لا يمل المرء من سماع ومشاهدة التينور الإيطالي الراحل لوتشيانو بافاروتي في «إكسير الحب»، الأوبرا الكوميدية ذات الطابع المرح، والعقدة الدرامية البسيطة، والحل المفرح في النهاية. عرضت هذه الأوبرا الهزلية الخفيفة للمرة الأولى على المسارح الإيطالية عام 1832، ومنحتنا واحدة من أجمل الآريات والأغنيات العاطفية على الإطلاق، وهي الآريا المعروفة بعنوان Una furtiva lagrima. تحظى تلك الآريا بشهرة واسعة وسماع كبير، كقطعة مستقلة شقت طريقها بعيداً عن العمل الأصلي الذي تنتمي إليه، وخارج سياقها الدرامي أيضاً، حيث يمكن أن يستمتع بها من لا يعرف قصتها، ويهيم مع بديع تعبيراتها الموسيقية والصوتية. كما باتت قطعة أساسية في الريبرتوار الغنائي لكل تينور عالمي، سواء في حفلاته، أو في ما يصدره من ألبومات متنوعة، ومنهم بالطبع من قام بأدائها غناءً وتمثيلاً على المسرح من خلال دوره في الأوبرا.
الدمعة دليل الحب
لكن يبقى لأداء بافاروتي سحره الخاص، وهو التينور الذي لا يخفى قدره الرفيع في عالم الغناء الأوبرالي، فإنه قمة من القمم الشامخة في تاريخ هذا الفن، وصوت عظيم بتقنيات جبارة، استطاع أن يغني أصعب القطع الأوبرالية بإحساس متوقد وفهم عميق للشخصية التي يؤدي دورها. كشخصية نيمورينو بطل أوبرا «إكسير الحب» المكتوبة لصوت التينور، لا يأتي هذا البطل من الأساطير والقصص الدرامية الكبرى، لا يصارع الأقدار ولا يخوض المعارك ولا يواجه الأهوال، إنما هو شاب ريفي بسيط لا يطمع في شيء سوى أن تحبه أدينا، الفتاة الجميلة التي لا تكترث لمشاعره، وتلك هي العقدة الدرامية في الأوبرا، التي يبحث نيمورينو عن حل لها. وبينما هو يبحث، يظهر الطبيب الدجال الذي يبيع إكسير الحب، ويدعي أن تلك الزجاجة الصغيرة يمكنها أن تحقق المعجزات، وأن تحول الأمنيات المستحيلة إلى واقع سعيد. يشتري نيمورينو إكسير الحب بكل ما يملك من المال ويشربه على الفور، لكن الأمور تتجه نحو الأسوأ، وتتم خطبة أدينا ويفوز بها قائد عسكري.
لا يفقد نيمورينو ثقته في إكسير الحب ولا تساوره الشكوك في الطبيب الدجال، بل يظن إنه يحتاج إلى المزيد من جرعات ذلك الإكسير السحري، لكنه لا يملك المال الآن فماذا يفعل؟ يتقدم للتجنيد في الجيش مقابل مكافأة مالية، ويحصل على الإكسير مرة أخرى، وبينما هو محاط بفتيات القرية يلمح دمعة متوارية في عيني أدينا التي كانت تراقبه من بعيد.
كانت هذه الدمعة إشارة ودليلاً على الحب، الذي تسلل أخيراً إلى قلب أدينا، لكن لم يكن للأمر صلة بإكسير الحب، فقد علمت أدينا بتضحية نيمورينو وتقدمه للتجنيد في الجيش، من أجل أن يحصل على المال الذي يشتري به إكسير الحب، فوقعت في غرامه على قدر ما يكنه لها من حب. تترك أدينا خطيبها العسكري، وتدفع المال لتحرر نيمورينو من التجنيد، وتعترف له بحبها وترتمي في أحضانه وتتم النهاية السعيدة للأوبرا. ويقال إن الموسيقار الإيطالي دونيزيتي مؤلف هذه الأوبرا، تعرض لموقف مشابه في حياته عندما دفعت له سيدة ثرية المال الذي يعفيه من الخدمة في الجيش. وتذكرنا تلك الدمعة بدمعة أخرى كانت دليلاً على الحب أيضاً، إنها تلك الدمعة التي رآها بيير بوزكوف بطل رواية «الحرب والسلام» لتولستوي في عيني ناتاشا، وعرف من تلك الدمعة أنها تحبه، وخرج يسير ليلاً بمفرده في شوارع موسكو الباردة، لا يخشى المذنب العظيم الذي ظهر في السماء عام 1812، وظن الجميع أنه ينذر بنهاية العالم، وقد تحول هذا المشهد إلى أغنية رائعة أيضاً غناها جوش غروبان في غنائية من غنائيات برودواي.
أرقى أساليب الغناء الجميل
وسط أوبرا تتميز بموسيقاها السريعة الإيقاعية المرحة، إلى درجة أنها تستدعي بعض الأداء الحركي الخفيف، تظهر تلك الآريا بتفردها الشديد واختلافها عن سائر أجزاء العمل، لتعبر عن لحظة عاطفية عميقة يعيشها نيمورينو بمفرده، فيظلم المسرح ويخلو من الجميع، ويغني البطل بما يشبه المونولوغ الداخلي. ينطلق صوت الهوائيات الخشبية مع بروز الكلارينيت ومصاحبة الوتريات، تعزف الثيمة الرئيسية البديعة تمهيداً للغناء، يذكر نيمورينو الدمعة التي رآها في عيني أدينا، وما بدا عليها من غيرة عندما كان محاطاً بالفتيات، يؤكد لنفسه ما رآه ويتساءل ماذا يمكنه أن يطلب أكثر من ذلك. ويحلم بلحظة تمتزج فيها أنفاسه بأنفاسها وتختلط دقات قلبه بدقات قلبها، ثم يخاطب السماء ويقول، إنه لا يمكنه أن يطلب شيئاً آخر، ويقول إنه يمكن للمرء أن يموت حباً.
تتناغم تلك الكلمات ببساطتها وصدق تعبيرها عن الحب، مع لحن رائع شديد الصفاء يعد من أجمل ما تم تأليفه للأوبرا، فالموسيقى لا تصاحب الكلمات فحسب أو تفسرها لحنياً، وإنما تتجاوب معها وتحاورها أحياناً، وتقاسمها وظيفة التعبير عما يشعر به هذا العاشق في تلك اللحظة بمنتهى الدقة. نفذت عبقرية دونيزيتي الموسيقية إلى أعماق البطل، وعبّر بالنغم عن ذلك الشعور بالحب والسعادة الممتزجة بالشجن، فجاءت الموسيقى لتسمعنا ما يدور في نفس نيمورينو ولا يقوله بالكلمات.
تعزف الموسيقى خطوطاً لحنية طويلة متصلة، ومنذ اللحظة الأولى تنقلنا إلى جو من السكون والتأمل، يختلف عن أجواء الأوبرا الصاخبة إلى حد ما، هذا التدفق اللحني يتطلب من التينور تحكماً استثنائياً في التنفس، فتلك الانسيابية والنعومة التي تمتع الأذن وتبدو سهلة للمستمع، هي من أصعب ما يؤديه التينور من حيث الحفاظ على جودة الصوت والتعبير. يتردد صوت بافاروتي القوي بصفائه النادر، يغني بهدوء في البداية كأنه يخشى على تلك السعادة التي منح إياها للتو، يعبر صوته عن الفرح والدهشة والحب، وربما الخوف من السعادة المباغتة، ونشعر أحياناً كما لو أننا نستمع إلى خفقات قلبه، في تدفق وانسياب اللحن المستمر، يتلون الأداء بين انخفاض الصوت وارتفاعه، ثم ارتعاشه للحظات في القسم الثاني من الآريا، والذروة في الخاتمة.
كاتبة مصرية