«الخط الأصفر» أول بطولة سينمائية تسجيلية لأطفال غزة


إذا كان الداخل الفلسطيني في مدينة غزة قد عوّد الكبار على متابعة أخبار السياسة وتفاصيلها، فإن الواقع المُعاش ذاته خلق لدى الأطفال وعياً خاصاً بما يدور حولهم من صراعات ومُشكلات مصيرية، جعلتهم هم أنفسهم جزءا من الحالة المُضطربة، لاسيما أن ما يرونه يومياً بأم أعينهم يتجاوز خيالهم ويُحيل أحلامهم إلى كوابيس.
من بين ما فطن إليه أطفال غزة وهم لا يزالون في عُمر الزهور، ذلك الحظر الذي فرضته إسرائيل على سُكان القطاع، وقيدت بموجبه حرية التنقل والحركة في أكثر من 53 في المئة من المناطق التي اعتبرتها قوات الاحتلال منطقة عسكرية مُغلقة، لا يجوز الاقتراب منها، وذلك في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار المزعوم وغير الساري! وبفعل المُعاناة الملموسة والحصار الدائم، استلهم السيناريست والمخرج الفلسطيني سعود مهنا فكرة فيلمه «الخط الأصفر» من واقع السياج الحديدي المضروب حول مدينة غزة المشطورة بقرار الجيش الصهيوني إلى نصفين غير مُتساويين في المساحة والخدمات.
ولأن الأطفال هُم أكثر المُتضررين من الحصار وسياسة التضييق، رأى المخرج أن تكون الرؤية السينمائية لفيلمه التسجيلي الاستثنائي مُعبرة عن وجهة نظر أطفال غزة أنفسهم، في ما يعانونه من سجن وافتقار لأبسط حقوقهم المشروعة في الإحساس بالأمان والاطمئنان، وممارسة نشاطاتهم الترفيهية المحدودة والمقصورة فقط على اللعب والمرح وحرية الحركة والتنقل.
وبالفعل تم تكوين فريق العمل وأسندت البطولة والأدوار الرئيسية إلى عدد من الأطفال الموهوبين الذين تم تدريبهم على التمثيل والوقوف أمام الكاميرا للأداء النموذجي باندماج ومُعايشه كاملة للأجواء والأحداث.
وفي خلال أيام معدودة تم تأهيل الأبطال الصغار، حنين النجار ودعاء الدباس وبراء القصاص ووسام النجار ومرام الدباس ونصر مهنا، وليلى السميري وسعاد أبو الحصين وعلي شبير وربا الدباس، فصاروا يؤدون أدوارهم بصدق وإتقان، متأثرين بما يرونه ويعيشونه يومياً على مدار الساعة، حيث الأمر لا يتصل بالتمثيل وإنما يختص بتسجيل الوقائع والحقائق وحفظ الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة، حتى لا تسقط الأحداث من الذاكرة ولا يشوبها تشويه أو تحريف بتوالي السنين والتواريخ.


في الفيلم المُنتج بدعم من جمعية الإنسان التنموية، يُعيد الأطفال تمثيل حكاية الخط الأصفر المأساوية مع تصوير توثيقي من جانب المصور والمونتير محمد خشان على طريقتهم الخاصة، التي يدخلون فيها السخرية كأسلوب أدائي رافض للقمع الإسرائيلي الصهيوني، وسياسات العزل والترهيب بقوة السلاح وممارسات البطش والاستبداد، لفرض النفوذ والسيطرة. لقد أبدع فريق التمثيل، كل حسب دورة وقُدراته وموهبته في بلورة الأزمة غير الإنسانية، إذ تم الكشف عن المردود النفسي السلبي والإيذاء الجسيم الواقع على أطفال القطاع المُحاصر.
ورغم السخرية من تدشين كل هذه القوى العدوانية لزوم تطويق نصف المدينة، إلا أن مرارة في الحلق تظل باقية وغُصة في القلب تؤلم الكبار والصغار جراء سياسة التعذيب والقهر. وبما أن الإمكانيات الفنية شبه معدومة لدى صُناع الفيلم، ولا يوجد أي مُعدات غير الأدوات البدائية البسيطة، تجلت إمارات الإعجاز في العمل بأبسط الأدوات المُبتكرة بفعل الحاجة، فالإضاءة تصدر من أجهزة الموبايل والتصوير يتم بكاميرا الموبايل أو بكاميرا انتهى تقريباً عمرها الافتراضي، والديكورات هي ذاتها الأطلال الباقية من آثار الهدم والدمار، وأجهزة الصوت دائماً ما تكون هي العقبة التي يتم التغلب عليها ببعض الحيل والخبرات الفنية والتقنية للعاملين والفنيين.
أما أماكن التصوير والاستديوهات المُجهزة فهي تلك الخيام المُمزقة والبالية، لا بديل عنها ولا خيار سواها.. البحر فقط هو الخلفية الطبيعية للمشاهد، وعنوان البيئة الواقعية التي تُجسد هدير الغضب الفلسطيني حيناً، ورقة الحياة ونعومتها في أوقات الصفاء أحياناً أخرى.
ويتبقى من علامات التميز السينمائي الفلسطيني في فيلم «الخط الأصفر»، ملابس الأطفال بألوانها الزاهية المُبهجة ونظافتها المُتبديه في كل اللقطات الحية، فلا توجد ملابس خاصة لكل مشهد ولقطة من لقطات الفيلم، كما هو الحال في بعض الأفلام سخية الإنتاج، لكن عنصراً أهم من كل ذلك يبرز ليُنبئ بما هو أعمق وأكثر دلالة، ألا وهو الوعي بالملائم والمُناسب من الأزياء والألوان، تلك الموهبة الفطرية المُرتبطة بالشخصية الفلسطينية كبيراً وصغيراً مهما كان ضعف الإمكانيات، حيث تناسق الألوان وحُسن الاختيار والذوق الرفيع كلها علامات تدل على التميز.
أيضاً الموسيقى التصويرية للفيلم أعطت إيحاءات عديدة ومُتباينة لكل مشهد بمعناه ومحتواه ومقصده، فجاءت الحالة الإبداعية ثرية وغنية ومُلهمة، إذ إن الموسيقى أضفت روحاً أخرى على الأحداث فجعلتها أكثر تأثيراً وبلاغة وأكدت مصداقيتها من الناحية التوثيقية والتسجيلية.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *