محمد صقر خلال تدريباته
غزة ـ «القدس العربي»: لم يكن الشاب محمد صقر، الذي عمل في فترة ما قبل الحرب مدرب لياقة بدنية، قدّم خلالها خبرته إلى العديد من الشبان الذين حرصوا على بناء عضلاتهم، وإلى آخرين أصيبوا بكسور بالغة وإصابات أعاقت حركتهم، لتمكينهم من التعايش مع الواقع الجديد والقدرة على الحركة، يتوقع أن يخوض هذه التجربة بطريقة جديدة خلقتها ظروف الحرب على غزة.
فهذا الشاب ذو الجسم الرياضي كاد أن يفقد كل شيء يحبه في هذه الرياضة، التي يعرف الكثير عن تفاصيلها. وكان يحلم بالوصول إلى العالمية عندما وقع ضحية غارات الحرب التي أفقدته قدمه، وبات بسبب ذلك يعتمد على ذراعيه في الحركة، متكئاً على عكازين طبيين، بعدما كانت قدمه تمثل ركيزة أساسية في تدريباته الرياضية.
لكن إصرار محمد وعشقه لهذه الرياضة كانا أكبر من الأثر البالغ لتلك الغارة الإسرائيلية، رغم أنها تركت له إعاقة تلازمه طوال العمر.
بداية القصة
بدأت قصة محمد الأليمة مع الإصابة عندما أصيب بجروح خطيرة في إحدى الغارات الإسرائيلية التي استهدفت وسط مدينة خان يونس، جنوب غزة.
ويقول لـ»القدس العربي»: «كانت الإصابة خطيرة جداً، ووصلت إلى المستشفى تقريباً بين اللاوعي والوعي، وفي الوقت نفسه كنت عارف إنه فيه ضرر كبير بالنسبة لرجلي».
ويتابع، وهو يتحدث بحزن عن ذلك اليوم: «شفتها، القدم المصابة، فكان فيها ضرر كبير».
وعند الوصول إلى المستشفى، عمل الأطباء على تقديم الخدمة اللازمة، وأمضوا أسبوعين في العلاج على أمل ترميم القدم وعلاج الجروح الغائرة، وفي النهاية كان القرار: «لا أمل في العلاج ويجب البتر».
ويشير إلى أنه شعر بصدمة كبيرة عندما أيقن أنه سيفقد إلى الأبد إحدى ركائز عمله الرياضي، فقد كان وقع الخبر عليه ثقيلاً. وأدرك ذلك جيداً بعدما فقد قدمه، وشاهد جزءاً من جسده قد بُتر، كخيار أخير أُجبر الأطباء عليه بعد أن نفدت كل محاولاتهم لإنقاذ القدم.
عشق «كمال الأجسام» وعاد إليها بأطراف مبتورة
وشعر وقتها هذا الرياضي، الذي عرفه كثيرون ممن تدربوا على يديه بعشقه لهذه الرياضة، بحزن كبير. ويضيف: «وقتها أدركت إني مش حقدر أتحرك، ومش حقدر أمارس نشاطي الرياضي اللي بحبه كتير، وأدركت إني مش حقدر أعيش زي الأول وأمارس التدريب».
لكن خيال محمد، الذي لم يكن يتصور يوماً أن يهجر لعبته المفضلة، وعزيمته، كانا حاضرين لمساندته بقوة على تجاوز الأزمة، وإدراك أن فقدان القدم لا يعني فقدان العزيمة والقدرة على التغلب على ما حدث بأسلوب جديد يبتكره بطريقته الخاصة.
واستذكر محمد، في ذلك الموقف، أولئك المصابين الذين كان يشارك في تأهيلهم في فترة ما قبل الحرب، وكيف كانوا يكافحون من أجل تحسين قدراتهم البدنية، ومنهم من كان يعجز عن الحركة على قدميه.
ويقول لـ»القدس العربي»: «أدركت بعد بتر القدم ضرورة أن تكون عندي عزيمة كبيرة».
وشيئاً فشيئاً، بدأ محمد رحلة التعافي من الإصابة، وكانت عيناه تترقبان ذلك اليوم الذي يلتئم فيه الجرح، ليبدأ ممارسة لعبته المفضلة.
ولا يقتصر مرانه داخل الصالة الرياضية على ذلك، إذ يتنقل بين الأماكن، ويدل المتدربين الجدد على الطرق الصحيحة لبناء الجسم الرياضي.
ويقول: «أفرح كثيراً وأنا أعطي التوصيات للمتدربين، وأشعر بالسعادة وهم يسألونني عن الطريقة الصحيحة للتمرين».
ذكريات قبل الحرب
ويعود محمد إلى استذكار الفترة التي سبقت الحرب، بالقول: «كان لي نشاط كبير في الصالة الرياضية، كنت أمارس عملي كمدرب، وفي الوقت نفسه كنت لاعباً مميزاً، وكنت أعمل أيضاً على إعادة تأهيل عدة شباب مصابين في الحرب، منهم اللي كان عنده إصابات في النخاع الشوكي، وكنت أعمل لهم تمارين وتدريباً لإعادة تأهيلهم كي يمشوا من جديد».
ويشير إلى أن الصالة الرياضية كان يرتادها أيضاً مصابون بُترت أطرافهم، حيث كان يعمل على مساعدتهم في تمارين لتقوية العضلات، كي يقدروا على الحركة ويعتمدوا على أنفسهم، بعيداً عن الكرسي المتحرك.
وبنبرة حزينة، تحدث وهو ينظر إلى قدمه المبتورة: «والله الحرب ما أخذت مني أنا بس، الحرب أخذت من الكل، هذه حرب إبادة».
ويشير إلى أنها أزالت عائلات بالكامل، ولم تُبقِ بيتاً إلا وفيه مصاب أو مفقود أو مبتور.
ويضيف بمرارة: «بالنسبة لي، الحرب هذه أخذت مني رجلي، وأنا عملي يعتمد كلياً على الحركة في التمرين والتدريب». ويتابع: «يعني أنها أخذت جزءاً كبيراً مني»، لكنه يقول متحدياً: «حتى لو بُترت قدمي الثانية، سأواصل ممارسة هذه التمارين».
أرقام مأساوية
ويقول إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، لـ»القدس العربي»، إن العدوان خلّف، خلال حرب الإبادة الجماعية، أعداداً غير مسبوقة من المصابين الذين تعرضوا لإعاقات دائمة أو طويلة الأمد.
ويقول إنه، وفقاً لآخر الإحصائيات، بلغ عدد الجرحى والمصابين الذين وصلوا إلى المستشفيات أكثر من 172 ألف مصاب، من بينهم أكثر من 19,000 حالة تحتاج إلى تأهيل طويل الأمد، وهو مؤشر واضح على حجم الإعاقات الجسدية والنفسية التي خلّفتها الحرب.
وتشير البيانات إلى تسجيل أكثر من 4,800 حالة بتر، بينهم 18% من الأطفال، إضافة إلى 1,200 حالة شلل، و1,200 حالة فقدان بصر.
وتُصنّف هذه الإصابات ضمن الإعاقات الدائمة التي تتطلب برامج تأهيل متخصصة ومستمرة، غير متوفرة حتى بالحد الأدنى نتيجة استهداف القطاع الصحي.
وتقول وزارة الصحة في غزة إن حالات الإعاقة ارتفعت بنسبة 75%، ومعظمها إعاقات حركية نتيجة عمليات البتر، وإصابات النخاع الشوكي، وإصابات الدماغ، فيما يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة ظروفاً بالغة القسوة، ويعانون من نقص حاد في الرعاية والتأهيل.
ويقول الثوابتة إن أرقام المصابين بإعاقات جراء الحرب «تعكس كارثة إنسانية مركّبة، حيث لا تقتصر تداعيات العدوان على الإصابات الآنية، بل تمتد لتُنتج جيلاً كاملاً من ذوي الإعاقات الذين يحتاجون إلى رعاية طويلة الأمد، في وقت يُحرم فيه القطاع من أبسط مقومات الحياة والرعاية الصحية».
أجسام بحاجة إلى الطعام
وفي المكان الذي يوجد فيه محمد، تمتلئ الصالة في وقت النهار بالكثير من الشبان الذين يحاولون بناء أجسامهم بشكل رياضي.
وقال أحدهم، خلال التمرين، لـ»القدس العربي» إن الأمر شاق جداً، وإن بناء الكتل العضلية في الجسم يحتاج إلى الكثير من الطعام والبروتين، وهو أمر غير متاح في غزة بسبب الحرب ونقص المواد التموينية.
ويشير إلى أنه فقد، خلال فترة المجاعة التي ضربت القطاع جراء الحصار قبل التهدئة الحالية، الكثير من وزنه، وأنه، كغيره، لم يفكر وقتها في ممارسة هذه الرياضة.
ويقول إنه لا يزال يواجه صعوبة في توفير المواد الغذائية اللازمة لبناء الكتل العضلية، بسبب شحها وارتفاع ثمنها، وإنه يتدرب حالياً بطاقة أقل، للحفاظ على جسده الرياضي.
وعلى عجالة، استذكر هذا الشاب التمارين التي كان يمارسها قبل الحرب، وكيف كان جسده الرياضي ممتلئاً بالكتل العضلية البارزة، وكيف بات حالياً بعدما فقد الكثير من وزنه.
وتظهر ندوب الحرب بوضوح في مكان التدريب، فلم تسلم الصالة الجديدة من القصف، وفي أركانها آثار شظايا القصف التي أضرت ببعض الأجهزة الرياضية، فيما انهارت جدران في أطرافها. ويشير محمد إلى أن هذا المبنى هو الثاني، إذ تعرض جزء من المبنى الأول للصالة الرياضية، بما فيه من أجهزة، للتدمير خلال الحرب، بسبب غارة دمرت وحطمت الكثير من المكان. وعملوا على استخراج بعض المعدات وإصلاحها، لكي تكون جاهزة للتمرينات.
وختم بالقول: «الواقع اللي إحنا بنعيشه صعب كتير، الشوارع مدمرة، وركام كتير موجود في الشوارع».
لكنه أكد أنه سيواصل التدريبات، معبراً عن أمله في أن يحصل لاحقاً على طرف صناعي يساعده على الحركة في هذه الشوارع المدمرة، ويسهّل عليه الحركة في تمريناته الرياضية.
وفي غزة، لم يحصل أغلب مبتوري الأطراف على أي طرف صناعي يساعدهم على الحركة والوقوف، فيما حصل من حالفه الحظ على طرف صناعي عادي غير إلكتروني.
ويقول الثوابتة لـ»القدس العربي» إن معاناة من أصيبوا بإعاقات خلال الحرب تتفاقم في ظل تدمير 38 مستشفى و96 مركزاً صحياً، والاستهداف الممنهج لسيارات الإسعاف والبنية التحتية الطبية، إلى جانب النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، ومنع إدخال الأجهزة التعويضية والأطراف الصناعية. وفي الوقت نفسه، يواجه المصابون بإعاقات ظروفاً معيشية قاسية للغاية، في ظل نزوح أكثر من مليوني إنسان، وتدمير مئات الآلاف من الوحدات السكنية.
ويوضح الثوابتة أن أبرز احتياجات المصابين ذوي الإعاقات تتمثل في توفير الأطراف الصناعية والأجهزة المساندة، وإنشاء وتشغيل مراكز تأهيل وعلاج طبيعي متخصصة، وإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية بشكل عاجل ومستدام.
وتشمل الاحتياجات أيضاً توفير الدعم النفسي والاجتماعي، خصوصاً للأطفال، وتأمين بيئة سكنية ملائمة تراعي احتياجات ذوي الإعاقة، وفتح المجال أمام العلاج في الخارج للحالات الحرجة.