على هشيم سلسلة من السياسات والتدابير الخاطئة التي اتخذتها حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في ميادين اقتصادية واجتماعية وخدمية داخلية وأخرى خارجية تخص السياسة الدولية، صعد نجم آندي بيرنام في رئاسة حزب العمال، وتوجب أن يكلفه الملك تشارلز الثالث بتشكيل مجلس وزراء جديد.
وكما هو منتظَر في معظم السياقات المماثلة تعهد ساكن 10 داوننغ ستريت الجديد بإدخال تغييرات كبرى في حياة البلاد، في «نقطة تحول» زعم أن البلاد لم تشهد لها مثيلاً منذ 40 سنة، بينها خطة عشرية، وقرارات نوعية تستوجب «على بريطانيا أن تُظهر للعالم أننا قادرون على استعادة استقرارنا مجددا» كما صرّح فور تكليفه رسمياً.
وفي المقابل برهنت السياقات المماثلة ذاتها، في الماضي القريب والبعيد على حد سواء، صلاحية سؤال مركزي واجه أي حكومة بريطانية جديدة تتشكل على أطلال حكومة سابقة: هل الجديد مجرد استئناف للقديم بطرق ملتوية وأشكال ارتدادية، أم هو انعطاف نحو المستقبل يحمل ما هو كاف وضروري من عناصر التجدد والتحول والتغيير الجوهري؟
ولكن حين يبدأ بيرنام عهده بوعود على غرار ضمان «أن يتمكن الناس من العيش بصورة جيدة»، أو بناء «دولة وقائية تستثمر في نجاح المواطنين، بدلاً من جعلهم يدفعون ثمن الإخفاق»، أو رسم طريق ينقل «إلى بريطانيا التي أعتقد أننا جميعا نريد الوصول إليها»، أو «سوف أعتمد دائماً مقاربة عادلة ومتوازنة وأنحاز إلى ما هو حقّ»… ألا يردد أصداء الكثير مما تردد على ألسنة سابقيه في المنصب، ممن تكاثروا وتعاقبوا وأُجبروا على الاستقالة خلال العقد الأخير وحده؟
ذلك لأن «ملك الشمال»، كما سار لقب بيرنام اعتماداً على منجزاته في عمادة مانشستر الكبرى، يقود اليوم حزباً منقسماً على ذاته، مغترباً عن هويته، ومثخناً بالجراح، داخلياً وخارجياً أيضاً على منوال ستارمر وحكومته المستقيلة. وإلى جانب السياسات الليبرالية المتوحشة في ميادين الصحة والمعونات الاجتماعية والتعليم والنقل والبنى التحتية التي فرضها في بريطانيا واستوجبت إجباره على التنحي، يكفي أن الأخير استقر في حوليات التاريخ كرئيس حكومة منح الاحتلال الإسرائيلي الحق في قطع الماء والغذاء عن سكان قطاع غزة، وتواطأ مع حرب الإبادة الإسرائيلية عن طريق الاستمرار في تسليحها ومساندتها مالياً ودبلوماسياً.
صحيح أن بيرنام أقرّ ببعض الأخطاء التي طبعت سياسة الحكومة المستقيلة تجاه غزة، ووجوب القيام بجهد «إضافي يستهدف تحسين» المقاربة، وكان قبيل تكليفه برئاسة الحكومة قد خاطب المسألة عبر شريط فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً أن حزب العمال «لم يكن على صواب» وبحاجة إلى القيام «بما هو أفضل» في غزة.
لكن الصحيح، وربما الأصح أيضاً، أنه اليوم وريث تاريخ طويل وراكد من انحياز بريطانيا إلى دولة الاحتلال، بصرف النظر عن الطابع الحزبي للحكومات، فضلاً عن أن تاريخ بيرنام الشخصي في هذا الملف لا يحتوي على ما هو فارق أو مختلف. والأمور بخواتيمها كما تقول القاعدة، ولن يطول الوقت حتى تتأكد الإجابة على السؤال المركزي: أهو استئناف القديم، أم انعطاف نحو المستقبل؟