في مقالي السابق الذي كتبته في أوّل أيّام مهرجان أفينيون للمسرح: «أفينيون 2026: المسرح بوصفِهِ مقاومةً وإشعاعاً»، بدأت بالتذكير بطبيعة الحمض النووي لهذا المهرجان، الأكبرِ والأهمِّ عالميّاً: مهرجانٌ مستقلٌّ عن تأثير قوى المال، مقاومٌ لِغزو مصالحِها الأنانية لشؤون الثقافة. يُفجّر التساؤلات والجدل اليومي ويغذِّي الروح النقدية. تسكنُه دوما، أكثر من أي وقتٍ مضى، ثقافةُ الحرية والمسرح، والأدب عموماً، وقضايا الفكر المعاصرة.
ها هو هنا في عامه الثمانين يسير على بوصلة مؤسِّسيه من رجال المسرح والأدب (الماركسيين غالباً)، الذين أرادوا، بعد الحرب العالمية الثانية، نقل العروض المسرحيّة الدوليّة (الـ in) من الدوائر الأرستقراطية الباريسيّة إلى خارج باريس، قبل أن تُطوِّر حركة 1968 الشبابية ذلك بإضافة عروض الـ off إليه، التي وصلت إلى 1600 هذا العام.
في مقالي السابق توقّفتُ أوّلاً عند موضوع اختيار اللغة- الضيف لأيّ مهرجان أو معرض، بغية تلافي الدور السطحيّ التقليديّ لهذا الاختيار في واقعنا الثقافيّ العربيّ. ثمّ سلّطتُ الضوء بعد ذلك حول الفعاليات الكبرى ذات الدعم المدنيّ الكبير، كمسرحية افتتاح المهرجان: «مالدورور» التي تدوم خمس ساعات ونصف، وتنتهي قبيل الرابعة فجرا. ومع ذلك، يتمنى المرء لو دامت 3 ساعات إضافية!
ليست وحدها المسرحية الطويلة في المهرجان. تلتها مسرحيةٌ برازيليّة: «ثلاثيّة الكلبة القويّة» تدوم عشر ساعات باللغة البرتغالية في معظمها، من إخراج البرازيلية – الهولندية كارولينا بيانشي: مخرِجةٌ مسرحيّةٌ من الطراز الرفيع، مسكونةٌ بالأدب والشعر. ضحيةُ اغتصابٍ جنسيٍّ! لا تكتب كارولينا كردِّ فعلٍ لما عانته من اغتصاب، لكن تكتب عن كلِّ اغتصابات نساء الدنيا. لا ترى أن المسرح خُلِق للعلاج – الكاترسيس Catharsis، حسب الإغريق. ليس لهُ أن يداوي شيئاً، في منظورها. «يحتاج لأن يكون جهنم. منبع اضطرابات. هو هنا، بيننا، لهزّ أنفسنا، لتحويلها»، كما تقول. وكم هي كثيرة رجفات هذه المسرحية الطويلة، لا سيّما في جزئها الثالث المترع بالأسرار والهزّات.
موضوعُ جزئها الأوّل: الاغتصاباتُ الجنسيّة والعنف ضد المرأة: غابةٌ دانتيّة مظلمة لا يخرج المشاهد منها من دون فصلٍ في الجحيم.
موضوعُ جزئها الثاني: موقع المرأة في عالم الفن؛ الذكوريّة المسيطرة عليه، نفاقُها واستغلالُها لتراجيديات اغتصابات وقتل المرأة.
موضوعُ جزئها الثالث: الكتابة الأدبيّة والجنس، إشكاليات وهاويات ذلك، وحدود التخييل في هذا الإطار.
الحقّ، لا يخرج مشاهد الأجزاء الثلاثة، من دون صدمات. تبدأ بالخوض المسرحيّ في حالات اغتصاب وقتلٍ تاريخيّةٍ مُريعة للنساء، أثار بعضها الروائي التشيلي، نجم هذا المهرجان: روبرتو بولانو، في روايته الشهيرة 2666.
قبل أن تقود المشاهدَ في دهاليز أبعاد وتداعيات العنف الجنسيّ المختلفة، وعلاقات الجنسين عموماً، ودور الأدب والشعر خاصة في التعبير عن ذلك. لا يخرج مُشاهد المسرحية أيضا من مطباتٍ تملأ ثلثها الأخير، ومن دوّاماتِ أسئلةٍ تتفجّر من طرفها إلى طرفها. ما زلتُ شخصيّاً مرتبكاً من بعض تفاصيل أشكال تقديم جوانب منها، لا سيما المرتبطة بتداعيات خراب الأرواح المغتصَبة جنسيا، بل متردداً من قبول شرعية التوغّل في فخاخ بعض أشكال سرد جرائم البيدوفيليا، أو مروق الأدب الجنسيّ القاتم الرخيص.
المسرحيات الطويلة لكبار المبدعين تجارب مؤثرة غامرة لا تُنسى في الغالب، منذ مسرحية «الحذاء الساتاني» لكلوديل عام 1943 (11 ساعة)؛ بيتر بروك (مهابهارتا 12 ساعة، قبل سنوات)؛ مسرحية: 2666 (12 ساعة، قبل عشر سنوات) لمخرج مالدورور نفسه: جوليان غوسلين؛ ومسرحية يابانية في مهرجان أفينيون دامت عشرين ساعة، قبل سنوات!
موضوع المسرحية الطويلة (أو المسرحية – النهر)، بطبيعته، شاسع. موضوعٌ-هاوية. تتلاطم بالمشاهد خلاله ألف موجة وموجة، دواماتٌ ودوخات. يخرج من المسرحية حتما برؤية جديدة أعرض وأدقّ وأعمق وأبقى، وبألف سؤال وسؤال…
مشكلةُ مسرحيتَي هذا العام الطويلتين (مالدورو و«ثلاثيّة الكلبة القويّة») أنهما تغوصان في عمق أعماق مواضيع الشر، العنف، الاغتصاب، الخراب، تلجآن إلى الشعر والأدب الرفيع في كلِّ سردياتهما. والجماهير الشعبيّة الكادحة من معذبيّ الحياة وضحايا الشر والعنف والاغتصابات، التي تتجهُ هذه المسرحيات نحوها ولها، مرهقةٌ مشتّتةٌ هالكة. فقدتِ المقدرة على التركيز بسبب الشاشات والشبكات الاجتماعية. لا تمتلك الوقت لمشاهدة هذه المسرحيات العرمرميّة الطويلة، هي التي تصحو من فجر الله الباكر للبحث عن لقمة العيش.
نحن هنا، باختصار، أمام مسرح ملتزمٍ راديكاليٍّ فعلاً، مترع بالشعر والأدب الراقي فعلاً، لصالح المقهورين فعلاً، لكن بغياب هؤلاء المقهورين بكلِّ تأكيد!
لا يمكنني أن أنهي مقالي الثاني هذا من دون الحديث عن مسرحيات الـ off التي تفتح الأبواب لكلِّ المبدعين، تتدفق فيها المسرحيات الكلاسيكيّة، وإبداعات الفرق المتنوِّعة. تتناثر هذه الفرق طوال اليوم في شوارع أفينيون للحوار مع العابرين بغية جذبهم إلى عروضها.
ما لاحظته هذا العام، بخلاف الأعوام السابقة: عدم إمكانية العثور على مقعد في كثيرٍ منها، بسبب بيع كلِّ التذاكر منذ أشهر! اضطررتُ لدخول طوابير قوائم الانتظار مرارا في عروضٍ بعض المسرحيات، مثل «مشروع بارت».
سأكتفي بالحديث هنا عن مسرحية واحدة، في موضوعٍ صفحاتُه منزوعةٌ من مناهج التدريس في مجتمعاتنا الغارقة بالتفكير السحري وسلطة الظلمات غالباً:
الاحتفالُ بالعلم واستنطاقه فنيّاً، بأشكالٍ أدبيّةٍ شتّى: ضمنيّةٍ أو محورِيّة، تقليدٌ جوهريّ دائم في الغرب، حيث أضحى الأدبُ أيديولوجيةَ العلم (بالمعنى الأصليّ لكلمة: أيديولوجية)، هو الذي كان قبل القطيعةِ المعرفية مع عصور الماضي أيديولوجيةَ الدين.
في قمة ذلك، رحلةُ سفينة بيجل خلال خمس سنوات حول العالم، بمعيّة تشارلز داروين، التي قادت إلى أحد أهمِّ اكتشافات العلم: نظرية التطوّر والانتقاء:
لا يمكن عدّ الأعمال الأدبية، لا سيّما الروايات، التي تُخلِّد هذه الرحلة، بأشكالٍ متنوِّعة. في هذا المهرجان أيضاً، مسرحية «فنّانو العصافير: على أجنحة داروين» تنتمي إلى هذه السلسلة اللامتناهية:
بطلاها شابّان قضّيا سنوات عمريهما بتقليد أصوات الطيور والعصافير (فيلمٌ عنهما سيُعرض قريباً، ولهما كتابٌ عن تجربتهما هذه). قاما برحلةٍ مشتركة على خطى رحلة داروين، حّلّا حيثما حلّ، واستطاعا تعلّمَ تقليد كلِّ ما رآه من عصافير في كلِّ أنحاء المعمورة. المسرحية سرديّة فنيّة تتنقّلُ مع رحلة داروين، على إيقاع أصوات عصافير الرحلة، وموسيقى شوبان… مسرحيّة صغيرةٌ ساحرة، بكلِّ بساطة.
بماذا اختتم هذين المقالين عن المهرجان (الذي تحاول الصحف الكبرى تغطية فعالياته يوماً بعد يوم، من دون سبر أغواره طبعا)؟ كان بودّي الحديث عن نشاطات «مقهى الفكر»، و«بيت جون فيلار» (مؤسس المهرجان)، خاصة حول ندوة عن برتولد بريخت، في إطار الاحتفال بسبعين عاما على وفاته في 14 أغسطس/آب المقبل، ودخول أعماله في الغرب إلى «المجال العام»، ابتداء من 1 يناير/كانون الثاني 2027.
لكنني سأختتمه بآخر عروض المهرجان، المسمّى «فجر الأسئلة»، يوم 24 يوليو/تموز، في ساعات الفجر تحديداً.
أترك الكلمة الأخيرة لكتَاب المهرجان وهو يقدِّم هذا العرض النهائي الذي سيكون برنامج عمل الحياة الثقافية طوال عام، طوال دهر: «لِختام الاحتفال بالدورة الثمانين من مهرجان أفينيون، يُقام عند الفجر، في باحة الشرف بقصر البابوات: «عيد الأسئلة»، بوصفه باباً للمستقبل. في عالمٍ تغمرُهُ الأجوبة السيئة، وتطغى عليه الخطابات المبسِّطة والمخيفة التي تُغذّي الانقسام، يعلن المهرجان انحيازَه إلى جمال الشك، جامعا الفنانين والجمهور حول الأسئلة التي يستطيع الفن أن يطرحها على العالم:
بدعوة من إدارة المهرجان: أوريلي شارون وتياغو رودريغيش، وباتريك بوشرون (أستاذ كوليج دو فرانس)، يشارك عشرات الفنانين والعلماء والناشطين والفلاسفة وشخصيات من المجتمع المدنيّ في تقاسم ثمانين سؤالاً مع الجمهور: مبادرة تمتزج فيها الفكرة بالموسيقى، والرقص بالشعر، والمسرح بالتأمل، لتجعل من صناعة السؤال فعلًا فنٍّ ومواطنةٍ معاً».
كاتب يمني