تطرح خصوصيات العمل التشكيلي «نساء قرطاج»، للتشكيلية التونسية أحلام بوصندل الجمالي، المنجز على الكنفاس بحجم تجاوز القياس المتوسط (110/98 سم)، حضور عديد التوجهات المعاصرة التي يتفاعل فيها التعبير مع الجسد والموضوع الثقافي مع الموضوع النسوي. ما يؤهله ليكون منجزا معاصرا قريبا من واقعه، ملما بعدد من القضايا المطروحة داخل الساحة التونسية، ووسط الفضاء الثقافي العربي عموما، في تفاعل مستمر مع الاهتمامات والضرورات الفنية الآنية. وهو توجه جعلنا نبحث داخل المضامين عن علاقة المحتوى بعنوانه، ليتضح حسب المعطيات الحاضرة في العمل أن المقصود يتعلق أكثر برمزية ضاحية قرطاج شمال العاصمة التونسية، كمجموعة أحياء راقية تسكنها عائلات مرفهة تتميز بوعي اجتماعي مرتفع، ناهيك عن الدور التاريخي والحضاري المشع للآلهة تانيت منذ القرن التاسع قبل الميلاد كحامية لقرطاج ورمز الخصوبة والحياة والأمومة. وهو محور أنثوي تاريخي مهم، يحيلنا إلى قراءة الدور الطلائعي للمرأة الذي أشادت به المفكرة الفرنسية المتحررة سيمون دي بوفوار إبان الحركة النسوية الثانية في كتابها «الجنس الآخر» الصادر في 1949، بقولها: «نحن لا نولد نساء، بل نصبح كذلك».
يقدم هذا الخيار البصري المدروس مقاربة ذات مضامين إنسانية تتناول خصائص الهوية المتوسطية المحلية والكونية العالمية في آن. وهو منجز يعول على الأداة الفنية البصرية لتمرير عدد من الرسائل والمضامين الأيديولوجية والثقافية. هذا التماشي يضع القراءة النقدية البصرية في ارتباط مباشر مع الحقل الفكري والنقدي (محور الاهتمام، خيارات التقديم، الإطار الفني، المرجع الفكري، المعطى الثقافي)، مع الإمساك ببعض الخيوط البراغماتية (تجاوز البناء الصوري، الوظيفة التوعوية، المحيط الاجتماعي، خيارات التلقي، التفاعل والإدراك) . هذه العناصر المتداخلة تضع المنجز في خانة تفكير إشكالي تجعله، بالضرورة، يتجاوز مجرد الغايات التمثيلية الآلية والتمويهية الشكلية إلى الخوض في قضايا وجودية وإنسانية شائكة، سواء تعلق الأمر بالتطرق لصراع الهيمنة بين الأنثى والذكر (الحركة النسوية)، أو بمجابهة الثقافة التقليدية والمعارف الرجعية المهيمنة في المجتمعات العربية والإسلامية.

ورد حضور الجسد النسوي مشبعا بالرمزية التي تتعدى الإطار في حد ذاته، وتذهب بعيدا إلى حد تجنيد «الموديل» للتعبير عن الرفض والاِحتجاج ضد الأفكار المتداولة ومحاربة السائد، حسب الناقدة البصرية البريطانية لورا ميلفي ( Laura Mulvey)، ذلك أن تركيبة اللوحة تكاد تخلو من الهم التقني تقريبا، عدا خلفية أولية بسيطة من دون أفق يذكر، ارتبطت بتأثيث بعض الأكسسوارات الدعائية البسيطة (شاشة، توصيل) ما يؤكد فرضية السعي النضالي والدعائي، عبر استغلال كل الإمكانات المتاحة.
بمجرد النظرة الأولى للعمل تلتقط العين ثلاث نساء نصف عاريات، بسراويل قصيرة واقفات جنبا إلى جنب بشكل متسلسل، في وضعية غير اِعتيادية تدير الظهر للمتلقي، بينما لا يحضر مؤشر للتعرف على أي ملمح. تتجاوز المرامي والغايات في المنجز مجرد القراءة التقليدية التي تقف عند اللون والحجم والجسم والخلفية والأبعاد، إلى قراءة فلسفية ومفاهيمية تضعنا مباشرة أمام العديد من التساؤلات المرتبطة بموضوع المرأة والهوية والجسد والمحيط الثقافي. يتم ذلك في ضوء غياب ظل (silhouette) الشخصية الجمالية الجذابة في المنجز، سواء كان ذلك على صعيد المكونات أو الأدوات. فالعمل الذي يعود إلى سنة 2022 ورغم ما يحمله من صمت وعزلة وفراغ وغياب التفاصيل، نجد فيه عناصر تعكس مؤثرات وباء كورونا المستجد، الذي دام ثلاث سنوات تقريبا، إلا أنه يضع حاجزا مثيرا للاهتمام أمام المتلقي. ما يوحي بأن الفكرة الرئيسية تقوم على المواجهة والصد للعنصر الذكوري، خصوصا وللوضع السائد عموما. وهو عامل محفز للذهاب في هذا الاتجاه، خاصة بعد توافر ثلاث علامات بارزة، وإن بشكل متفاوت، الأولى؛ الحجم المعتبر للعمل الفني الذي أرادت الفنانة توصيله للجمهور، من دون التعويل على العنصر اللوني الجذاب مقتصرة على مطفّة بثلاثة ألوان رئيسية وهي على التوالي؛ البرتقالي المائل للوردي (الأحمر والأصفر مع حبة لون أبيض): وهو لون بشرة المرأة على اليسار، كصبغ يرمز إلى الإثارة والجنس من جهة، والحق في الحياة الإنسانية العادلة من جهة أخرى، لأنه لون يتموقع بين الأصفر (الحدة، الذبول، عدم الاستقرار) والأحمر( الجرح، الثورة ، الانفجار)، والأبيض (الصفاء، الإيمان، الطهارة)، لنجد بعد ذلك اللّون الأحمر الدموي القاني أو الخمري: الذي يرمز للشريان النابض والمقاوم داخل الأنثى، كما أنه يعكس التضحيات القديمة والمعاصرة والمسار النضالي النسوي منذ بداية القرن الماضي. لنصل في النهاية إلى اللون الرمادي البارد المائل للبنفسجي الخامل: كدلالة على التهميش والتجاهل الذي تتعرض له المرأة دوريا من الرجل من جهة (مجتمع ذكوري) ومن العرف والسلطة الثقافية المعرفية من جهة أخرى (المرجعية الرسمية السلطوية). ومع أن الأخير يمثل اللون الطاغي في العمل، إلا أنه يتموقع بين اللونين الأولين (البرتقالي، والأحمر) وترتبط درجة حضوره بمستوى الوعي النضالي الأنثوي وبدرجة تجاوب السلطة الذكورية والمؤسسة الرسمية ودرجة الوعي الجماعي، فهو محرار التحركات ومقياس الاحتجاجات، يتلخص دوره في اعتباره بمثابة الوصل بين السالب والموجب في «دارة» النضال النسوي.

يتموقع البناء الشكلي للعمل، رغم ما يحمله من صدام وصد عند أفق الحوار والتأويل والمقربة، بقدر ما يحصر تكوينه المرتبط بموضوع المرأة في إطار الدعوة التحسيسية للوقوف عند قراءات تجاوزها الزمن ما زالت تكرس سلطة النموذج المبتذل (cliché). تعمل خاصيات العمل على استثمار المقدرات الإيقونوغرافية، وتحولها من المستوى الوصفي إلى المستوى الرمزي والسياقي. فضعف حضور الأشكال الصورية والطبيعية يحيلنا إلى غياب العنصر السردي المادي، ليتجه الاهتمام إلى المفهوم والفكرة، لا سيما أمام قلة التفاصيل اللونية وفقر المعطى المشهدي وغياب الخلفيات المتنوعة من جهة، والحجم المسيطر للموديلات النسوية المتحررة من جهة أخرى. لترتسم أكثر ملامح المعلقة
(affiche)، التي ركزت حضورها لا على نقل واقع الوضع النسوي المتردي في البلاد العربية فقط، بل بتجاوز الفهم الديني والرسمي المسيطر، من خلال علامات الجسد نصف العاري ونماذج الملابس الغربية وجهاز الاتصال الرقمي المحمول في جيب المؤخرة، التي تضعنا في قلب الواقع الحالي القائم على المظهر والاستهلاك والانخراط في المنظومة العالمية. في هذا السياق فإن تعدد نماذج المرأة الوارد في العمل يعيدنا من جديد إلى الوراء ليحيلنا إلى دورها كأداة، بدل أن تكون شخصية فاعلة ومفكرة لا تخضع للمفهوم النمطي (stéréotype) الذي لا علاقة له بالخلق والإبداع، لأنه يكرس الهيمنة الذكورية أكثر من إي شيء آخر. وهو موضوع يذكرنا بأعمال الناشطة المصرية هدى لطفي، التي رفعت شعار العدالة الاجتماعية على صفحات التواصل وعبر كل المنشورات والنشاطات المتعلقة بالقضية النسوية التي تعد محور اهتمامها الأول والأخير.
»نساء قرطاج»، أكريليك على قماش، أحلام بوصندل الجمالي (98/110)، 2022.
الفنانة أحلام بوصندل الحمالي أمام أحد أعمالها.