لو كان الأسعد بن مماتي عائشاً في عصرنا وأراد تأليف مرادف لكتابه الشهير «الفاشوش في حكم قراقوش» يتناول فيه الرئيس التونسي الراهن، لاحتار ما يذكره من أقوال وأفعال قيس سعيّد لكثرة ما يستحق منها أن يرد ذكرها. وحيث يقول المؤرخون أن ما كتبه بن مماتي عن الأمير الأيوبي بهاء الدين قراقوش هو من نسج الخيال، من المؤكد أنه ما كان ليحتاج لخياله لو أراد الكتابة عن قيس سعيّد. لذا فإن قصة السنوات الخمس التي انقضت منذ 25 جويلية (يوليو/ تموز) 2021، وهو تاريخ تنفيذ الرئيس التونسي للانقلاب الذي دبّره مع الأجهزة الأمنية انقضاضاً على ما تبقى من المكاسب الديمقراطية التي حققتها الثورة التونسية المجيدة قبل ذلك التاريخ بعشر سنين، قصة هذه السنوات إنما تدعو إلى البكاء أكثر مما إلى الضحك، حتى ولو كان قيس سعيّد أقرب حقاً إلى قراقوش الأسطورة منه إلى قراقوش التاريخ.
وليس من حكم من أحكام سعيّد يرمز إلى أن مهمته هي تصفية إرث «ثورة الكرامة» ثأراً لإرث دكتاتورية زين العابدين بن علي التي دامت ثلاثة وعشرين عاماً ونيف، أكثر من الحكم الذي طال الناشطة الحقوقية الشهيرة سهام بن سدرين قبل شهر تحديداً من الذكرى الخامسة للانقلاب. طبعاً، لم يصدر الحكم عن الرئيس التونسي شخصياً، بل عن «الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية». بيد أن القضاء التونسي برمّته لم تعد له أي استقلالية حقيقية، بما جعله اليوم أسوأ بعد مما في عهد بن علي أو يكاد، يعمل قيس سعيّد من خلاله وبشفافية وقحة على الانتقام من جميع الذين رفعوا أصواتهم تنديداً بضربه عرض الحائط بالنظم الدستورية وسحقه للحريات التي أنجبتها «ثورة الكرامة».
وقد اشتهرت سهام بن سدرين بعد ثورة 2011 بترؤسها «هيئة الحقيقة والكرامة» التي بدأت أعمالها في عام 2014 ونظرت في انتهاكات حقوق الإنسان التي شهدتها تونس في تاريخها الحديث منذ حقبة استقلالها. وقد تلقت الهيئة حتى نهاية مهمتها في عام 2019 أكثر من ستين ألف ملف من ملفات ضحايا الأنظمة السابقة، وعلى الأخص نظام بن علي، وهي ملفات تقدم بها أفراد ومنظمات شتى؛ كما استمعت إلى أكثر من عشرة آلاف شهادة وإفادة. وإذ كان من الطبيعي ألا ترضى سهام بن سدرين أو تسكت عمّا رأته من انتهاكات جديدة لحقوق الإنسان في تونس إثر انقلاب قيس سعيّد، فقد تعرّضت هي نفسها لمثل هذه الانتهاكات، وجرى اعتقالها في عام 2024 بتهمة «التآمر على أمن الدولة»، ولم يُفرج عنها بعد سبعة أشهر سوى بعد أن نفّذت إضراباً عن الطعام احتجاجاً على سجنها.
ثلثا الشعب التونسي غير راضين عن اقتصاد بلادهم وثلثا الشباب التونسي دون الثلاثين من العمر يرغبون في الهجرة
لكنّ القضاء التونسي بقي يلاحق المناضلة، وإذ هو يحكم عليها قبل شهر بالسجن لما مجموعه ربع قرن من الزمن، أي ما يعادل السجن مدى الحياة إذ إن سهام بن سدرين بلغت من العمر خمسة وسبعين عاماً. أما تهم الإدانة فتشمل «استغلال الصفة الوظيفية والإضرار بالإدارة ومخالفة التراتيب القانونية» و«التدليس»، وهي تهم مبنية على ما تضمنه تقرير «هيئة الحقيقة والكرامة». وقد أصدر عددٌ هام من المنظمات العالمية المدافعة عن حقوق الإنسان، بمبادرة من الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، بياناً أدانت فيه المحاكمات الصورية التي شهدتها تونس بحق سهام بن سدرين وبعض معاونيها في الهيئة.
وقد أكّد البيان على أن «ملاحقة رئيسة الهيئة السابقة بسبب مضمون التقرير النهائي تطرح إشكالًا قانونيًا جسيمًا، لأنها تمس الحماية المقررة قانونًا لأعضاء الهيئة، وتحول عملًا يدخل في صميم ولاية هيئة مستقلة للعدالة الانتقالية إلى أساس للملاحقة الجنائية. كما تقوّض ثقة الضحايا والشهود والباحثين والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان في إمكانية كشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات دون التعرض للمساءلة أو الانتقام لاحقًا». وقد أضاف البيان: «إن هذه الوقائع تمسّ جوهر الحق في محاكمة عادلة، بما في ذلك الحق في الاطلاع على ملف القضية، وحق الدفاع في إعداد مرافعته، وعلنية الجلسات، واستقلال القضاء».
ولقضية سهام بن سدرين ومعاونيها وقعٌ رمزي خطير، فضلاً عمّا تنطوي عليه من دلالة على ارتداد تونس في عهد قيس سعيّد إلى أسوأ ما شهدته في تاريخها الحديث، وهي في ذلك قضية تنضاف إلى سلسلة متواصلة من أحكام السجن المجحفة التي ترمي إلى ردع المجتمع المدني التونسي عن رفع الصوت دفاعاً عن الديمقراطية والحريات العامة. فالوقع الرمزي ينجلي في أن قضية سهام بن سدرين التي ارتبط اسمها بالمراجعة النقدية لعهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي من زاوية حقوق الإنسان، إنما تشكّل نوعاً من انتقام للميراث الدكتاتوري الاعتباطي الذي ساد تونس طوال أكثر من نصف قرن، على ما تجرأ عليه الشعب ذاك اليوم الذي أراد فيه الحياة، عندما أقدم على تكنيس الميراث المذكور وإحلال نظام ديمقراطي محلّه شكّل، على الرغم مما شابه من علل، فسحة من الحرية ندر مثيلها في المنطقة العربية.
وإذ تشير استطلاعات الرأي التي أجريت في تونس مؤخراً إلى أن ثلثي الشعب التونسي غير راضين عن اقتصاد بلادهم وأن ثلثي الشباب التونسي دون الثلاثين من العمر يرغبون في الهجرة، فإنه لأمر مؤكد أن حكم قيس سعيّد الاعتباطي لن يدوم عدداً من السنين مماثلاً لمدة حكم سلفه الاعتباطي زين العابدين بن علي.
٭ كاتب وأكاديمي من لبنان