مسحوقُ الحياة أو الموت… 40 يوما تفصل مرضى الكُلى في غزة عن الشهقة الأخيرة


غزة – «القدس العربي»: في الممر الضيق الفاصل بين غرفتين متجاورتين في قسم غسيل الكلى في مجمع الشفاء الطبي، يقف أبو عبد الله عمران مشلول التفكير، موزعًا نظراته بين بابين يلتهمان ما تبقى من عمر والديه.
في الغرفة الأولى، ترقد والدته، الحاجة فاطمة البربري، بوجه يحمل آثار سقطة عنيفة وإصابات واضحة كساها الشحوب؛ سقطت أرضًا بعد أن ارتفع البوتاسيوم في دمها إلى درجة تسعة نتيجة تأخر جلسات الغسيل ونقص العلاج، لتدخل في دوار وإعياء شديدين قبل أن تنقلها سيارة الإسعاف إلى قسم الاستقبال، ومنه عاجلًا إلى هنا.

غرفتان ومأساة واحدة

وعلى بعد خطوات قليلة، في الغرفة المجاورة، يرقد والده المقعد المصاب بالفشل الكلوي ذاته.
يراقب «أبو عبد الله» عجز والديه وجسديهما اللذين يترهلان تحت وطأة السموم المحتبسة، بينما يقف هو عاجزًا حتى عن توفير كرسي متحرك لوالده يساعده على الحركة.
يقول «أبو عبد الله» بنبرة يملؤها الانكسار خلال حديثه إلينا: «المعاناة هنا تتجاوز المرض؛ إنها تضرب العائلة في عمق وجودها. نضطر إلى قطع مسافات طويلة في ظل ظروف قاسية جدًا وصعوبة بالغة في المواصلات لنصل إلى المستشفى، ثم نكتشف أن الجلسات قلصت من ثلاث إلى مرتين أسبوعيًا، ما يعني أنني أراقب والديّ يموتان ببطء أمام عيني من دون أن أملك لهما شيئًا».
وتختصر عائلة أبو عبد الله الحكاية الكبرى داخل أروقة المجمع الطبي الأكبر في قطاع غزة، حيث تتزاحم صرخات الصمت فوق أجهزة متهالكة، وتئن الجدران تحت وطأة العجز القسري، بينما تتدلى الأنابيب البلاستيكية الحمراء كشرايين اصطناعية تحاول، يائسة، تصفية سموم أجساد أنهكتها الحرب والحصار قبل أن ينهكها المرض.

رحلة الألم

وخارج أسوار المستشفى، تتحول رحلة البحث عن «نصف جلسة غسيل» إلى معركة بقاء حقيقية.
وفي قسم الكلى، تجلس «أم حازم»، مريضة الكلى النازحة من حي الشجاعية، واضعة يدها على جرح غائر في رأسها. تروي قصتها قائلة: «جئت من الشجاعية مشيًا على الأقدام.. لا سيارات، لا مواصلات، لا خبز، ولا كهرباء. نصل إلى المستشفى فلا نجد العلاج لأن الاحتلال يمنع دخوله». تأجلت جلسة «أم حازم» لمدة يومين كاملين بسبب النقص الحاد، وكانت النتيجة فورية وجسدية؛ داهمها دوار السموم المتراكمة، فسقطت داخل الحمام وأصيبت في رأسها إصابة بالغة، ولم تستفق إلا وهي على سرير المستشفى.
وتضيف بحشرجة لـ»القدس العربي»: «إذا لم يدخل هذا الدواء، فمصيرنا الموت المحتم، نحن نموت في كل يوم ببطء».
وعلى سرير مجاور، يستند كامل صبحي بجبينه المتعب إلى قبضة يده. هو مريض كلى يقطن في حي التفاح، بالقرب مما يعرف بـ«المنطقة الصفراء». يقطع كامل هذه المسافة الخطيرة كل يومين تقريبًا.
يقول لـ«القدس العربي»: «معاناتنا تبدأ من الطريق؛ نتحرك تحت أزيز الرصاص والقصف المستمر في المناطق الصفراء. وعندما نصل، يبدأ فصل جديد من المعاناة؛ ننتظر لساعات بسبب نقص مادة الكربونات الخاصة بتشغيل الأجهزة».
وبالنسبة إلى كامل، فإن تقليص ساعات الغسيل من 12 ساعة أسبوعيًا (موزعة على ثلاث جلسات) إلى 6 ساعات فقط (موزعة على جلستين) ليس مجرد تغيير في جدول المواعيد، بل هو سكين ينهش جسده: «تتراكم السوائل والسموم في أجسادنا، وتتورم أقدامنا، ونصاب بضيق حاد في التنفس. إنني أخاطر بحياتي تحت القصف لأصل إلى هنا، وإذا لم أجد العلاج، أضطر إلى العودة والمخاطرة مجددًا من دون فائدة».
وفي أركان المختبرات والغرف التقنية، يكمن أصل المأساة». الأزمة الحالية ليست أزمة أطباء ولا تخصصات، بل هي «فجوة تقنية وزمنية» أحدثها غياب مسحوق كيميائي بسيط يدعى «بيكربونات الصوديوم»، والمعروف تجاريًا بـ»BiBag»، الخاص بتشغيل أجهزة غسيل الكلى من نوع «Fresenius». هذا المسحوق الأبيض، الذي لا يزن سوى بضعة كيلوغرامات، تحول إلى خيط الحياة الرفيع الذي بدأ ينقطع بالفعل.
ويشرح الحكيم عبد الفتاح الشافعي، الممرض في قسم الكلية الصناعية في المجمع، الأبعاد التقنية للأزمة قائلًا: «تعد مادة بيكربونات الصوديوم مادة أساسية لا يمكن لعملية الغسيل الكلوي أن تتم من دونها، ولا يوجد لها أي بديل طبي على الإطلاق. بسبب الحصار والحرب المستمرة، انعدمت هذه المادة تمامًا، ما أدى فورًا إلى إغلاق نصف الأجهزة في القسم».
ويكشف الشافعي لـ«القدس العربي» عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة: «يبلغ إجمالي عدد الأجهزة لدينا 52 جهازًا، تم إيقاف 25 منها بالكامل، ليبقى قيد العمل حاليًا 26 جهازًا فقط. هذا النقص الحاد، الذي وصل إلى 50%، أجبرنا على اتخاذ قرارات قاسية وطبية مريرة لتقليص الجلسات، وهو ما يؤدي طبيًا إلى ارتفاع وظائف الكلى وتراكم السموم، وهي وصفة مباشرة تؤدي إلى الوفاة في حال استمرار الوضع».

45 يومًا قبل الانهيار الشامل

خلف مكتبه المثقل بالتقارير الطبية الطارئة، يطلق الدكتور غازي اليازجي، رئيس قسم الكلية الصناعية في مجمع الشفاء الطبي، تحذيرًا يبدو أقرب إلى إعلان ساعة الصفر.
ويقول الدكتور اليازجي لـ«القدس العربي»: «نحن حاليًا نرعى 240 مريضًا يعانون من فشل كلوي مزمن من الدرجة الخامسة. هؤلاء المرضى حياتهم معلقة بالكامل على هذه الماكينات».
ويتابع اليازجي واصفًا القرار الطبي الأخير أنه «خيار بين السيئ والأسوأ»: «تقليص الجلسات إلى جلستين ولمدة ثلاث ساعات فقط يخفض كفاءة الغسيل الكلوي إلى مستويات خطيرة لا تكفي لتطهير الجسد، مما يفتح الباب أمام مضاعفات قاتلة. وما يضاعف هذه الأزمة هو تهالك عدد كبير من الأجهزة وتوقفها التام عن العمل أصلًا بسبب انعدام قطع الغيار والصيانة اللازمة لها».
يصمت الدكتور اليازجي للحظة، ثم يوجه كلماته الحاسمة التي تحدد المهلة الزمنية المرعبة المتبقية: «إن قدرة المستشفى وقسم الكلى على الاستمرار في العمل بهذا الوضع المتهالك والنقص الحاد في مادة البيباغ لا تتجاوز 45 يومًا في أحسن الأحوال. بعد ذلك، سنكون أمام انهيار شامل وموت مبرمج للمرضى».

عندما تفشل كلى بشرية

الموت في قسم غسيل الكلى في مجمع الشفاء اليوم لا يمكن توصيفه طبيًا بـ»فشل العضو» فحسب؛ فالأجساد الشاحبة، والأقدام المتورمة، والوجوه التي تحمل ندوب السقوط جراء الدوار، كلها شواهد على نوع آخر من الفشل. إنه «فشل الضمير العالمي» الذي يعجز عن إدخال مسحوق أبيض بسيط يزن بضعة كيلوغرامات، لكنه يزن في كفة الإنسانية حياة مئات البشر المعلقين بين الحياة والموت على بوابات مجمع الشفاء.
وتضيق الخيارات، ويقترب العداد التنازلي من الصفر، بينما يواصل مرضى الكلى في غزة السير فوق الرصاص، بحثًا عن جرعة حياة تأبى المعابر المغلقة بأوامر الاحتلال أن تمررها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *