
وفي تسجيل مصور نشره عقب التصريحات، ذكّر سامبا بتأكيدات الرئيس المتكررة بشأن احترام الدستور، معتبراً أن الجهات التي تدفع باتجاه مأمورية ثالثة لا تتحرك بدافع المصلحة الوطنية، وإنما لخدمة مصالحها الخاصة.
وقال إن الأشخاص الذين يشجعون الرئيس على خوض ولاية جديدة «هم أنفسهم الذين دفعوا الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز إلى الخيار ذاته، قبل أن يتخلوا عنه لاحقاً»، محذراً من أن تكرار هذا المسار قد يقود البلاد إلى أزمة سياسية ودستورية.
واعتبر رئيس حزب العدل أن الدعوات المتكررة إلى تعديل سقف المأموريات تمثل تهديداً للنظام الدستوري ولسلامة المسار الديمقراطي، داعياً رئيس الجمهورية إلى اتخاذ موقف حازم لوضع حد لهذا الجدل، حفاظاً على السلم والاستقرار.
كما طالب السلطات القضائية بفتح ملاحقات بحق مطلقي الدعوات إلى المأمورية الثالثة، على اعتبار أنها تمثل، وفق رأيه، مخالفة لأحكام الدستور، داعياً في الوقت نفسه أحزاب المعارضة إلى الانسحاب من الحوار السياسي الجاري، مبرراً ذلك بمخاوف من أن يُستخدم الحوار مستقبلاً لفتح الباب أمام مراجعة النصوص الدستورية المتعلقة بالمأموريات الرئاسية، وحاثاً قوى المعارضة على توحيد موقفها دفاعاً عن التداول السلمي على السلطة واحترام الدستور
واعتبر الكاتب سيدامين أحمد أن أخطر ما يمكن أن يقدم لرئيس الجمهورية ليس النقد، وإنما المديح الذي يدفعه إلى ما لا يسمح به الدستور، مؤكداً أن الدعوة إلى مأمورية ثالثة لا تخدم الرئيس ولا البلاد، بل تضعه في مواجهة الدستور وروحه.
وأشار إلى أن التجربة السياسية الموريتانية عرفت مشهداً مشابهاً خلال المأمورية الثانية للرئيس السابق، عندما ارتفعت أصوات تطالب بتمديد بقائه في السلطة، قبل أن يتخلى عنه كثير ممن كانوا يروجون لذلك بمجرد تغير موازين القوى.
أما سيدي محمد، فذهب إلى موقف أكثر حدة، معتبراً أن الدعوة تمثل خرقاً صريحاً للدستور واستخفافاً بالعقد الاجتماعي، ورأى أنها تعكس ظاهرة «التزلف السياسي»، داعياً الدولة إلى حماية الوثيقة الدستورية، والرئيس إلى عدم الانجرار وراء مثل هذه الدعوات.
بين الطمأنة والغموض
وفي قراءة أكثر هدوءاً، رأى الوزير السابق عبد القادر ولد محمد أن تصريحات الرئيس الأخيرة تحمل مستويين من الخطاب، أولهما تعهد شخصي بعدم السعي إلى مأمورية ثالثة، والثاني إبقاء ملف المأموريات خارج دائرة الحسم النهائي داخل الحوار السياسي.
واعتبر أن هذا الأسلوب قد يُقرأ بوصفه محاولة للجمع بين طمأنة الرأي العام والحفاظ على هامش للمناورة السياسية، مؤكداً في الوقت نفسه أن المواد المتعلقة بعدد المأموريات تتمتع بتحصين دستوري يجعل أي محاولة لتعديلها محفوفة بتحديات قانونية وسياسية كبيرة.
كما شدد على ضرورة التمييز بين مجرد طرح الموضوع للنقاش وبين إمكانية تعديله فعلياً، معتبراً أن أي تغيير من هذا النوع يحتاج إلى مشروعية سياسية واسعة تتأسس على الإرادة الشعبية والمؤسسات الدستورية.
اختبار جديد للحوار السياسي
ويرى مراقبون أن عودة هذا الملف في خضم الحوار الوطني قد تضيف تعقيداً جديداً لمسار يفترض أن يركز على الإصلاحات السياسية والمؤسسية، خاصة أن مسألة المأموريات كانت تاريخياً من أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل الساحة السياسية الموريتانية.
كما يلفت هؤلاء إلى أن طرح هذا الموضوع، حتى وإن جاء من خارج المؤسسات الدستورية المعنية، قد يدفع مختلف القوى السياسية إلى إعادة تحديد مواقفها منه، بما قد يؤثر على مناخ الحوار وعلى أولويات أجندته.
نص الدستور ورسائل السياسة
وتؤكد هذه التطورات أن ملف المأموريات لا يزال يحتفظ بحساسيته الاستثنائية في موريتانيا، وأن مجرد إطلاق دعوة علنية لتعديل قواعد تداول السلطة كفيل بإحياء نقاشات تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة النظام السياسي نفسه.
وبينما يتمسك مؤيدو هذه الدعوات بمنطق استمرارية المشاريع والإصلاحات، يتمسك الرافضون بأولوية احترام الدستور وترسيخ مبدأ التداول السلمي على السلطة باعتباره أحد أهم المكاسب السياسية التي ينبغي الحفاظ عليها.
وفي ظل عدم صدور أي موقف رسمي يؤيد هذه الدعوة، تبقى تصريحات رئيس الجمهورية السابقة الرافضة للمأمورية الثالثة المرجع السياسي الأكثر وضوحاً حتى الآن، فيما يبدو أن الجدل الذي انطلق من ألاك مرشح للاستمرار، ليس بسبب شخص الرئيس فحسب، وإنما لأنه يمس واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بمستقبل النظام الدستوري والاستقرار السياسي في البلاد.
سيناريوهان لمآلات الجدل
وانضم عمدة بلدية توجنين السابق، محمد سالم ولد بمبه، إلى النقاش الدائر، مقدماً قراءة اعتبر فيها أن الدعوة إلى مأمورية ثالثة أصبحت، من الناحية القانونية، مصطدمة مباشرة بالدستور، مستنداً إلى المادة (99) التي تحصن النصوص المتعلقة بعدد المأموريات الرئاسية».
وأبدى ولد بمبه استغرابه من استمرار تداول هذه الدعوات دون موقف حاسم، سواء من رئيس الجمهورية، الذي يرى أنه ملزم دستورياً بحماية الدستور، أو من بعض الأحزاب والشخصيات التي تتبنى هذا الطرح رغم ما قد يثيره من إشكالات قانونية ودستورية.
ورسم ولد بمبه سيناريوهين محتملين للمرحلة المقبلة، أولهما أن يعلن الرئيس بصورة قاطعة عدم ترشحه لمأمورية ثالثة، مع التأكيد على احترام الدستور والوقوف على مسافة واحدة من جميع المرشحين، بما يفتح المجال أمام انتقال سياسي يعزز المسار الديمقراطي؛ أما السيناريو الثاني، فيتمثل في دعم مرشح من داخل الأغلبية يمثل استمرارية النهج الحالي، على أن يسبق ذلك إعلان رسمي من الرئيس برفض الترشح لولاية جديدة، قبل انتقال الموالاة إلى تبني مرشح يحظى بثقته.
وبين دعوات الإبقاء على الرئيس الحالي لولاية جديدة، وتمسك المعارضة بقدسية النص الدستوري ورفض أي مساس بقاعدة تحديد الولايات، يبدو أن الجدل تجاوز مجرد تصريحات سياسية ليصبح اختباراً مبكراً لطبيعة النقاش العام الذي سيطبع المرحلة المقبلة؛ كما يطرح هذا السجال أسئلة أوسع حول مستقبل التناوب الديمقراطي في موريتانيا، وحدود حرية التعبير في القضايا الدستورية، وقدرة الطبقة السياسية على إدارة الخلافات داخل المؤسسات والقنوات القانونية، بعيداً عن الاستقطاب الذي قد يلقي بظلاله على الاستقرار السياسي والاستحقاقات المقبلة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *