العبرة في الحكم على الحروب ليست في استخدام القوة ومقياس التفوق العسكري، ولكن في تحقيق أهدافها السياسية. الحرب كما قال كلاوزفيتز هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى. وقد يساعد استخدام القوة العسكرية الغاشمة والضغوط الاقتصادية القصوى على إحداث قدر هائل من الدمار وتغيير حقائق مادية كثيرة على الأرض، منها حقائق عسكرية مثل تدمير محطات الرادار والطائرات، أو مدنية مثل الجسور ومحطات الكهرباء. لكن القوة لا تستطيع خلق حقائق سياسية جديدة مستدامة، من دون الانتقال من الحرب إلى الدبلوماسية. وقد يحقق استخدام القوة العسكرية الغاشمة عند حدوده القصوى إجبار الخصم على التوقيع مكرها على وثيقة استسلام، كما حدث لليابان بعد الضربات النووية التي تعرضت لها في نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقد يحقق في أحوال أخرى سقوط النظام تماما وتمكين القوة المنتصرة من احتلال أراضي الخصم، كما حدث في أفغانستان عام 2001 وفي العراق عام 2003 ، لكن الاحتلال في الحالتين فشل في تحقيق الأهداف المعلنة، وعلى رأسها إقامة نظام ديمقراطي في أي من البلدين. في أفغانستان عادت طالبان إلى الحكم بعد احتلال دام 20 عاما. وفي العراق انتهت الحرب بالفوضى وانتشار الإرهاب، ثم إقامة نظام يقوم على المحاصصة المذهبية والقومية، محل نظام الحكم العسكري المهزوم.
الحرب تمثل لعبة خاسرة للطرفين مهما طالت، لن تستطيع الولايات المتحدة إجبار إيران على توقيع وثيقة استسلام، ولن تستطيع إيران طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط
دروس التاريخ تعلمنا أنه مهما كانت القوة الغاشمة التي تستخدمها الولايات المتحدة حاليا في الحرب على إيران، فإن عدم وضوح الاستراتيجية والأهداف السياسية من شأنه تكريس العجز عن تحقيق نهاية سياسية تنهي الصراع على النفوذ في الخليج. إيران لن توقِّع أبدا على وثيقة استسلام كما فعلت اليابان، والقوات الأمريكية لن تتمكن من احتلالها كما فعلت في اليابان وأفغانستان والعراق. وفي سياق جدلية المقاومة السياسية والمسلحة ستطول الحرب بلا نهاية، ما يؤدي إلى تشغيل محركات الانقسام في الولايات المتحدة نفسها بين التيار الصهيوني (إسرائيل أولا) والتيار القومي الأمريكي (أمريكا أولا)، وهو انقسام تؤدي تداعياته إلى تآكل قوة الولايات المتحدة السياسية والعسكرية والاقتصادية في الخارج، وإضعاف درجة التماسك المجتمعي في الداخل، وظهور انقسامات سياسية حادة في مجتمع يواجه فعليا مشاكل بنيوية في العلاقات بين الأقليات والبيض الأوروبيين، وبين المؤسسات مع بعضها بعضا، وبين الدولة والمجتمع مع سيطرة قلة أوليغاركية على مراكز النفوذ.
القوميون والصهاينة
مع تزايد شعور الرأي العام والمؤسسات في الولايات المتحدة، بتراجع القوة الأمريكية، وتلاشي أوهام القيادة المنفردة للعالم، واتساع نطاق التحدي الصيني تجاريا وتكنولوجيا وعسكريا، تتزايد قوة المشاعر القومية بدافع الرغبة في تقليل الخسائر والأمل في استعادة الهيمنة. وقد جاء فوز دونالد ترامب في انتخابات عام 2016 على هذه الأرضية، وكانت انتقاداته اللاذعة لمؤسسات الدولة هي العمود الفقري للخطاب السياسي القومي الشعبوي، الذي زاد انتشاره بعد ذلك. وخلال فترة حكم بايدن (2020/24) تعمد ترامب وهو خارج السلطة، كما تعمد أنصاره توجيه انتقادات حادة ومسيئة إلى النظام، وإلى الرئيس الجديد وصلت إلى حد محاولة منع إقرار نتيجة الانتخابات الرئاسية، ومحاولة احتلال مبنى الكونغرس وطرد النواب والشيوخ (6 يناير 2021). وبعد فوز ترامب في الانتخابات الأخيرة (2024) زادت حدة انتقاد ما يُطلق عليه «الدولة العميقة»، بواسطة قيادات طاقم الإدارة الجديدة، ما يعبر عن وجود انقسام سياسي فعلي على خلفية موقف الولايات المتحدة من حرب إيران وحرب غزة. وانتشرت في المحافل العامة ادعاءات ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تتهمه بأنه وراء توريط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حرب إيران، وإرسال حملة عسكرية ضخمة إلى الشرق الأوسط للدفاع عن المصالح الإسرائيلية، والدخول في حرب جديدة على عكس ما كان ينادي به من «الخروج من الحروب التي لا نهاية لها» في المنطقة والتركيز على تحقيق المصالح الأمريكية من دون تعريض قواتها للخطر. وقد أظهرت تصريحات نائب الرئيس جى دي فانس في مقابلته مع جو روغان مقدم البودكاست في منتصف الشهر الحالي، أن بعض العناصر داخل «النظام» الإسرائيلي «تتلاعب وتحاول تغيير الرأي العام الأمريكي لإبقاء الحرب (يقصد حرب إيران) مستمرة إلى أجل غير مسمى». وقال فانس خلال المقابلة، إن مجلة «تايم» نشرت في 14 من الشهر الحالي أسماء مجموعة من الأشخاص الذين تقاضوا أموالاً من أحد أعضاء حملة ترامب السابقين (يقصد براد بارسكيل مدير حملة ترامب الانتخابية السابق)، الذي كان بدوره قد تقاضى أموالاً من جهات معينة داخل الحكومة الإسرائيلية، موضحا أن «هؤلاء الأشخاص يشنّون هجوماً شرساً عليَّ لمحاولتي تحقيق هدف التفاوض الذي حدده الرئيس». وأوضح أن توجيه الرئيس له كان يتضمن هدفين للمفاوضات الأول هو عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا والثاني هو إعادة فتح مضيق هرمز للملاحة. ووصف فانس نشاط اللوبي الإسرائيلي بأنه «حملة سرية للغاية وممولة بسخاء لعرقلة المفاوضات»، كما وصف الحرب على إيران بأنها لا تتمتع بتأييد أغلبية الشعب الأمريكي.
ضغوط انتخابية
فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بنفوذهم الحالي في الكونغرس، بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل محدودة جدا، ومن شأن استمرار نزيف الحرب أن يستمر نزيف تلك الفرص لمصلحة الديمقراطيين. لذلك فإن الوضع الراهن بالنسبة للسباق الانتخابي يفرض على البيت الأبيض الإسراع باتخاذ موقف واضح من الحرب في صورتها الحالية، وتقدير ما إذا كان من الأفضل خوض الانتخابات وسط دخان الحرب، بما يحمله ذلك من احتمال زيادة عدد الضحايا نتيجة الهجمات المضادة الإيرانية على قطع الأسطول الأمريكي والقواعد العسكرية في الخليج والأردن والعراق، أم أنه من الأفضل أن تجري وسط سباق دبلوماسي إلى حل سلمي قد يصمد. ومن الواضح أن دخول وزير الخارجية ماركو روبيو على خط الانفتاح الدبلوماسي، كما تدل على ذلك تصريحاته في الأيام الأخيرة، يعكس رغبة ترامب في العودة إلى الدبلوماسية.
التقييم الإسرائيلي الحالي هو أن إيران ستمتنع عن شن هجمات ضد إسرائيل طالما أن الولايات المتحدة لا تصعِّد حملتها العسكرية ضد طهران بشكل كبير. لكن من الصعب التنبؤ بسلوك الرئيس الأمريكي الذي ينتقل فجأة من النقيض إلى النقيض في تصريح واحد. وفي ما يتعلق بإمكانية انضمام إسرائيل إلى الضربات على إيران، قال مسؤولان إسرائيليان لصحيفة «واشنطن بوست»، إن ذلك قد يحدث في ظل ثلاثة سيناريوهات: سيناريو الرد الفوري إذا شنت إيران هجمات ضد إسرائيل، أو سيناريو الرد الاستباقي إذا رصدت المخابرات الإسرائيلية أن إيران تستعد لإطلاق صواريخ أو طائرات من دون طيار على إسرائيل، أو سيناريو الانضمام رسميا إلى الحملة العسكرية الأمريكية، إذا طلب ترامب ذلك. ونعتقد أيضا أن نتنياهو قد يرى، من منظور انتهازي بحت، أن من مصلحته التدخل في الحرب بعد أن تكون الضربات الجوية الأمريكية قد أضعف الدفاعات الإيرانية إلى درجة لا تخشى فيها إسرائيل تداعيات رد الفعل الإيراني. في كل الأحوال فإن الرد الإسرائيلي هو الآخر سيكون محكوما بمحرك سياسي رئيسي هو الانتخابات العامة المقررة في أكتوبرالمقبل. وطبقا لتقرير نشرته صحيفة «إسرائيل اليوم» فإن نتنياهو ربما يتجه للتصعيد ضد إيران وعلى الجبهات الأخرى قبل موعد إجراء الانتخابات: «أؤيد إجراء الانتخابات التمهيدية، لكن ثمة احتمال أن نواجه وضعاً أمنياً استثنائياً قد يُصعِّب إقامة الفعاليات الانتخابية. قد يتزامن ذلك مع يوم الانتخابات أو يحدث قبله، مما يُعيق إجراء التصويت»، حسبما قال في اجتماع للجنة الدستورية لحزب ليكود.
لا طهران ولا واشنطن أغلقت باب استئناف مسار الدبلوماسية، لكن الفجوة بينهما تظل واسعة وأكثر تعقيدا كلما اتجهت السياسة إلى تشبيك الالتزامات والقضايا ببعضها بعضا، مثل وضع حرية الملاحة في المضيق قبل البرنامج النووي، أو التوقف عند مسألة رسوم عبور الناقلات، بدلا من تأكيد توفير مقومات أمن العبور، ومن ثم تركيز نطاق الأزمة داخل حيز ضيق تصعب فيه المناورة، وتتصادم التوجهات. ومع استمرار رغبة الوسطاء، باكستان وقطر والسعودية ومصر، في تجنب تدهور الوضع في الخليج إلى مواجهة عسكرية إقليمية واسعة النطاق، فإن الأبواب تظل مفتوحة لوقف الاشتباكات وعقد اللقاءات لغرض استئناف المسار الدبلوماسي. إن الحرب تمثل لعبة خاسرة للطرفين مهما طالت، ولن تستطيع الولايات المتحدة إجبار إيران على توقيع وثيقة استسلام، ولن تستطيع إيران طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، لأن لها مصالح في المنطقة يتفق عليها الجمهوريون والديمقراطيون والصهاينة والقوميون، أهمها ما يتعلق بمصادر القوة الأمريكية في مواجهة التحدي الصيني، مثل النفط والغاز والممرات والموقع الاستراتيجي، والرغبة في منع تغلغل الصين غربا ومنع عودة روسيا إلى الشرق الأوسط.
كاتب مصري