هجمات المليشيات العراقية الأخيرة على الخليج.. “حلقة نار” أم ضمان سيادة هرمز؟


إن وابل الطائرات المسيرة والصواريخ التي شنتها إيران ووكلاؤها في العراق على دول الخليج والأردن، والأضرار التي لحقت بناقلات النفط المبحرة في “ممر غير آمن” في مضيق هرمز، والغارة الجوية التي استهدفت ناقلة نفط أمريكية ترسو قبالة سواحل مصر، ليست فقط محاولة لرسم حدود المنطقة التي تحيط بها إيران، بل تشير هذه الأحداث إلى تصميم إيران على فرض قواعد اللعبة السياسية في المنطقة التي تقع خارج الخليج.

بدأ الهجوم الإيراني بعد فترة قصيرة من إعلانها رفضها المقترح العُماني بشأن اتفاق ملاحة في مضيق هرمز، الذي حظي بدعم دول الخليج. وحسب المقترح، كان من المقرر إنشاء آلية مشتركة لتحصيل المدفوعات، ليس كرسوم عبور، بل كدفعة “طوعية” مقابل خدمات الملاحة والأمن، على شاكلة الآلية المستخدمة في مضيق ملقا بين المحيط الهندي والمحيط الهادئ. مع ذلك، عائدات رسوم العبور التي يقترح تقسيمها بالتساوي بين إيران وسلطنة عمان ليست إلا جزءاً من طلبات إيران، وليست بالضرورة الأهم.

أوضح نائب وزير خارجية إيران، كاظم آبادي، الثلاثاء، بأن “الاقتراح لا يلبي مصالح إيران الأمنية”، إذ يطالب بالسيطرة شبه الكاملة على الممرين، الجنوبي والشمالي، وهو طلب يعني الاعتراف بسيادتها على المضيق. ويعتبر هذا الاعتراف أهم إنجاز سياسي لإيران، وليس فقط تعبيراً رمزياً عن انتصارها في الحرب. فهو يعطيها تفوقاً استراتيجياً وسيطرة على مركز اقتصادي عالمي، ويشكل ضمانة ضد أي هجوم مستقبلي عليها. وهنا يكمن التباين بين وجهة نظر إيران ومواقف دول الخليج، وربما الولايات المتحدة، المستعدة من حيث المبدأ لدفع رسوم خدمات الشحن، شريطة الحفاظ على مبدأ حرية الملاحة، بدون أن تمتلك إيران حق سيادي يتيح لها تهديد الاقتصاد العالمي في أي لحظة.

يقتضي صراع إيران للسيطرة على مضيق هرمز تعزيز نفوذها في دولتين تخضعان لنفوذها، العراق ولبنان. وتهدف إلى إحباط أي مظاهر للاستقلال السياسي في هاتين الدولتين، ما يعني تجاوز سيطرتها على المستوى السياسي والمستوى الاقتصادي. إن قرار حكومة لبنان إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل متجاوزة إيران، وبدء تنفيذ “اتفاق الإطار” برعاية أمريكية، لا يهدد من ناحيتها مبدأ “وحدة الساحات” الذي نجحت في ترسيخه في مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة فقط، بل له تداعيات على موقف إيران في العراق، حيث يتسم التحدي بتعدد جوانبه، وهو من ناحية طهران أكثر خطراً.

في العراق، ترأس الحكومة علي الزيدي، وهو محام ورجل أعمال مليونير،جمع ثروته، ضمن أمور أخرى، من خلال المناقصات الحكومية. الزيدي (41 سنة) هو أصغر رئيس وزراء عراقي، ويفتقر إلى أي خلفية سياسية، وقد انتخب بعد ضغط كبير من قبل الولايات المتحدة. باركت إيران علناً بانتخابه، الذي أعلن عزمه على الحفاظ على علاقات طيبة مع طهران، مؤكداً أنه لن يسمح بأن يصبح العراق هدفاً للهجمات. ومقابل الدعم الأمريكي، تعهد الزيدي بتنفيذ إصلاحات اقتصادية، وبحسبها أفرجت الولايات المتحدة عن نصف مليار دولار – عائدات نفط كان العراق ملزماً بإيداعها في بنك الاحتياط الفيدرالي في نيويورك بموجب اتفاقية وقعت في 2003، وبمكافحة الفساد. ولكن لم يكن هذا التعهد الوحيد، فقد تعهد الزيدي بحل المليشيات التي تديرها إيران، وخلال زيارته لواشنطن قبل أسبوعين، حدد نهاية أيلول كموعد لاستكمال هذه الخطوة بالتزامن مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق.

في هذا المجال، لم يحقق الزيدي حتى الآن سوى نجاح جزئي. فقد أعلنت اثنتان من المليشيات، “عصائب أهل الحق” وكتائب الإمام علي، الاستعداد لنزع سلاحها، إضافة إلى مليشيا الداعية الانفصالي مقتدى الصدر. في غضون ذلك، لا يعدو هذا الأمر كونه مجرد إعلان نوايا ينتظر التنفيذ، في حين أوضحت المليشيات الأخرى، المسؤولة أيضاً عن إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ في الفترة الأخيرة، أنها لا تنوي نزع سلاحها، ما يثير الشك حول قدرة الزيدي على الوفاء بالتزامه تجاه واشنطن. هذه المليشيات جزء من النظام المالي الذي يخدم إيران بفضل سيطرتها على مشاريع اقتصادية.

ولكن المشكلة الكبيرة التي تواجه الزيدي تكمن في الحصار المفروض على مضيق هرمز، الذي تسبب حتى الآن بخسائر تبلغ 45 مليار دولار نتيجة انخفاض صادرات النفط. وبسبب ذلك، يبحث العراق الآن عن حلول بديلة. وقد وقع مؤخراً على مذكرة تفاهم مع سوريا لإعادة تشغيل خط أنبوب النفط الذي يربط كركوك في العراق مع ميناء بانياس في سوريا، وخلال زيارته لتركيا الثلاثاء، ناقش الزيدي إمكانية توسيع خط أنبوب تصدير النفط من العراق إلى ميناء جيهان في تركيا. هذا مسار غير ممهد حالياً، فحتى لو تحولت مذكرة التفاهم مع سوريا إلى اتفاق، وحتى لو استمرت الصادرات عبر تركيا، فسيستغرق الأمر أشهراً وحتى سنوات قبل أن يتنازل العراق عن منفذه عبر الخليج الفارسي.

مع ذلك، تثير هذه الخطوة القلق في إيران، التي ترى التهديد الذي تشكله مشاريع من هذا النوع، والذي قد يقوض احتكار مضيق هرمز ويقلص قيمته الاقتصادية والاستراتيجية بالنسبة لها. ولا يقتصر الأمر على العراق وحده، فكل دول الخليج تخطط الآن لمسارات تسويقية بديلة يمكن أن يكون العراق محوراً رئيسياً فيها. ومن الجدير بالذكر أن تركيا قد تكون من أكبر المستفيدين من هذه الخطط الجديدة، اذ تطمح إلى أن تصبح مركزاً إقليمياًلتسويق النفط والغاز.

في هذا السياق، لا تعتبر عمليات المليشيات في العراق ضد السعودية ودول الخليج في المنطقة مجرد عودة إلى غايتها الأصلية كـ “حلقة نار” تحمي إيران أو كحاجز أمام الهجمات عليها، بل مصممة لجعل العراق دولة غير آمنة لأي تعاون إقليمي يسعى إلى تحييد نفوذ إيران، ولإظهار حكومة العراق بأنها عاجزة عن تلبية التزاماتها تجاه الولايات المتحدة، وللإثبات بأنه من دون اتفاق يرضي طهران فلن تقتصر الهجمات على القواعد الأمريكية فقط، بل ستواجه التحركات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية صعوبة في التبلور أيضاً.

 تسفي برئيل

هآرتس 30/7/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *