هنالك مقولة تقول «أنت ما تأكل»، فصِحَّة الإنسان الجسدية والنفسية تتأثر بما يُدخِله إلى جوفه.
مهما بلغت الحضارة الإنسانية من الرّقي والتعقيد والتقدم، فهي تبقى مرتبطة إلى حد كبير بموسم قمح أو أرز أو بطاطا وغيرها، وسيظل الإنسان مضطراً إلى تشغيل معدته! ماذا سنأكل؟ هذا سؤال يشغل الأفراد وأرباب الأسر والأنظمة المطالبة بتوفير الغذاء لشعوبها، وإلا فالانهيارات أو الثورات.
عندما يتضرر أحد الأعمدة الغذائية نتيجة مرض أو جفاف أو فيضانات أو حروب أو آفة زراعية…تهتز معه الأسواق والمصارف، وتضطرب السياسة، وقد يؤدي فقدان الأمن الغذائي إلى حروب وهجرات واسعة وتغيّرات ديموغرافية.
هذا يظهر هشاشة البشر، فلا غنى لهم عن اللقمة.
في القرن الخامس عشر جلب الإسبان البطاطا من أمريكا الجنوبية، وانتشرت في أوروبا فوفّرت نوعاً من الأمن الغذائي وأسهمت في زيادة عدد السكان وتوسيع المدن وتغذية الجيوش والعمال.
وعندما ضُربت البطاطا بالمرض في القرن التاسع عشر 1845 إلى 1852 أدت إلى مجاعة في إيرلندا تسببت في وفاة أكثر من مليون شخص وهجرة حوالي مليون آخرين إلى كندا والولايات المتحدة.
في الوقت الذي تظهر فيه أصناف لا تحصى من الأطعمة المبتكرة، من مختلف المواد الأساسية، ظهر نموذج معاكس يعتمد على حذف أنواع مألوفة من المائدة، وإعادة النظر في بعضها والتي اعتبرت ضرورات وبديهيات لم يشكّك في حيويّتها وضرورتها أحد من قبل.
ما يسمى «نظام الطيّبات»، صار له حضوره الكثيف في وسائل التواصل الاجتماعي، ووصل إلى أبناء الأسرة وبيوت الأصدقاء، وبدأت تظهر مطاعم تقدم «نظام الطيبات». البعض يجرّبه علناً ويتحدث عن إيجابياته بحماسة، ويمارسه البعض خلسة لأن هناك من يسخر ويرى فيه شكلاً من الشعوذة الطبية. الأهم هو أن صاحب نظرية الطيبات الذي أصبح بين يدي الخالق الدكتور ضياء العوضي، نجح في إدخال الشك إلى عادات غذائية بدت راسخة وتحظى بإجماع عابر للأمم مثل البيض والدجاج والألبان.
هنالك تحريض كبير على البيض والدجاج الذي يُحقن بالهرمونات لتكبير حجمه ووزنه، وبحق.
الهرمونات تؤثر على نمو الأطفال، صار كثيرون منهم، وخصوصاً الفتيات، يظهرن أكبر من أعمارهن بكثير، ويبلغن جسدياً في سن مبكرة جداً.
أعتذر من الأخوة الذين يعانون نقصاً في الغذاء أينما كانوا، بسبب الفقر والحروب أو البطالة والكوارث الطبيعية، فالكلام عن خيارات الطعام يبقى ترفاً لمن لا يجد ما يسد به جوعه.
بحسب الزخم المنتشر في وسائل التواصل حول القضية، أعتقد أن أعداداً كبيرة من الناس في المنطقة العربية سوف يعيدون النظر بعلاقتهم بغذائهم. فماذا لو تنازل ملايين البشر عن البيض والفراخ وبعض منتجات الألبان وبعض أنواع البقول؟
هذا يعني أن ملايين البيوض لم تعد مطلوبة، وكميات هائلة من الأعلاف لم تعد تستهلك، وأصحاب مزارع دجاج يعيدون حساباتهم، وعمالاً يخشون على مصادر رزقهم، وتجاراً يبحثون عن موارد أخرى لتجارتهم.
اللافت أن أعداداً كبيرة من الناس يقولون إنهم يشعرون بتحسن صحي وبنشاط وتحسن إزاء بعض المشكلات الصحية التي عانوا منها طويلا، ويترحّمون على الدكتور العوضي الذي توفي في دبي في نيسان/إبريل الماضي من هذا العام، ويصفونه بأنه شهيد، لموته المفاجئ بالجلطة القلبية، بحسب التقرير الطبي الذي نُشر.
ضياء العوضي ليس دجالاً تسلق على الموضوع، فقد كان أستاذاً محاضراً في كلية الطب في جامعة عين شمس في القاهرة، قبل عقوبات صدرت بحقه من قِبل نقابة الأطباء في مصر، شملت شطب عضويته من النقابة بسبب ما روّج له.
هنالك شهادات كثيرة مشفوعة بالقسم تعبر عن تجارب حقيقية بالنسبة إلى أصحابها. لكنها في الوقت نفسه، لا تكفي لإثبات أن النظام يحقق النتائج ذاتها لدى كل من يمارسه!
لذلك، يبقى القول الفصل من مهمة البحث العلمي، من غير الحماسة المندفعة أو الخصومة المسبقة أو ذات المصلحة.
غياب البرهان العلمي القاطع لا يلغي السؤال.
في أحيان كثيرة، تبدأ الجماهير بتغيير سلوكها، ثم يأتي العلم لاحقاً ليثبت بعض ما اعتقده الناس أو ينفيه أو يأخذ جانباً منه ويصحِّحُه.
أظن أن هذا الأمر مقلق لأصحاب مزارع الدواجن، ومصانع الأعلاف، وشركات اللقاحات البيطرية، وتجار الحبوب، وشركات النقل، وسلاسل المتاجر الكبرى.
لا يوجد طبق واحد يصلح لجميع البشر، هنالك عوامل كثيرة تؤثر؛ فالمريض ليس كالمعافى، ومن يعمل عملاً شاقاً ليس كمن يقضي يومه على سريره، والرياضي يختلف عن قليل الحركة.
لو أثبتت الأبحاث العلمية مستقبلاً أن نظاماً غذائياً معينًا قادر على خفض معدلات السكري والسمنة أو أمراض القلب بصورة واضحة، حينئذ ستتغير حسابات وزارات الزراعة والصحة، وشركات التأمين، وصناعة الدواء. فقد تنخفض الحاجة إلى بعض الأدوية، وتتراجع تكاليف علاج الأمراض المزمنة، وتتحول مساحات كبيرة من الأرض من إنتاج الأعلاف إلى إنتاج غذاء مباشر للإنسان.
المرض ليس قضية طبية فقط، بل اقتصاد ضخم. والصحة ليست مجرد إحساس شخصي بالعافية، بل قوة إنتاج، وميزانيات دول، وأعداد أسرّة في المستشفيات، وملايين الساعات من التعب والعلاج والدراسات.
الحماسة عند «جمهور الطيبات» ذكّرتني ببدايات «الربيع العربي» الذي حاولوا إجهاضه بشتى التهم، فهل نحن على أبواب ربيع يحاول الخروج من معادلات وعادات غذائية باتت كأنها مقدسات يمنع الاقتراب منها؟
هل نشهد تمرّداً على الدجاج والبيض وحليب البقر ومشتقاته، وهل يملك الناس الشجاعة على السؤال: لماذا نأكل ما نأكله؟
قد تكون صحوة واسعة ووقفة عميقة وحقيقية مع الطبق، كذلك قد تكون موجة عابرة، تنحسر إذا ظهرت نتائج علمية تدحض الآمال الكبيرة.
لكن مجرد طرح السؤال بهذه الحدّة يمثل تحوّلاً مُهماً. فالمائدة التي كانت مكانًا للطاعة متفقاً عليه أصبحت ميداناً للنقاش.
هشاشة الإنسان جزءٌ من حقيقته، وهشاشة الحضارة ليست في ضعف جيوشها وحده، بل في اعتمادها الكامل على أشياء تبدو صغيرة وبديهية مثل حبة قمح، وبيضة الدجاجة، وثمرة بطاطا، وحبوب فول الصويا والذرة والفول السوداني وغيرها.
هل يأتي يوم يكتب فيه علماء المستقبل أن أجدادهم أكلوا الفراخ والبيض والفاكهة المحقونة بالهرمونات دون أن يهتموا للأثر الخطير الذي يتركه هذا على صحتهم وعلى صحة أبنائهم، وحتى على تصرفاتهم وأخلاقهم؟
ربما سيكتب مؤرخ بعد قرن أن تحوّلاً كبيراً في القرن الحادي والعشرين بدأ في صباح عادي، حين نظر ملايين البشر إلى أطباقهم، ثم سألوا للمرة الأولى منذ قرون «هل نأكل ما ينفع أجسادنا، أم ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا، أم أننا نلتهم ما تفرضه علينا قوانين السوق والشركات المُنتجة وأصحاب المزارع الكبرى، ولم نجد بدائل ولا ترف الخيارات الأخرى.