تنظيف شاطئ مدينة صور
صور – «القدس العربي»: يُعدّ شاطئ مدينة صور الجنوبي، المصنف واحداً من أجمل وأهم شواطئ حوض البحر الأبيض المتوسط، وأحد أبرز متنفساتها الطبيعية والبيئية، درةً ساحلية فريدة تستقطب الزوار من مختلف المناطق والقرى اللبنانية.
وإلى جانب قيمته الجمالية والسياحية والبيئية الرفيعة، يمثل هذا الشاطئ مساحة حية للذاكرة واللقاء المشترك بين الشعبين الشقيقين، اللبناني والفلسطيني، اللذين تميز تاريخهما المشترك بالتضامن والوحدة في مختلف الظروف والمحطات، ولا سيما في محطات التعافي وصنع الحياة في وجه التحديات والصعاب المتراكمة التي تشهدها المنطقة.
وفي إطار السعي المستمر لإعادة الألق إلى المدينة وشاطئها بعد العدوان والظروف القاسية والضاغطة التي مرّت بها المنطقة الجنوبية، تتضافر الجهود الرسمية والأهلية والمحلية والشبابية لتنظيم مبادرات تطوعية وبيئية واسعة النطاق.
وتهدف هذه الحملات، بشكل أساسي، إلى تنظيف الشواطئ، وحماية المحميات الطبيعية التي تحتضنها المدينة، واستقبال المواسم السياحية والزوار بأبهى حلة ممكنة، لتظل صور مدينة للبحر والحياة والفرح الدائم.
ولا تقتصر أبعاد هذه الحملات التطوعية والبيئية على الجانب الخدماتي أو الجمالي فحسب، بل تحمل رسائل وطنية وإنسانية عميقة، تؤكد إرادة الحياة المتجذرة والصمود لدى أبناء هذه الأرض، وتثبت قدرة المجتمع المحلي بكل مكوناته على النهوض مجدداً من بين ركام التحديات، وترسيخ ثقافة العمل الجماعي والمشترك.
وفي هذا السياق، تعبر المشاركة الشعبية الواسعة عن نبض أبناء المدينة؛ إذ قالت سينام كنعان لـ»القدس العربي»: «كل ما يخص صور نشارك فيه، لأنني ابنة صور. وأكيد عندما يكون بلدك، مدينتك، وبيتك… لا يمكن إلا أن نشارك في أي لحظة وبأي شيء يخص البلد. هذا ليس مجرد دافع لننزل، بل هو واجب يجب أن نقوم به».
حضور فاعل لمخيمات صور
وسجّلت المؤسسات الأهلية والمحلية والجمعيات الإنسانية القادمة من مخيمات صور حضوراً فاعلاً ومميزاً ومكثفاً في هذه المبادرات البيئية والوطنية الكبرى على شاطئ صور، بعيداً عن أي اعتبارات فصائلية أو حزبية، متخذةً من العمل التطوعي الميداني جسراً حقيقياً لتعزيز أواصر الجيرة والأخوة الإنسانية والمصير المشترك.
نبض واحد لمدينة العزّ ومخيّمات الصمود
وبدعوة من جمعية «ديارنا»، شاركت جمعية «بالموند» جنباً إلى جنب مع المؤسسات والجمعيات الأهلية والمحلية من مخيمات صور، مثل جمعية «الصمود»، والدفاع المدني الفلسطيني، وفوج الصحة.
وقالت غنى إسماعيل لـ«القدس العربي»، وهي فلسطينية مقيمة في لبنان، عن هذا البعد: «كوني فلسطينية وأساهم في مساعدة الشعب اللبناني لننظف الشاطئ، فهذا شيء يعنيني كثيراً؛ لأننا شعب واحد وجيران، ومثل ما عم بيصير ببلدنا عم بيصير هون، ونحن بنفهم بعض أكثر. كما أن تعاون جمعية «بالموند» مع جمعيات أخرى مثل جمعية «ديارنا» يمثل خطوة ممتازة وإيجابية للطرفين، لأنه يعكس أهمية تعاون جميع الجمعيات سوياً».
وحدة المصير والبيئة المشتركة
وعكست الكلمات والفعاليات المختلفة خلال هذه الحملات التزاماً أخلاقياً ووطنياً عميقاً بالمسؤولية الاجتماعية تجاه البيئة المحلية في مدينة صور، متجاوزة كل الحواجز. وعن هذا المعنى، قالت سينام كنعان: «نحن بلا سياسة ولا أحزاب، وبدون كل هذه الاعتبارات؛ نحن كنا وسنبقى شعباً واحداً ويداً واحدة. منذ صغرنا، تربينا، وتغربنا، ورجعنا، وما زلنا على هذه القيم. مهما كانت الظروف، وفي أوقات الخطر، كنا سوياً». وأضافت متحدثة عن هويتها وانتمائها المزدوج والمترسخ في وجدانها: «أنا نصف فلسطينية ونصف لبنانية، وُلدت في صور، وكبرت، وتغربت، لكن وطني، بلدي، ومدينتي هي صور. وما زلت أنا وكل أهلي وشعبنا كما تربينا وكبرنا…».
وفي السياق نفسه، أضافت غنى إسماعيل مؤكدة أهمية البعد البيئي والإنساني: «دائماً بنعرف النشاطات بتكون عن الحكي، بس ما في هيك شيء مثل البيئة؛ البيئة بتعمل فرق بالمجتمع، وهيك نشاطات بتفرجي عن جد قديش المجتمع مترابط ومتضامن، وقديش المجتمع بيحب الأرض اللي هو قاعد عليها».
ورأى المشاركون أن حماية الشاطئ ونظافته جزء لا يتجزأ من الحفاظ على الوجه الحضاري للمنطقة، وواجب وطني مشترك يعكس تلاحم المجتمعين اللبناني والفلسطيني في السراء والضراء. وهذا التكاتف اللبناني الفلسطيني الواسع في تنظيف شط صور وحمايته من التلوث، والذي تجسد بوضوح في حضور المؤسسات الأهلية والمحلية والفرق التطوعية برعاية بلدية صور، وبدعوة من جمعية «ديارنا» بالشراكة مع المؤثر مهدي مناع، وبمشاركة الدفاع المدني الفلسطيني، وفوج الصحة، وجمعية «الصمود»، وغيرها، يقدم مثالاً حياً وساطعاً على التكامل المجتمعي الحقيقي واليومي. فعندما تنحني الأيدي معاً، لبنانية وفلسطينية، لجمع المخلفات وتنقية رمال الشاطئ الذهبية، فإنها لا تطهر الطبيعة وحدها، بل ترسخ مدماكاً إضافياً في جدار المحبة والإخوة المتين الذي يجمع أبناء مدينة صور وجوارها من مخيمات الصمود والكرامة.
وتؤكد هذه المبادرات بوضوح أن شط صور سيظل دائماً رمزاً للنقاء، والحرية، والحياة المشتركة، ومساحة مفتوحة للجميع تجمع القلوب على حب الأرض والانتماء الصادق.