الحوار الوطني ليس سمنارا أو جلسة أكاديمية أو لقاء للعصف الذهني، بل هو عملية وجودية ومفاوضات مصيرية لمعالجة الأسباب الجذرية للحرب ومنع تجددها، وحول مستقبل السودان. والحوار الوطني لن ينجح ولن يخطو أي خطوة في علاج الأسباب الجذرية للأزمة/الحرب في السودان، إلا إذا توفرت له مجموعة من العناصر والمقومات، على رأسها: توفر الإرادة السياسية الصادقة عند كل الأطراف، وتوافقهم على الهدف الرئيسي من الحوار، وبناء الثقة بين الأطراف قبل بدء الحوار، والقبول والقناعة بأن مبدأ المساومة، وليس مبدأ الربح والخسارة، هو الحاكم لعمليات الحوار، والقبول والإقرار، قبل بدء الحوار، بأن مخرجاته ستكون ملزمة للجميع، إضافة إلى مجموعة من الترتيبات الركنية القطعية والفاصلة. وفي مقالاتنا السابقة ناقشنا العنصرين، الأول والثاني، وبدأنا في مناقشة العنصر الثالث، المساومة، ونواصل مناقشته في مقال اليوم، ونستكمل المناقشة في مقالنا القادم.
مصطلح المساومة، في سياق الحوارات الوطنية والسياسية، لا يعني بالضرورة «تسوية أو صفقة» أو «تنازلا رخيصا»، كما قد يتبادر إلى الذهن في الاستخدام اليومي. فالمساومة، في علم السياسة وإدارة النزاعات، هي الآلية الجوهرية التي تتحول بها المواقف المتصارعة، والمتمترسة خلف أسوار الأيديولوجيات، إلى قرارات متوافق عليها وقابلة للتنفيذ. هي بمثابة الفرن الذي يصهر المواقف، وقد ينتج موقف ثالث لم يكن موجوداً على الطاولة أصلاً. ولكن، لماذا المساومة هامة وضرورية في عملية الحوار؟ وماهي قواعدها الفعالة؟ ومتى نعتبرها ناجحة، بحيث في النهاية الرابح يكون الوطن وليس هذا الطرف أو ذاك من أطراف الحوار؟
للإجابة على هذه الأسئلة، نحتاج لتفكيك مفهوم المساومة، في سياق الحوار الوطني المصيري، إلى عدة أبعاد، منها:
في الحوارات الوطنية، المساومة هي بمثابة بناء جسر فوق الهاوية، أي أن الأطراف تدرك أن خسارة الوطن كله، في حالة السودان انهيار الدولة
في أي حوار وطني، نادراً ما تكون المساومة حول «من يأخذ الأكثر»، بل حول «من يتحمل الأقل». والمقصود هنا توزيع كلفة التغيير أو كلفة الاستمرار في حالة الجمود. فكل طرف يدخل المساومة ومعه قائمة بـالحد الأدنى، الخطوط الحمراء، وقائمة بـالتنازلات الممكنة. وقانون المساومة يقول: «الطرف الأكثر قدرة على تحمل الألم هو الطرف الأقل تنازلاً».
المساومة كـآلية لترجمة القوة إلى منطق. خارج قاعة الحوار، تُقاس القوة بعدد الأنصار أو النفوذ أو السلاح. أما في قاعة الحوار، فتُترجم هذه القوة، في إطار المساومة، إلى أوراق ضغط. والمقصود بالمساومة هنا هو عملية حسابية معقدة، حيث يحاول كل طرف إقناع الآخر بأن تكلفة رفض العرض أكبر من تكلفة قبوله. إنها ليست مساومة ضعف، بل مساومة إدارة للخسائر المشتركة.
في الحوارات الوطنية، المساومة هي بمثابة بناء جسر فوق الهاوية، أي أن الأطراف تدرك أن خسارة الوطن كله، في حالة السودان انهيار الدولة وتفتت الكيان، تعني خسارة الجميع، بينما ربح الجميع يعني بقاء الجميع والحفاظ على كيان الدولة. لذا، فإن المساومة هنا ليست اقتسام «الكيكة»، بل الاتفاق على حجم «الكيكة» ذاتها، وكيفية منع احتراقها. وبلغة أخرى، المساومة ليست ضعفاً، بل هي فن إدارة الاختلاف في المجال العام، وهي تقوم على فكرة أن «الكيكة» ليست ثابتة الحجم؛ بل يمكن تكبيرها بالتعاون.
المقصود بالمساومة في السياسة ليس فقط التنازل عن المناصب أو القوانين أو غض النظر عن الجرائم والانتهاكات، بل التنازل عن الموقف المتطرف، أو الأعلى، الاعتراف الرمزي. أحياناً، مساومة طرف على كلمة في مسودة دستور، أو على ترتيب بروتوكولي معين، قد تكون في قيمتها الاستراتيجية تعادل مساومة طرف آخر على مكاسب إقليمية. إنها تجارة في الرموز والمشروعية أكثر منها تجارة في المصالح المادية.
ونحن عندما تقول إن محصلة أي حوار وطني تخضع لمبدأ المساومة، فهذا يعني أن الاتفاق، أو الناتج النهائي للحوار، لن يأتي انعكاساً للحقيقة المطلقة أو العدالة الكاملة، بل يأتي انعكاسا لـحالة «توازن الرعب» بين الأطراف في لحظة تاريخية معينة. والمساومة هنا هي التعبير الرياضي عن علاقات القوة، هي الآلية التي تجعل من الممكن تحويل الاختلافات المستعصية إلى نقاط تفاهم قابلة للتطبيق، ليس لأن الجميع راضٍ، بل لأن الجميع أدرك أن خيار الانهيار المشترك هو الخيار الأسوأ من أي مساومة، مهما كانت مريرة.
إن صراعات ونزاعات السودان الممتدة منذ فجر استقلاله وحتى اليوم، وهي كلها تقريبا، تتسم بالعنف ونزيف الدماء وحصاد الأرواح، يتمحور جوهرها حول القضايا الوجودية والتأسيسية لبناء دولة سودان ما بعد الاستقلال. وهي قضايا تتشكل وتتشعب على أساس التعدد والتنوع، وماهية هويتنا، والمشاركة العادلة في السلطة والتوزيع العادل للموارد. هذه القضايا لا يمكن حسمها والفصل فيها وفق قاعدة الأغلبية والأقلية، مثلما لا يمكن أن يعالجها وينجزها حزب واحد، أو تحالف أحزاب، أو مشروع آيديولوجي بعينه. وإنما العلاج يتطلب مساهمة الجميع، ودون أي إقصاء، ووفق آلية المساومة، لأجل التوافق حول مشروع وطني يعبر عن حقيقة أن إثنيات وثقافات السودان تحتاج إلى بعضها البعض في إطار تكامل الوحدة والتنوع. وحتى قضية شائكة، مثل علاقة الدين والدولة، إذا أخصعناها لآلية المساومة، فأعتقد يمكننا التوافق حولها بتبني حلول تخاطب أشواق أصحاب الخيار الإسلامي، وتلبي طموحات دعاة العلمانية والدولة المدنية. إن المشروع الوطني للخروج ببلادنا من جب الأزمة، تقوم أركانه الرئيسية على تسييد قيم الحرية، والإصلاح السياسي، ولتنمية المستدامة، والعلم والمعرفة، والاستنارة والإصلاح الديني، وحب العمل. وهي أركان وقضايا يصعب، بل يستحيل، التوافق حولها من غير آلية المساومة. وعدم التوافق يعني أن النزاعات والصراعات والحرب تظل دائما حاضرة، كما هو الحال الآن في بلادنا.
أخيرا، لابد من الانتباه إلى فهم خاطئ عند البعض، يرى المساومة بمثابة طوق نجاة لمرتكبي الجرائم والانتهاكات بحق المواطن والوطن وعفوا عنهم. هذا غير صحيح وغير وارد، فالمساومة لا يمكن أن تقفز متخطية المحاسبة والعدالة.
٭ كاتب سوداني