أعرف أن كثيرا من البريطانيين يعتقدون أنني حققت نصرا كبيرا بإعادة حزب العمال إلى الحكم عقب حوالي عقدين من الوقوف البائس في عراء المعارضة، ولكن أولادي لا يعترفون لي بفضل ولا يذكرون لي أي إنجاز البتة باستثناء إعجابهم وفخرهم بأبيهم عندما سنح له ذات يوم أن يقابل كفين كيغان ويتبادل معه بضع تمريرات رأسية بالكرة!
هذا أطرف، وربما يكون أهم، ما قاله توني بلير في حوار مطول مع الصحافة البريطانية بعيد وصوله إلى الحكم عام 1997: لم يكن له من إنجاز، في عيون الطفولة البريئة المستصغِرة لما يستعظمه الكبار من عظيم الأمور، سوى أن النجم الرياضي اللامع، الذي وافته المنيّة هذا الأسبوع، قد تواضع عندما قبل اللقاء بوالدهم، بل ومُساجلته بالكرة ندّا لند. ولأن بلير كان يقدر نجومية كيغان حق قدرها فقد سارع فور اللقاء معه في مدينة برايتون يوم 2 أكتوبر 1995 إلى التنبؤ، الصائب، بأنه قد صار في حوزته «آخر الأمر» ما يستطيع أن ينال به إعجاب أولاده وتصفيقهم! ذلك أنه قد بلغ من نجومية كيغان، من منتصف السبعينيات حتى أوائل هذا القرن، أن كبار الساسة من مختلف الأحزاب كانوا يرغبون في التقرب إليه والظهور بجانبه أمام الكاميرات. فقد حرص جون ميجور، مثلا، على لقائه في ملعب سانت جيمس بارك، حيث أهدى له كيغان قميصا من قمصان فريق نيوكاستل يونايتد الذي كان كيغان يدربه آنذاك. وربما يبقى من أقوى وأَخْلَد مظاهر التواطؤ بين السياسة والرياضة، أو بالأحرى حرص أهل السياسة على تفيُّؤ شجرة جماهيرية أهل الرياضة، تلك الصورة الشهيرة التي التقطت لكفين كيغان مع زميله أملين هيوز يوم 5 يونيو 1980 وهما يطبعان قبلة طفولية على خد مارغريت ثاتشر بينما كانت هي تمسك كرة بين يديها أثناء الحفل الذي أقامته على شرف المنتخب الإنكليزي في 10 داوننغ ستريت.
كيغان لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل كان ابنا من أبناء الطبقة الكادحة استطاع بجهده أن يرقى إلى الأعالي
إلا أن المعروف أن كيغان لم يقبل الدعوة التي وجهتها له ثاتشر بالانضمام إليها في افتتاح مهرجان للشباب الأوروبي في مدينة بيرمنغهام بعيد فوزها بالانتخابات عام 1979. وقال في شرح هذا الموقف السياسي الراديكالي إنه كان سيقبل لو أن الذي وجه له الدعوة هو سلفها رئيس الوزراء العمالي جيمس كالاهان. ذلك أن كيغان ينتمي لعائلة بروليتارية كادحة ثابتة على الوفاء لحزب العمال وأنه نشأ في بيت لم تدخله الكهرباء إلا بعد أن تجاوز سن العاشرة. لهذا قال مازحا جدا بهزل إن والده كان سيقتله لو أنه قبل دعوة تاتشر، فقد كان والده من عمال المناجم الذين لم تألُ ثاتشر جهدا أثناء السنوات الأولى من حكمها في سحق نقابتهم والقضاء على صناعتهم.
والملاحظ أنه قد كان لمبادرة ثاتشر مسوغات معقولة، حيث كان كيغان أول لاعب كرة قدم إنكليزي يهاجر للعب في البر الأوروبي وأول لاعب إنكليزي يفوز بالكرة الذهبية مرتين. ولا أزال شخصيا أذكر أنه لما بدأ اللعب في صفوف فريق هامبورغ الألماني عام 1978 أجرت معه مجلة «أونز» الرياضية الفرنسية، التي كنا مُفتَتَنين لما كنا صغارا بصفحاتها الصقيلة وصورها الملونة، حوارا كان مما قال فيه إنه بدأ يتعلم بعض الألمانية بمساعدة زوجته التي كانت الصورة تظهرها معه في الريف الألماني وهما يتنزهان على صهوة جواد. كان كيغان من أبطال طفولتنا، فقد كان نجم ليفربول الألمع أثناء سنوات عزها من 1974 إلى 1977، وكان معه كوكبة من اللاعبين المهرة الذين قهروا بوروسيا مونشنغلادباخ، مثل راي كندي وكني دالغليش والحارس راي كلامنس.
إلا أن مسوغات الرفض لدى كيغان كانت أقوى، وفاء لجذوره العمالية وأصالة عن وعيه الطبقي ووقوفا شجاعا (شهد به زملاؤه لما كان لاعبا في نيوكاستل) ضد عنصرية «الجبهة الوطنية» اليمينية المتطرفة بلغ به حد التهديد بمغادرة الفريق إن لم تمنع إدارتُه جحافلَ العنصريين الاستعلائيين من توزيع منشوراتهم التحريضية بين المشجعين. ولهذا ارتأت إحدى الصحف المحلية أن أَلْيَق ما يكرَّم به كيغان بعد وفاته هو أن يؤبّنه كارل ماركس شخصيا! وفعلا، فقد حصل! حيث جاء في المرثية الماركسية أن كيغان «لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل كان ابنا من أبناء الطبقة الكادحة استطاع بجهده وموهبته وعلوّ همّته أن يرقى إلى الأعالي التي كانت اللعبة الرأسمالية تريد جعلها حكرا على الصفوة المَحظِيّة».
٭ كاتب تونسي