أعلى توافد من المحافظات منذ السبعينيات… وخليط اجتماعي متداخل    


دمشق – “القدس العربي”: يستقبل الساحل السوري مئات الآلاف من المصطافين ضمن بيئة اجتماعية طبيعة اختلط فيها القادم من إدلب وحماه ومحافظات الجزيرة بأهالي المنطقة.

وفي استطلاع لـ”القدس العربي” شمل عدداً من المختصين من أبناء المنطقة، تم التوافق على أن نسب الامتلاء مطلقة نهاية الأسبوع أيام الأربعاء والخميس والجمعة، وحالة التوافد لم تشاهد مثلها منذ سبعينيات القرن الماضي.

 وعلى الشاطئ ترى كل هذا الخليط الاجتماعي المتداخل من دون أي مشاكل، أو فرض ضوابط على الحفلات والمشروبات ولباس البحر، على خلاف ما يتم الترويج له عبر صفحات التواصل الاجتماعي، أما النفقات، فتتحرك ضمن مروحة قادرة على تلبية جميع الشرائح من بسطاء يتناولون وجباتهم بعد أن تخبز أمامهم من تنانير منتشرة على الطرق السياحية، أو من ميسورين يدفعون أكثر من 550 دولاراً لاستئجار شاليه على الشاطئ الأزرق في اللاذقية لليلة واحدة.

الشرع يطلق الموسم

وفي مؤشر على مدى التحول بالتعاطي مع بيئة لطالما كان ينظر إليها بأنها حاضنة النظام السابق، أطلق الرئيس السوري، أحمد الشرع، في السابع من حزيران/ يونيو الماضي، فعاليات موسم طرطوس السياحي من على كورنيشها البحري، كما سجل بأنه بات أول رئيس سوري يزور جزيرة أرواد.

وبات الموسم السياحي للساحل أفضل بمراحل عدة عن موسم السنة الماضية الذي كان قد تعرض لنكسة نتيجة أحداث الساحل الدموية، فلم يبدأ توافد المصطافين حينها إلى نهاية شهر آب/ أغسطس، أما هذا العام فإن الموسم بدأ مع بداية شهر حزيران/ يونيو الماضي، حسبما أكده العامل في شاطئ الرمال الذهبية في طرطوس أحمد بشلاوي لـ”القدس العربي”، موضحاً أن ما ساعد على الازدهار هو الهدوء والاستقرار وعدم وجود أي حوادث أمنية، وتوفر الكهرباء على مدار الساعة بدون تقنين في منتجعنا.

بشلاوي أكد أن شاليهات الرمال الذهبية تكون ممتلئة بشكل كامل أيام الأربعاء والخميس والجمعة، وتكون نسبة الإشغال أقل بباقي أيام الأسبوع

بشلاوي أكد أن شاليهات الرمال الذهبية تكون ممتلئة بشكل كامل أيام الأربعاء والخميس والجمعة، وتكون نسبة الإشغال أقل بباقي أيام الأسبوع، مبيناً أن أعداداً كبيرة من أصحاب الشاليهات الذين كانوا يقيمون فيها بشكل دائم، قبل سقوط النظام السابق، وهم في قسم كبير منهم من أهالي مدينة حلب، عادوا اليوم إلى محافظاتهم، وباتوا يعرضون شاليهاتهم للاستثمار السياحي.

وقال إن آجار الشاليهات هذه الأيام تبدأ من 100 دولار لليلة الواحدة، أما تلك التي تصل إلى 250 دولاراً فهي تضم 3 غرف نوم وصالوناً ومطبخاً وتطل على الشاطئ مباشرة، وذات المواصفات يصل أجارها إلى ما يزيد عن 350 دولاراً لليلة الواحدة، وربما أكثر، في منتجعات أخرى.

وبين أن الشرطة السياحية تضبط الوضع بشكل كامل، ولا أحد يتدخل بشؤون أحد آخر، فيما يتعلق وتنظيم الحفلات الليلة وتقديم مختلف الوجبات الغذائية والمشروبات أو في نوعية لباس البحر للذكور والإناث.

وتابع: “إن هذه الحركة السياحية انعكست إيجاباً على أهالي المنطقة، فهي أمنت فرص عمل للكثير ممن كان لا يجد أي مصدر دخل له، وهذه الأموال التي تضخ في السوق تنعكس إيجاباً على كامل سكان المنطقة وتدفع إلى تحريك عجلة الاقتصاد، وإن لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب.

العامل في المجال السياحي من أهالي القدموس في محافظة طرطوس محمد أبو عمار قال لـ”القدس العربي” إن الأمور باتت جيدة جداً، والمنطقة الجبلية التي يقيم فيها تستقبل مصطافين بأعداد كبيرة، وخصوصاً لممارسة رياضة “الزيبلاين”، أي الانزلاق على الكابلات الفولاذية، في قرية السميحيقة، حيث بات هذا المكان من بين أبرز مشاريع سياحة المغامرة في سوريا.

وأوضح أن حجز الشقق السياحية في القدموس يتراوح ما بين 200 إلى 500 ألف ليرة سورية قديمة في الليلة الواحدة، والمدينة التي يتقاسمها مناصفة تقريباً أبناء الطائفتين الإسماعيلية والعلوية، على خلاف ريفها ذات الغالبية العلوية، تشهد مطاعمها ومقاصفها حفلات الطرب مع تقديم مختلف الوجبات.

وذكر أبو عمار بأن المنطقة تعيش حالة من الاستقرار الأمني رغم ضغط عدد السياح القادمين، وعناصر الأمن من أفضل الشباب، وهم في جانب منهم، من أبناء المنطقة وخصوصاً ضمن صفوف شرطة المرور.

 وقال: “أقيم على الطريق الواصل إلى منتجع الاطلال، حيث “الزيبلاين” والسير بالدراجات الهوائية على الكوابل الفولاذية، وفي نهاية الأسبوع، أيام الجمعة والسبت، فإن كثافة الحركة لم نشهد مثلها سابقاً، سواء من السيارات الخاصة أو من عشرات حافلات المجموعات السياحية الكبيرة التي تصطف وراء بعضها متلاصقة وبكمية فاقت جميع المواسم السابقة منذ إطلاق مشروع “الزيبلاين” عام 2019″.

وإذ أكد أبو عمر أن هذه الحركة السياحية قد ساعدت على تخفيف الضغط المعيشي على الأهالي لكنه أوضح أن حالة الفقر تكاد تكون عامة، وما زال الناس يعانون من عدم توفر فرص العمل، والموسم السياحي الذي يمتد لبضعة أشهر في الصيف، يخفف عنهم، لكنه غير كاف لتأمين دخل مقبول لباقي أشهر السنة.

وأضاف: “الغالبية الساحقة من أهالي قرى الساحل السوري تعمل في الزراعة، ومع الارتفاع في أسعار المحروقات وفواتير الكهرباء وانقطاع الرواتب الشهرية عن كثير ممن كان يعمل في العاصمة وعودتهم إلى قراهم، فإن الوضع المعيشي بات صعباً”.

وأشار إلى أن وضع الكهرباء قد تراجع بعد مرحلة كانت فيها أفضل، فبرنامج التقنين اليوم هو ساعتا وصل مقابل 4 ساعات فصل، لكنه بالتأكيد أفضل مما كان عليه في عهد النظام السابق حين كانت ساعات القطع تزيد في معظم الأحيان عن 5 ساعات مقابل أقل من ساعة وصل واحدة.

ويرجع ازدهار الموسم السياحي في الساحل السوري بشكل أساس إلى حالة الأمان الكامل على الطرق الرئيسية على مدار الساعة، وقال الصحافي هيثم قصيبة لـ”القدس العربي” إن الشرطة السياحية منتشرة بشكل لافت من دون نصب أي حواجز تعيق الحركة، ومن دون أي مضايقات من كسب شمالاً على الحدود مع تركيا إلى الحدود اللبنانية جنوباً.

وتابع: “إنا ابن مدينة اللاذقية ولم أشاهد مثل كثافة هذا التوافد على الساحل منذ سبعينيات القرن الماضي، وما عاينته في صلنفة على الجبال الشرقية المطلة على اللاذقية، أو في منتجع وادي الملوك بريف جبلة، يكاد أن يشبه المحشر من ارتفاع عدد القادمين من كافة المحافظات السورية، فيما المصطافون يعيشون حالة الفرحة وهم يشاركون في حفلات الرقص والغناء”.

وأوضح قصيبة أن تكلفة الاصطياف في الساحل السوري مفتوحة على مروحة واسعة، وكل يستطيع أن يصرف بحسب إمكانياته، فالبسطاء يتناولون وجباتهم من المعجنات والفطائر عند التنانير البسيطة المنتشرة على الطرق السياحية، والفئات الأفضل يجدون غاياتهم في المقاصف الشعبية المنتشرة على طول الساحل، وحتى أصحاب الدخل العالي، هناك فنادق ومنتجعات الخمسة نجوم وأسعارها الخيالية، حيث يمكن أن تصل أجرة الشاليه الذي يتسع لعشرة أشخاص على “الشاطئ الأزرق” في اللاذقية إلى ما يزيد عن 500 دولار لليلة واحدة.

يرجع ازدهار الموسم السياحي في الساحل السوري بشكل أساس إلى حالة الأمان الكامل على الطرق الرئيسية على مدار الساعة

وبين قصيبة أن أهالي الساحل ممن يعيشون بالقرب من الطرق والمرافق السياحية، ظهرت عليهم علامات الراحة المادية بعد سنوات من الفقر والحاجة، فهناك من صمم مجلساً صغيراً إلى جانب فرن تنور، وآخر نصب كشكاً لبيع المشروبات الساخنة أو الباردة، أو بسطة للحرف اليدوية من صدف البحر، أو منتزهات أو مطاعم، والسلطات المحلية لا تتعرض لأصحاب هذه المهن وتتركهم يسترزقون منها من دون مضايقات.

وحسب قصيبة، فإن الاحتقان الطائفي تراجع بشكل كبير، ولا تجاوزات تحصل إلا في حالات فردية نادرة، كما لا يشاهد حمل السلاح إلا بيد عناصر الدولة، وهؤلاء منضبطون وفي حالة مراقبة لا أكثر، ولا حواجز لهم كما كان عليه الوضع في زمن النظام البائد، مؤكداً أن توفر مصادر الدخل نتيجة الحركة السياحية قلل من التوتر الناجم عن الفقر، وجعلت الراحة الاقتصادية الناس بعيدين عن التأثر بأي شحن طائفي خارجي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجعت نسب الجريمة وخصوصاً تلك المتعلقة منها بالسرقة والسلب والخطف بقصد الفدية.

وأكد قصيبة أن معظم المصطافين هم من السوريين، إلى جانب رحلات لمجموعات سياحية قادمة من الأردن، ولكن ظهور مواطني دول الخليج العربي ما زال محدوداً جداً، مشيراً إلى أن أكثرية القادمين هم من أهالي إدلب ثم حماه ومحافظات الجزيرة السورية دير الزور والرقة والحسكة ممن حرموا من زيارة الساحل طوال السنوات الخمس عشرة الماضية.

وقال: “على الشاطئ ترى هذا الخليط الاجتماعي المتداخل من دون أي مشاكل، وكل ما يتم الترويج له من مشاكل ليست موجودة إلا على صفحات التواصل الاجتماعي، أما على الأرض فالصورة مختلفة تماماً”.

لا فجوة طائفية

واعتبر الباحث الاقتصادي والناشط السياسي حسین مرهج العماش أن موضوع الازدحام السياحي الشعبي من الداخل إلى الساحل السوري هذا العام، بأنه أمر يثير الدهشة، ويأتي على عكس الانطباع الاعلامي السائد بوجود فجوة طائفية بين الساحل والداخل.

 وقال لـ”القدس العربي” إن ما يحصل يعني أن الشعب السوري بغالبيته، شعب متسامح ومتماسك، ولا يتأثر بعمق بالتحريض الطائفي، مع الإشارة إلى أن الساحل ليس كله علوياً، بل يشكل السنة نسباً كبيرة وخصوصاً في المدن.

تطرق العماش إلى السبل الكفيلة بإطلاق التنمية الشاملة في الساحل، وقال إن هذه السياحة الداخلية ذات التكلفة الرخيصة، هي رسالة إلى الحكومة بالنزول من برجها العاجي القائم

والعماش، الحاصل على درجة الدكتوراة في الاقتصاد من جامعة بنسلفانيا، وعاد إلى دمشق بعد سقوط النظام، عبر عن قناعته بأن قيام الرئيس الشرع بنفسه بإطلاق بداية الموسم السياحي من طرطوس هي رسالة واضحة الى أبناء الساحل، وخاصة للعلويين، أن الحكومة لا تميز بين منطقة وأخرى من حيث اهتمامها بتحسين الأحوال الاقتصادية للناس، ولو أن الممارسة الفعلية تشير إلى أنها ليست متساوية في عدد من المناطق السورية الأخرى التي حظيت باهتمام أقل.

واعتبر في تصريحه لـ”القدس العربي” أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة وحتى متناهية الصغر، هي واقعياً الرافعة الاقتصادية الحرة، لكثير من السوريين في ظل سيطرة اقتصاد الظل وجمود النشاط الاقتصادي وضعف مساهمة الدولة في التمكين الاقتصادي، موضحاً أن هذا يضعنا أمام حقيقة أن الحكومة مقصرة في تفعيل مؤسسات وآليات دعم المشاريع الصغيرة بقوة وشفافية لأنها هي من يؤمن سبل العيش الكريم لشريحة كبيرة من أبناء الساحل في دولة تعاني من البطالة الشديدة في كل منطقة.

وتطرق العماش إلى السبل الكفيلة بإطلاق التنمية الشاملة في الساحل، وقال إن هذه السياحة الداخلية ذات التكلفة الرخيصة، هي رسالة إلى الحكومة بالنزول من برجها العاجي القائم على وهم المشروعات السياحية الفاخرة، ولتفهم قدرات المجتمع وثقافتهم وإن التنمية الشاملة تبدأ من الناس وتنتهي بهم، وإلا ستكون نبتة غريبة تموت في بيئة غير مناسبة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *