ديمتري شومسكي
يبدو أن شخصاً في مصلحة السجون “البنغفيرية” كان يهمه إرضاء جهة ما في وزارة الأمن الوطني. من هنا صدر تقرير استخباري خاص لمصلحة السجون، بعنوان “مروان البرغوثي يكسب لعبة لا يشارك فيها”. وقد نشرت النقاط الرئيسية لهذا التقرير، الذي كتبه الدكتور م.، من قسم البحوث الاستراتيجية في مصلحة السجون، هذا الشهر في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، بمقال كتبه ليران تماري. هدف التقرير هو “سنورة البرغوثي”، أو كما يقول ب.، وهو ضابط استخبارات رفيع في مصلحة السجون، كان المقال المذكور استند إلى مقابلة أجريت معه: “إنه (البرغوثي) نوع من يحيى السنوار، بل أكثر دهاء وخطراً”. مع ذلك، يصعب عند قراءة المقال تقديم أي دليل حقيقي يدعم هذا الادعاء.
للتذكير، تم اعتقال البرغوثي، القائد السابق للتنظيم، وهو الجناح العسكري في حركة فتح، في الانتفاضة الثانية، في عملية “الدرع الواقي” في نيسان 2002، وفي العام 2004 أدانته المحكمة المركزية في تل أبيب بالتورط في هجمات أدت إلى قتل خمسة إسرائيليين. وقد صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد خمس مرات، إضافة إلى أحكام أخرى بتهمة الشروع في القتل والانتماء لمنظمة إرهابية والعمل فيها. بعد ذلك، كما كتب آفي يسسخاروف في نيسان 2016 في صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، تخلى البرغوثي عن تأييد الكفاح المسلح، وصاغ مفهوماً لمقاومة سلمية ضد الاحتلال الإسرائيلي، بهدف إقامة دولة فلسطينية في حدود 1967، وهو مفهوم يسعى من خلاله إلى توحيد كل فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية.
في مقال التقرير الخاص لمصلحة السجون، الذي يتضمن أيضاً لمحة تاريخية عن سيرة البرغوثي قبل الإدانة وبعدها، لم يشر إلى أي تغيير في موقفه من الكفاح المسلح
في مقال التقرير الخاص لمصلحة السجون، الذي يتضمن أيضاً لمحة تاريخية عن سيرة البرغوثي قبل الإدانة وبعدها، لم يشر إلى أي تغيير في موقفه من الكفاح المسلح. وخلافاً لذلك، يؤكد التقرير والمقال بشكل قاطع، أن البرغوثي، مثلما كانت الحال في الانتفاضة الثانية، ما زال يؤيد نهج الإرهاب حتى الآن. مع ذلك، رغم الادعاء بأن التقرير يعكس “تطوراً في شخصيته”، بالاعتماد على تسجيلات لمحادثاته الخاصة، فإن المقال لا يقدم أي دليل صريح على أقوال البرغوثي اليوم يدعم هذا الادعاء.
هذا التقرير يفشل في تقديم أدلة كافية، ليس فقط فيما يتعلق بدعمه المزعوم لنهج الكفاح المسلح، بل أيضاً فيما يتعلق بمسألة جوهرية أخرى، لا تقل أهمية لدى كل من يتوق إلى اعتبار البرغوثي نسخة سنوار خطيرة، وهي مسألة الاعتراف بدولة إسرائيل. في الواقع، لو أن “تطور شخصيته” قد أوحى، ولو تلميحاً، إلى أن البرغوثي يسعى إلى طرد “المستعمرين الصهاينة” من الشرق الأوسط وإقامة دولة فلسطينية واحدة من البحر إلى النهر، لاكتملت عملية “سنورته”. مع ذلك، تبين أن حصيلة معلومات مصلحة السجون هنا ضئيلة جداً: لقد اعترفت ب.، العضو البارزة في هذا الجهاز، “التي قضت ساعات طويلة مع البرغوثي وتعرفت على كل المعلومات الاستخبارية عنه”، اعترفت بأن البرغوثي كان يتحدث دائماً في محادثاتها معه عن ضرورة تحقيق السلام بين الشعبين. وقد اعتبرت ذلك مجاملة ليس أكثر.
لكن الأمر لا يعدّ سراً. ففي الانتفاضة الثانية، عندما كان يقود تنظيماً إرهابياً وقبل أن تعتقله إسرائيل، أكد البرغوثي التزامه بحل الدولتين الذي يقوم على التعايش السلمي والازدهار والترابط الاقتصادي والثقافي. وفي مقاله المشهور في “واشنطن بوست” في كانون الثاني 2002، وصف إسرائيل بأنها “الجارة المستقبلية”، وأكد على اعتراف الفلسطينيين بدولة إسرائيل “على 78 في المئة من أراضي فلسطين التاريخية”، وطلب من إسرائيل الاعتراف بحق دولة فلسطين في الوجود على 22 في المئة من هذه الأرض. وأكدت مجموعة من المقربين من البرغوثي في 2017 على مبدأ الاعتراف المتبادل بين إسرائيل وفلسطين، لذلك، ليس هناك ما يدعو إلى التشكيك في صدق تصريحاته الحالية بشأن التزامه بالسلام بين الشعبين، التي يشهد عليها تحقيق معهد الدراسات السياسية نفسه، ما لم يثبت عكس ذلك.
جيل كامل مثل البرغوثي له موقف سياسي فلسطيني يدعو لحل واقعي وعادل وحيد في الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، وهو حل الدولتين. إضافة إلى ذلك، رفض المقاومة المسلحة للاحتلال طوال عقد، ويبدو أنه الزعيم الفلسطيني الوحيد القادر على توحيد معظم الفصائل الوطنية الفلسطينية تحت قيادته وحول هذين المبدأين: دعم حل الدولتين ونبذ الإرهاب. وينطبق هذا أيضاً على أجزاء من حماس و”الجهاد الإسلامي” اللتين توصل ممثلوهما إلى اتفاقيات مع أنصار البرغوثي في العام 2016، استناداً إلى المبادئ نفسها. والآن بالتحديد، بعد كارثة تدمير غزة، يتوقع ظهور خائبي أمل جدد في المنظمات الإرهابية، الذين سيكونون مستعدين للموافقة على قيادة البرغوثي ورؤيته.
إن احتمالية ظهور قيادة فلسطينية موحدة وتلتزم بحل الدولتين بقيادة البرغوثي، تعدّ تهديداً حقيقياً لإسرائيل. لأن ظهور هذه القيادة سيضع حداً لذرائعها المتكررة لتجنب استئناف العملية السياسية. في الواقع، ترفض إسرائيل، التي أطلقت سراح مئات الإرهابيين الفلسطينية الملطخة أيديهم بالدماء، إطلاق سراح البرغوثي، ليس بسبب تورطه في قتل إسرائيليين، بل بسبب ما يمثله من “خطر” على السلام وتقسيم البلاد. وبناء على ذلك، حان الوقت لأنصار حل الدولتين في إسرائيل، يهوداً وفلسطينيين، بذل قصارى جهدهم لزيادة هذا الخطر.
بشكل ملموس، يجب اتخاذ إجراءات مستعجلة لإنشاء منتدى يهودي – عربي يطالب بإطلاق سراح البرغوثي. وسيعمل هذا المنتدى بحزم على إيصال صوته محلياً ودولياً، وسينظم حملة توقيعات جماعية من قبل مواطنين إسرائيليين يحبون السلام، للمطالبة بإطلاق سراح البرغوثي، وفي الوقت نفسه يضمن تزويد الرأي العام الإسرائيلي بمعلومات موثوقة ومفصلة حول مواقفه السياسية، ما سيضع حداً لمحاولة ذر الرماد في عيون الجمهور الإسرائيلي حول هذه القضية، مثل “الكشف المخجل” الذي نشرته “يديعوت أحرونوت”.
هآرتس 22/7/2026