إن ما استجد على صعيد الأزمة السودانية، أزمة الحرب المتصلة على مدى يزيد على سنوات الدخول القوي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية لوضع حل شامل لإيقاف الحرب الدامية بين قوات الجيش والدعم السريع، وبقية العناصر المتحالفة مع الطرفين منذ اندلاع الحرب عام 2023. وتعود الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث بدأت الأزمة في نهاية إدارة الرئيس الأسبق جو بايدن. ولكن كيفية تعامل الإدارتين لا يختلف عن وضعية ملف الأزمة السودانية بتداعياتها العسكرية والإنسانية، الذي ظل يشهد تقدما وتراجعا، من دون معالجة نهائية لواحدة من أكثر أزمات العالم كارثية بتعريف الأمم المتحدة.
ولأن المقترحات الأمريكية دائما ما تأتي معقدة، بين المطالبة بالانتقال الديمقراطي وانتخابات نزيهة وغيرها مما يدخل في باب العملية السياسية، أكثر من خطوات تنفيذ آلية حاسمة ضد تصاعد العلميات العسكرية، ثم إن بعض هذه المقترحات يعكس السياسة الأمريكية في تصورها لمشكلات العالم، التي ليست بالضرورة لديها ذرائع سياسية وأيديولوجية، لأن بعضها -إن لم يكن معظمها- تتعلق بأزمات الحكم وصراع الموارد وغيرها من تصدعات بنيوية في تلك البلدان؛ وأمريكا نفسها جزء من هذه المشكلات بدعمها التاريخي لأنظمة لا تتوافق مع سياساتها غير الديمقراطية في الغالب الأعم.
ولكن للمفارقة، كما ذكر هنري كيسنجر أحد صناع سياساتها الاستراتيجية، أن الولايات المتحدة ظلت مصدرا للديمقراطية وضامناً لها حول العالم، ونصّبت من نفسها قاضيا لنزاهة الانتخابات في الخارج، وتطبق عقوباتها الاقتصادية حين ترى أن معاييرها لم تطبق بالشكل المطلوب!
ما خفي أو حاولت أن تخفيه ورقة المقترح الأمريكي هو، أن بنودها تصطدم مع سياسيات دول إقليمية تدخل بقوة في مسار الحرب الجارية منها، دول مجاورة وأخرى تعمل من خلف الأبواب
منذ أن تم تعيين المستشار الحالي مسعد بولس 2024 من قبل إدارة ترامب في منصب كبير مستشاريه للشؤون العربية والشرق الأوسط، ومن ثم مستشار رفيع للشؤون الافريقية، ومن قبله سلفه توم بيرلو في إدارة بايدن، تواترت لقاءاته المعلنة والسرية مع قادة وجنرالات، حاملا مقترحات إدارة ترامب وكذلك تصريحاته في مهمته الافريقية التي فيما يبدو حصرا على السودان وحده، البلد المنكوب من بين بلدان القارة والمنطقة. ولكن في منتصف الشهر الجاري أعلن عن مقترحات جديدة طرحتها الإدارة الأمريكية بما عرف إعلاميا «الورقة الأمريكية» تضمنت بنودا مقترحة سبق أن تقدم بها المبعوث الأمريكي، مع مبادرات ومساع إقليمية أخرى، إلا أنها اختلفت في طرح هدنة شاملة لمدة تسعين يوما، شكلت أبرز محاورها ومنحها الزخم السياسي والدبلوماسي.
ولكن على ضوء استمرار وتيرة الحرب السودانية بين أطرافها، واتساع نطاقها العسكري والكارثي الإنساني، فما الجديد الذي تحمله الورقة الأمريكية الجديدة في بنودها وما مدى قدرتها على تنفيذها واستجابة الطرفين (الجيش، والدعم السريع) لبنودها، أو إلى ما تمثله من ضغط السياسة الأمريكية المباشر؟ فقد جاءت البنود المقترحة في شكل نقاط محددة، من دون تفاصيل شاملة، وأشار بعضها – ربما للمرة الأولى- إلى حلول عبر آليات ذات اعتبارية إقليمية في الحل، مثل إنشاء آلية تابعة للأمم المتحدة، بمشاركة الاتحاد الافريقي وجامعة الدول العربية، لدعم عمليات انسحاب عسكرية محدودة، بما يسهم في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لعودة النازحين، وإنشاء لجنة تنسيق للإشراف على تنفيذ الاتفاق، وآليات للرصد والمتابعة، وتسوية أي نزاعات قد تنشأ خلال الهدنة. ولم تنس المقترحات الإشارة التضمينية الدائمة في بنود المقترحات بالحفاظ على سيادة السودان ووحدة أراضيه وجيش موحد بخلاف البنود التي تقع تحت مسمى الترتيبات الأمنية بما يشمل وقف إطلاق النار والانسحاب وإعادة الانتشار والدمج والتسريح.
وعند مراجعة ما جاء في نصوص المقترح الأمريكي مقارنة مع واقع تجاوز كثيرا تصوراتها، وما رسمته من محددات ومسارات أمنية وسياسية، إن لم يكن بحكم السياسات المتصورة، فبضرورة الأمر العسكري الواقع، كان بالإمكان أن يفهم الكثير من بنود الترتيبات الأمنية في مرحلة ما قبل تصاعد الحرب ووصولها بالتالي إلى مستوى الانقسام الداخلي، ما أوجد أوضاعا لم تعد نصوص المبادرات ومقترحات تجدي صياغتها لقراءة هذا الواقع الجديد. ولعل هذا الموقف ما بدا أن الحكومة السودانية تتشاركه أيضا، كما يتضح في ردها على بنود المقترح قيد التنفيذ. فقد جاء الرد الحكومي الذي وافق على شروط هدنة التسعين يوما، ومطالبا بانسحاب قوات الدعم من مناطق وولايات سيطرت عليها منذ بداية الحرب. والمفترض أن حكومة تقاتل طرفا منذ سنوات ولم تستطع إعادة مناطق خرجت عن سيطرتها «الشرعية»، ترغب في انسحاب كامل لقوات ذهبت بعيدا في السيطرة العسكرية، كان مؤداها حكومة موازية معلنة (حكومة تأسيس) تقاسمها حركة تحرير السودان شمال، وبعض الأطراف السياسية والعسكرية، وهي في ما يبدو رغبات تنبثق عن محاولات لإعادة الشرعية عبر نتائج الهزيمة.
وما خفي أو حاولت أن تخفيه ورقة المقترح الأمريكي هو، أن بنودها تصطدم مع سياسيات دول إقليمية تدخل بقوة في مسار الحرب الجارية منها، دول مجاورة وأخرى تعمل من خلف الأبواب، ولديها تحالفاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ما يفوق أهمية الملف السوداني في أولويات الأمن والاقتصاد الأمريكيين. وما تعلمه الولايات المتحدة من أن خريطة الحرب الجديدة تضع مقترحاتها أمام تحديات تطبيقية، أيا يكن مستوى استجابة الطرفين لبنودها. ومنها أن الاستجابة التي أبداها الطرفان ليست مبرأة من مناورات سياسية أمام الضغوط الدولية، أكثر منها نوايا حقيقية في إنهاء الصراع وفق بنود المقترحات، في أهم محورين مفصليين في الانتقال الديمقراطي، الذي يعني إزاحة أطراف أشعلت الحرب، وبالتالي تخشى نزع السلطة التي تمكنت من إعادتها حربا، وجيش موحد للبلاد بما يعني دمج قوات الدعم السريع، وهي النقطة الجوهرية مثار الخلاف قبل اندلاع الحرب بفارق زمني وجيز، أو ما عرف بالاتفاق الإطاري لتسوية العلمية السياسية والعسكرية أثناء فترة الحكومة الانتقالية.
ثم إن الخطة الأمريكية بمحاورها الأربعة التي رحبت دبلوماسيا بها دول المجموعة الرباعية السابقة (الولايات المتحدة، الإمارات مصر والسعودية) بتركيزها على وقف إطلاق النار، وهدنة إنسانية والانتقال المدني الديمقراطي ترتكز في نجاحها على مدى موافقتها على مجرى الأمور على الواقع السياسي والعسكري للحرب. وفي حال عدم موافقتها وهو الأمر الأكثر احتمالا، قد تضطر الورقة الأمريكية إعادة صياغة بنودها تعديلا أو التنازل عن بعضها، وفق معادلة التفاوض في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة. ولأن الضغط على الطرفين خاصة على قوات الدعم السريع يدخل في تقاطعات سياسية، تعني دولا في المنطقة، فإذا نجحت خطة الهدنة لثلاثين أو تسعين يوما، حسب المقترح للسماح بإيصال المساعدات الإنسانية، قد يعني ذلك تقدما كبيرا في مسار الأزمة، رغم أن هذا المقترح تعوقه عقبات لوجستية وبيئية في هذا التوقيت في السودان.
والاستجابة للمقترح الأمريكي تخضع لحسابات الداخل ومنها الضغوط العنيفة التي تعمل من خلف الستار في توجيه دفة الحرب من عناصر النظام السابق، وكتائب الحركة الإسلامية التي صنفتها أمريكا في سبتمبر من العام الماضي جماعات إرهابية، وما تستفرد به من سلطة القرار داخل الجيش والحكومة. وغيرها من مؤثرات داخلية تضغط جميعها باتجاه رفض بنود المقترح الأمريكي الذي يهدف ضمنيا إلى تفكيك المنظومة العسكرية والسياسية لهذه المجموعات بما يعني وفق تفسير المجموعات تقوية موقف الدعم السريع. والملاحظ أيضا أن المقترح الأمر أفصح عن بنود واردة في نصوص بينما نتائجها في حال تطبيقها تظهر ما أخفته البنود بين سطور النصوص من سيناريوهات بدت ملامحها على أرض الواقع بما يعني ليس خريطة طريق جديدة، بل سودان جديد افرزته صراعات السلطة بوسيلة الحرب، في ظل غياب لأي آلية أخرى تفضي إلى حل ينهي أزمة إنسانية كارثية لم تعد محتملة.
كاتب سوداني