رام الله – «القدس العربي»: وسط ظروف اقتصادية فلسطينية صعبة، يأتي سوق الحرجة في مدينة رام الله كنافذة لدعم الصناعات والمنتجات الفلسطينية، بعد سنوات من الانقطاع، ليعيد إحياء مساحة تجمع أصحاب المشاريع الصغيرة والحرفيين والمبادرات المحلية، ويضع إنتاجهم أمام جمهور أوسع.
ويستقبل السوق زواره من الفلسطينيين القادمين من مختلف مناطق الضفة الغربية، وفلسطينيي الداخل المحتل، إلى جانب السياح، يوم الجمعة من كل أسبوع على مدار ستة أسابيع، في فعالية تجمع بين التسوق والمنتجات التراثية والأنشطة الثقافية والمجتمعية، ضمن محاولة لتنشيط الحياة الاقتصادية والثقافية في المدينة.
ولا يُنظر إلى سوق الحرجة بوصفه مساحة تجارية فقط، بل منصة تهدف إلى التعريف بغنى الموروث الثقافي الفلسطيني وتنوعه، ودعم الحرف اليدوية والصناعات التقليدية، والحفاظ عليها من الاندثار أو السرقة، إضافة إلى خلق حراك اجتماعي وثقافي في منطقة البلدة القديمة والمناطق المحيطة بها.
ويجمع السوق عشرات الحرفيين وأصحاب المشاريع المنزلية والمبادرات الناشئة من مختلف المحافظات الفلسطينية، الذين يعرضون منتجات متنوعة تشمل التطريز الفلسطيني، والمشغولات الخشبية والخزفية، والمنتجات الجلدية، والأعمال الفنية، إلى جانب الصناعات الغذائية التقليدية والمنتجات الصحية والطبيعية.
وتقول بلدية رام الله إن إعادة إحياء سوق الحرجة تأتي ضمن رؤية تهدف إلى دعم الاقتصاد المحلي، وتشجيع الإنتاج الفلسطيني، وتوفير مساحة مباشرة بين المنتج والمستهلك، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية التي تواجه أصحاب المشاريع الصغيرة والحرفيين.
ومن بين المشاركين في السوق، أصحاب مشاريع يرون في هذه الفعالية أكثر من مجرد فرصة للبيع، إذ تمثل بالنسبة لهم مساحة للتعريف بقصصهم ومنتجاتهم والتواصل المباشر مع الجمهور.
مشاريع فلسطينية تروي قصصها
تقول ناديا حامد، صاحبة مشروع «زمن» المتخصص في صناعة الأحذية الجلدية الفلسطينية، لـ»القدس العربي» إن المشروع يقوم على تصنيع الأحذية محلياً في مدينة الخليل باستخدام الجلد الطبيعي، فيما تُنفذ أعمال التطريز بأيدي نساء فلسطينيات، في محاولة للحفاظ على الحرفة التقليدية وتقديمها بصورة عصرية.
وتوضح حامد أن المشروع جاء من رغبة في تقديم منتج فلسطيني يحمل هوية واضحة، مشيرة إلى أن أصحاب المشاريع الصغيرة يواجهون تحديات اقتصادية متزايدة، إلا أن المشاركة في أسواق مثل سوق الحرجة تمنحهم فرصة للوصول إلى الجمهور والتعرف إلى احتياجاته بصورة مباشرة.
وتؤكد أن الإقبال على المنتجات الفلسطينية يعكس اهتماماً متزايداً بدعم الصناعة المحلية، خصوصاً عندما يحصل المستهلك على فرصة التعرف إلى قصة المنتج وطريقة صناعته والجهد الذي يقف خلفه.
ومن بين زوايا السوق، تعرض تمارا شطارة منتجات مشروعها «Bethany-bred»، الذي بدأ عام 2017 بهدف نشر ثقافة الخبز المصنوع من الخميرة الطبيعية، بعيداً عن السكر والزيوت والمواد الحافظة.
وتقول شطارة إن المشروع بدأ كتجربة قائمة على الشغف بالخبز الطبيعي وفوائده، قبل أن يتحول إلى مشروع متكامل يمتلك مشغله الخاص ويوزع منتجاته في عدد من المتاجر. وترى أن سوق الحرجة كان من أبرز المنصات التي ساعدتها على تعريف الجمهور بهذا النوع من الخبز، خصوصاً أن التواصل المباشر مع الزوار يتيح شرح فكرة المنتج وقيمته الغذائية. وتضيف أن أهمية السوق لا تكمن فقط في حجم المبيعات، بل في بناء علاقة بين أصحاب المشاريع والجمهور، والاستماع إلى الملاحظات التي تساعد في تطوير المنتجات، مؤكدة أن استمرار هذه الفعاليات يمنح المشاريع الصغيرة مساحة للنمو في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
أما آدم مهند، القادم من محافظة الخليل، فيشارك في سوق الحرجة من خلال مشروعه «Fresh Salad»، الذي يقدم منتجات غذائية صحية، ويقول لـ»القدس العربي» إن المشروع يركز على تقديم خيارات غذائية تعتمد على مكونات طبيعية، من بينها التبولة وورق الدوالي والعصائر، بهدف نشر مفهوم الغذاء الصحي وتشجيع الناس على تبني أنماط أكثر توازناً.
ويرى مهند أن السوق يوفر فرصة مهمة لأصحاب المشاريع المنزلية الذين يبحثون عن الوصول إلى الجمهور بشكل مباشر، بعيداً عن تكاليف التسويق المرتفعة، مشيراً إلى أن تنوع الزوار القادمين من مختلف المناطق الفلسطينية يمنح المنتجات المحلية فرصة أكبر للانتشار.
ويؤكد أن وجود مساحة تجمع هذه المشاريع تحت مظلة واحدة يكشف حجم الإبداع الموجود لدى الشباب الفلسطيني، ويمنحهم فرصة لتحويل أفكارهم إلى مشاريع قادرة على الاستمرار والتطور.
أما جيهان مناصرة، مؤسسة مشروع «قرمزي»، فترى أن المشاركة في سوق الحرجة تتجاوز الجانب التجاري، إذ تشكل فرصة للتواصل الإنساني وتبادل الخبرات بين أصحاب المشاريع. وتوضح أن المشروع بدأ من فكرة صغيرة خلال فترة الحرب، قبل أن يتطور تدريجياً ليصبح حاضراً في الأسواق والمعارض المحلية. وتضيف أن اسم «قرمزي» يعكس بالنسبة لها قيم القوة والشغف والإصرار، وهي القيم التي تحاول ترجمتها في أعمالها الفنية وتصاميمها اليدوية.
وتقول مناصرة إن السوق يمنح أصحاب المشاريع الناشئة فرصة للتعريف بمنتجاتهم وبالقصص التي تقف خلفها، مشيرة إلى أن كلمات التشجيع والتفاعل الذي يحصل عليه المشاركون من الزوار تمثل حافزاً للاستمرار والتطوير.
وفي جانب آخر من السوق، يعرض المهندس المعماري شروف منتجات مشروع «مشكاة ستوديو»، الذي يعتمد على صناعة قطع يدوية من خشب الزيتون الفلسطيني.
ويقول شروف إن فكرة المشروع تقوم على إعادة ربط الإنسان بالطبيعة وبالأرض، وتحويل المواد المحلية، وعلى رأسها خشب الزيتون، إلى منتجات تحمل قيمة جمالية وثقافية تعكس الهوية الفلسطينية.
ويضيف أن أهمية الأسواق الشعبية تكمن في أنها لا تتيح بيع المنتجات فقط، بل تمنح أصحاب المشاريع فرصة لسرد قصة المنتج، والتعريف بطريقة صناعته والمواد المستخدمة فيه، وهو ما يعزز تقدير الجمهور للحرف اليدوية والصناعات التقليدية.
ويجمع المشاركون في سوق الحرجة على أن استمرار هذه الفعاليات بات أكثر أهمية في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه المشاريع الصغيرة، إذ توفر متنفساً للحرفيين وأصحاب المبادرات، وتساعدهم في الوصول إلى جمهور جديد، وتشجع المواطنين على دعم المنتج الفلسطيني.
ولا يقتصر أثر السوق على المشاركين فقط، بل يمتد إلى المدينة نفسها، إذ تسهم الفعاليات الثقافية والمجتمعية في تنشيط الحركة التجارية وإعادة استخدام الفضاءات العامة، وتعزيز مكانة رام الله مركزاً يحتضن المبادرات الثقافية والاقتصادية.
وفي تصريح لـ «القدس العربي»، أكد رئيس بلدية رام الله جاك سعادة أن سوق الحرجة يمثل واحداً من أهم الفعاليات الاقتصادية والثقافية التي تحتضنها المدينة، موضحاً أن فكرة السوق تقوم على دعم الحرفيين وأصحاب المشاريع المنزلية والصناعات الفلسطينية، ومنحهم مساحة مباشرة للتواصل مع الجمهور وتسويق منتجاتهم.وأوضح سعادة أن اسم «الحرجة» يحمل دلالة تاريخية قديمة ارتبطت بمدينة رام الله، وأن البلدية أعادت إحياء هذه الفعالية لتكون منصة تجمع مختلف أشكال الإنتاج الفلسطيني، بدءاً من الصناعات اليدوية والمشغولات التراثية وصولاً إلى المنتجات الغذائية والمشاريع المنزلية التي تعتمد على العمل الفردي والعائلي.
وأشار إلى أن الهدف الأساسي من السوق يتمثل في دعم الاقتصاد المحلي وتشجيع الإنتاج الفلسطيني، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المواطنون، موضحاً أن الإقبال على المشاركة كبير جداً، إذ تتجاوز أعداد الطلبات المقدمة القدرة الاستيعابية للمكان، ما يعكس حاجة أصحاب المشاريع إلى مثل هذه المنصات.
وبيّن سعادة أن السوق يستقطب عشرات المشاركين في كل دورة، ويمنحهم فرصة عرض منتجاتهم أمام آلاف الزوار من مختلف المناطق الفلسطينية، الأمر الذي يساعدهم على التعريف بمشاريعهم وتوسيع قاعدة الزبائن، ويفتح أمامهم فرصاً جديدة للتطور والاستمرار.
وشدد رئيس البلدية على أن أهمية سوق الحرجة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وثقافية ووطنية، موضحاً أن السوق يوفر مساحة عامة يلتقي فيها الناس في بيئة مفتوحة، ويمنح العائلات فرصة للتفاعل وقضاء الوقت بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية.
وأضاف أن وجود المواطنين في مكان واحد، وتبادلهم الخبرات والقصص والمنتجات، يسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية وإحياء الحياة العامة في المدينة، كما يسهم في إبراز الثقافة الفلسطينية من خلال الحرف التقليدية والمنتجات التي تعكس هوية المجتمع الفلسطيني وتاريخه.
الاستعداد لمهرجان «وين ع رام الله»
ومع استمرار فعاليات سوق الحرجة، تستعد مدينة رام الله لاستقبال مهرجان «وين ع رام الله»، الذي يُعد من أبرز الفعاليات الثقافية في المدينة.
وقال رئيس بلدية رام الله جاك سعادة لـ»القدس العربي» إن المهرجان سيقام هذا العام على مدار خمسة أيام، وسيشهد مشاركة الفرق الفلسطينية فقط، في ظل الظروف الراهنة وما تفرضه من تحديات على حركة الفرق والفنانين من خارج فلسطين. وأوضح أن التركيز على الفرق المحلية يهدف إلى إبراز الإنتاج الثقافي الفلسطيني، ومنح الفنانين مساحة أكبر للحضور والتفاعل مع الجمهور، مؤكداً أن المهرجان يشكل امتداداً للحراك الثقافي الذي يصنعه سوق الحرجة.
وأشار سعادة إلى أن البلدية تعمل بالتوازي على تطوير المساحات العامة في رام الله، وتحسين البيئة الحضرية بما يجعل المدينة أكثر قدرة على استضافة الفعاليات الجماهيرية والثقافية، مشيراً إلى مشاريع تهدف إلى تعزيز حركة المشاة وتنشيط المناطق العامة.
وفي الختام أكد رئيس البلدية أن الهدف من هذه الفعاليات لا يقتصر على تنظيم مناسبات ثقافية، بل يرتبط برؤية أوسع تقوم على تعزيز صمود المواطن الفلسطيني وتحسين جودة حياته.
وقال إن المواطن يحتاج إلى مساحات للحياة والثقافة والترفيه إلى جانب مواجهة التحديات اليومية، مشدداً على أن دعم المبادرات المحلية والاقتصاد الفلسطيني جزء أساسي من دور البلدية. الفعاليات الثقافية رافعة للاقتصاد والهوية وبين سوق الحرجة ومهرجان «وين ع رام الله»، تواصل رام الله الاعتماد على الفعاليات الثقافية والشعبية وسيلةً للحفاظ على الحضور الفلسطيني في الفضاء العام، ودعم المشاريع الصغيرة والحرف التقليدية، في محاولة لخلق مساحات للحياة والإبداع رغم الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة.
فالسوق، كما يراه المشاركون والقائمون عليه، ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل مساحة تلتقي فيها المنتجات بالحكايات، والحرف بالهوية، والمشاريع الصغيرة بأمل الاستمرار.