فلسطين مع اسبانيا وإسرائيل خلف الأرجنتين


لندن ـ «القدس العربي»: لم تكن صافرة نهاية نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين إعلاناً عن بطل جديد لكرة القدم فحسب، ففي اللحظة التي حسم فيها فيران توريس المواجهة بهدف قاتل في الدقيقة 106، كانت مدن فلسطينية ترفع علم إسبانيا إلى جانب العلم الفلسطيني، بينما كانت وجوه مسؤولين ومشجعين إسرائيليين تنكفئ بعد خسارة المنتخب الذي اختاروه سياسياً قبل أن يختاروه رياضياً.
فوز إسبانيا بهدف من دون رد خلال شوط تمديد المباراة منحها لقبها العالمي الثاني، لكنه منح الفلسطينيين والعرب أيضاً مناسبة نادرة للاحتفال بدولة ارتبط اسمها، خلال السنوات الأخيرة، بمواقف داعمة لفلسطين، وبانتقادات حادة للحرب الإسرائيلية على غزة وسياسات الاستيطان في الضفة الغربية. وفي المقابل، جاءت خسارة الأرجنتين كصفعة رمزية لمعسكر إسرائيلي كامل أعلن، بلا مواربة، أن قلبه مع بوينس آيرس ورئيسها خافيير ميلي، أحد أبرز حلفاء حكومة بنيامين نتنياهو.
وفي غزة، حيث الكهرباء شحيحة والمنازل مهدمة والخيام لا تتيح ترف المشاهدة الفردية، تحولت المقاهي والساحات إلى مدرجات جماعية، حيث احتشد مئات الفلسطينيين أمام شاشات كبيرة، لا بحثاً عن تسعين دقيقة من كرة القدم فقط، بل عن فسحة من الحياة وسط حرب طويلة أثقلت تفاصيل يومهم بالموت والفقدان.
ومع انتهاء المباراة، انطلقت احتفالات عفوية شارك فيها شبان وأطفال، وظهرت الأعلام الإسبانية في مشاهد تناقلتها منصات التواصل الاجتماعي. وبدت الفرحة أكبر من نتيجة رياضية، فقد كانت نوعاً من ردّ الجميل لبلد اعترف رسمياً بدولة فلسطين، ودعا إلى مراجعة علاقات أوروبا مع إسرائيل، واتخذ إجراءات شملت حظر تصدير السلاح وفرض قيود مرتبطة بالمستوطنات.
وفي بيت لحم والخليل ونابلس، خرج مئات الفلسطينيين إلى الشوارع حاملين علمي فلسطين وإسبانيا. كما بعث الرئيس الفلسطيني محمود عباس برقيتي تهنئة إلى الملك الإسباني فيليبي السادس ورئيس الوزراء بيدرو سانشيز، في تعبير رسمي عن المزاج الشعبي نفسه، وهو أن الشعوب تحفظ مواقف الدول، حتى عندما تلتقي بها عبر كرة القدم.
وعربياً، انتشرت عبارات تربط انتصار إسبانيا بمواقفها السياسية، وكتب متفاعلون أن غزة، رغم الركام، لم تنس من وقف معها. أما حركة «حماس»، فهنأت إسبانيا بالفوز، وقال القيادي باسم نعيم إن التتويج أسعد فلسطين وأنصارها، فضلاً عما سببه من خيبة للإسرائيليين وحلفائهم، كما هنّأت إيران إسبانيا على الفوز ببطولة كأس العالم، قائلة إن ذلك أسعد «الأمم الحرة والمستقلة» في العالم، في إشارة ضمنا إلى المناهضين للولايات المتحدة وإسرائيل.
وحفلت منصات التواصل الاجتماعي بالتهنئة للمنتخب الاسباني، وأعرب كثيرون عن تأييدهم لـ «لا روخا» على خلفية مواقف سياسية اتخذتها مدريد، خصوصا إدانتها للحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، وانتقادها الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة على إيران.
وفي قلب هذه الموجة برز اسم لامين جمال، أو يامال كما يكتب اسمه أحياناً عربياً. اللاعب الشاب لم يكن بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين مجرد جناح موهوب في منتخب بطل، بل كان وجهاً يحمل روابط وجدانية وثقافية مع المنطقة. وأعاد ناشطون تداول لقطة سابقة ظهر فيها حاملاً العلم الفلسطيني خلال احتفالات برشلونة، ورأوا في تتويجه امتداداً لتلك الصورة التي بقيت حاضرة في ذاكرة غزة.
وبعد النهائي، خطف جمال الأنظار مجدداً عندما جثا على ركبتيه شاكراً الله، بعيداً عن المشادات التي اندلعت بين لاعبين من المنتخبين. وزادت رمزية المشهد مع ظهوره خلال البطولة بحذاء يحمل صورة علمي المغرب وغينيا الاستوائية، في احتفاء واضح بجذوره العائلية. وبينما كانت الكاميرات تلتقط التوتر في الخلفية، بدا اللاعب البالغ 19 عاماً منشغلاً بقراءة الفاتحة والدعاء شكرا لله، ما جعله بطلاً لدى جمهور عربي واسع، حتى من دون أن يسجل هدف النهائي.
على الجانب الآخر، لم تحاول القيادة الإسرائيلية إخفاء رهانها. نتنياهو تمنى علناً التوفيق للأرجنتين بعد استقباله سفيرها، وتبادل مع ميلي رسائل ودية تؤكد عمق التحالف السياسي بينهما. كما أن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أعلن أن «كل إسرائيلي وطني» يشجع الأرجنتين، فيما هتف إيتمار بن غفير لميسي، وانضم وزراء ومسؤولون آخرون إلى حملة التأييد. وذهب المستوطن المتطرف باروخ مارزيل أبعد من الجميع، فنشر صورة وهو يحرق علم إسبانيا.
لكن بعد صافرة النهاية، لم يبق من تلك الحماسة سوى صمت ثقيل. اكتفى حزب الليكود بإعلان فوز إسبانيا مرفقاً برمز وجه صامت، وانتشرت مشاهد لمئات الإسرائيليين وهم يغادرون منطقة مشاهدة عامة في رامات غان بملامح عابسة. حتى هيئة البث الإسرائيلية كانت قد اختصرت البعد السياسي للمواجهة بسؤال لافت: هل النهائي بين الأرجنتين وإسبانيا، أم بين إسرائيل والفلسطينيين؟
ربحت إسبانيا الكأس، لكن صورة الليل لم تختصرها منصة التتويج. ففي غزة، عانق أطفال بعضهم تحت سماء الحرب. وفي تل أبيب، انطفأت شاشات رُفعت أمامها أعلام الأرجنتين. وبين المشهدين، وقف لامين جمال شاكراً الله، كأن كرة القدم قالت، بطريقتها الخاصة، إن المواقف خارج الملعب قد تحدد أحياناً لمن تهتف المدرجات في داخله.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *