الرباط ـ «القدس العربي»: ما إن أعلنت «اللجنة المؤقتة المكلفة بتسيير مهام المجلس الوطني للصحافة» في المغرب عن انطلاق أعمالها، حتى سارعت هيئات نقابية ومهنية إلى الإعراب عن رفضها المطلق لطريقة إحداث هذه اللجنة، معتبرةً أن الحكومة أصرّت على فرض الأمر الواقع لاعتبارات «سياسية ومصلحية ضيقة».
ووصفت هذه المستجدات بكونها «حلقة جديدة في مخطط مكشوف يروم تكريس سياسة تهميش التنظيمات المهنية والنقابية وإقصائها من حقها الدستوري والقانوني في تدبير شؤون المهنة وفق قواعد الاستقلالية، وفي إطار مؤسسة التنظيم الذاتي، بعيدًا عن كل أشكال الوصاية والتدخل الإداري».
«اللجنة المؤقتة» التي يرأسها قاضٍ وتضم ممثليْن عن كل من فئة الصحافيين المحترفين وفئة ناشري الصحف ومندوبًا عن «المجلس الوطني لحقوق الإنسان» وآخر عن «المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي»، كشفت أنها باشرت مهمتها بشكل رسمي، من خلال الشروع في التحضير لمختلف العمليات المرتبطة بانتخاب ممثلي الصحافيين المهنيين وانتداب ممثلي ناشري الصحف، وصولاً إلى تنظيم الاستحقاقات والإعلان عن نتائجها النهائية.
وعقدت، الإثنين، اجتماعًا خصص للتداول في الأجندة الزمنية المتعلقة بمراحل الإعداد لاستكمال عملية تشكيل «المجلس الوطني للصحافة»، حيث جرى التأكيد على ضرورة توفير كافة الشروط والضمانات الكفيلة بإنجاح هذه الاستحقاقات في أجواء تتسم بالشفافية والوضوح، مع الالتزام بالمقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل، حسب البيان الذي اطلعت عليه «القدس العربي».
وأكدت اللجنة التزامها بممارسة المهمات المنوطة بها وفقاً لمقتضيات القانون، مع التشديد على اعتماد مبادئ الحياد والشفافية وتكافؤ الفرص خلال مختلف مراحل الإعداد والتنظيم.
وأضاف البيان أن اللجنة المؤقتة تسعى من خلال هذه العملية إلى ضمان حسن سير الاستحقاقات المرتبطة بتشكيل «المجلس الوطني للصحافة» في صيغته الجديدة، بما يتيح استكمال مختلف المراحل القانونية والتنظيمية، وصولاً إلى الإعلان عن النتائج النهائية.
غير أن الهيئات المهنية والنقابية لقطاع الصحافة والنشر أعلنت رفضها القاطع للقانون الجديد المتعلق بإعادة تنظيم «المجلس الوطني للصحافة»، معتبرةً أن تعيين اللجنة المؤقتة لتسيير هذا المجلس «يمثّـل تكريسًا لنهج الإقصاء والتغول، وضربًا لمبدأ التنظيم الذاتي للمهنة واستقلاليتها».
وقالت الهيئات، في بيان مشترك تلقّت «القدس العربي» نسخة منه، إن الحكومة فرضت «أمرًا واقعًا» بعيدًا عن إرادة التنظيمات المهنية والنقابية، معتبرة أن القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم «المجلس الوطني للصحافة» يكرّس الوصاية على القطاع ويتعارض مع الدستور والمكتسبات التي راكمها الجسم الصحافي في مجال التنظيم الذاتي.
ويرى البيان أن «إصرار الحكومة على الدفع بهذا القانون/ العار نحو التطبيق القسري، رغم الرفض الواسع الذي عبرت عنه الهيئات المهنية والنقابية، والطيف الواسع من نساء ورجال الصحافة والإعلام والأحزاب والنقابات ومؤسسات الحوكمة والمنظمات الحقوقية والمدنية والهيئات الإعلامية، يمثّل تراجعًا خطيرًا عن فلسفة التنظيم الذاتي وجوهره، ويقوّض أحد أهم مرتكزات استقلالية المهنة كما هو منصوص عليه دستوريًا، ومضمّن في مدونة الصحافة والنشر، ومتعارف عليه وطنيًا ودوليًا، ويفتح الباب أمام تعميق اختلالات منظومة الصحافة والنشر، بما تحمله من أعطاب بنيوية وهيكلية وآثار وخيمة على مستقبل الصحافة ومؤسساتها التمثيلية».
وانتقدت الهيئات النقابية والمهنية طريقة تعيين «اللجنة المؤقتة»، معتبرةً أنها تندرج ضمن مخطط يهدف إلى تهميش الفاعلين المهنيين والنقابيين وإقصائهم من تدبير شؤون المهنة، كما أبدت تحفّظها على أول بيان صادر عن اللجنة، مشيرةً إلى أنه لم يتضمن مؤشرات على معالجة الاختلالات التي شهدها المجلس خلال المرحلة السابقة، سواء في تدبير البطاقة المهنية للصحافيين أو القرارات التحكيمية أو أوضاع المستخدمين، مع ما رافق ذلك من ممارسات ترهيبية في حق المستخدمين، وطرد بعضهم دون سند قانوني، وهي أوضاع تستوجب المعالجة والتصحيح.
وجددت الهيئات رفضها لما وصفته بـ «أجندة انتخابية» صيغت وفق اعتبارات سياسية ومصلحية ضيقة، معتبرةً أن النظام المقترح لانتخاب المجلس يكرّس هيمنة المؤسسات الإعلامية الكبرى، عبر معايير ترتبط برقم المعاملات وعدد المستخدمين، ويقصي المقاولات الصغرى والمتوسطة، كما يحدّ من دور النقابات من خلال اعتماد الاقتراع الفردي بدل اللوائح.
وذهبت إلى القول إن اللجنة المؤقتة لن تكون قادرة على تعزيز استقلالية المهنة، لأن مهمتها تنحصر في تنفيذ قانون ترفضه الهيئات المهنية، مع دعوتها، في المقابل، إلى اتخاذ إجراءات تحد من تداعيات المرحلة الحالية، وفتح حوار مسؤول مع مختلف التنظيمات المهنية والنقابية لتوفير شروط انتخابات ديمقراطية وشفافة للمجلس الوطني للصحافة، وفي مقدمتها تسوية ملف البطائق المهنية وضبط الهيئة الناخبة.
وكشفت الهيئات الموقعة على البيان عزمها إطلاق «أشكال نضالية وتنظيمية» خلال المرحلة المقبلة دفاعًا عن استقلالية الصحافة والتنظيم الذاتي للمهنة، محملةً الجهات الحكومية مسؤولية ما قد يترتب عن استمرار هذا المسار من احتقان داخل القطاع.