أعاد النظر في استراتيجيته إزاء الأمة الأوكرانية: ترامب بين بوتين وزيلينسكي


لم يعد تقلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين موسكو وكييف مجرد مناورة تكتيكية منفصلة، بل بات يمثل جوهر دبلوماسية «الغموض الاستراتيجي» التي تعتمد عليها واشنطن لإدارة التوازنات الدولية الكبرى، وإعادة صياغة شروط التسوية من موقع القوة، فمن خلال الانتقال المنهجي من ممارسة الضغط على كييف إلى تبني موقف متحفظ من الكرملين، والثناء على صلابة الرئيس الأوكراني زيلينسكي،
ونفي وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وجود أي اتفاق نهائي مع روسيا بشأن أوكرانيا في قمة ألاسكا، مؤكداً أن ما طُرح هناك لم يتعدَّ كونه مقترحات (أمريكية) للنقاش، وأنه لو كان هناك اتفاق حقيقي لكانت الحرب قد انتهت بالفعل. وشدد روبيو على أن واشنطن متمسكة بمواصلة تزويد أوكرانيا بالأسلحة والدعم العسكري، معتبراً أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تلعب دور الوسيط المحايد بالصيغة التي ترغب بها موسكو.
في المقابل، فجرت هذه التصريحات سجالاً دبلوماسياً حاداً، حيث انتقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الموقف الأمريكي، واصفاً التملص من التفاهمات بأنه غير لائق. وأكد لافروف أن مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، كان قد زار موسكو وحمل مقترحات وافقت عليها روسيا بنداً بنداً بحضور ترامب وروبيو في قمة ألاسكا. واتهم الكرملين واشنطن بالتراجع عما يُعرف بـ»تفاهمات ألاسكا» أو «روح أنكوريدج»، التي كانت تقضي وفق الرواية الروسية بتجميد خطوط القتال مقابل تسليم كامل إقليم دونباس لموسكو، ما يعكس تعثر قنوات التفاوض الخلفية وعودة العلاقات بين البلدين إلى مربع التوتر.
ويسعى ترامب إلى فرض معادلة «السلام من خلال القوة»، من دون تقديم تنازلات مجانية لطموحات روسيا الإقليمية. وقد تجلى هذا النهج البراغماتي بوضوح عقب قمة مجموعة السبع الأخيرة في فرنسا، حيث تجاوز ترامب انتقاداته السابقة لزيلينسكي، ليعلن رسمياً أنه «يبلي بلاءً حسناً» بينما منحت إدارته ضوءاً أخضر ضمنياً لكييف لتكثيف تحركاتها الميدانية والاقتصادية، إدراكاً من البيت الأبيض بأن الكرملين لن يقدم تنازلات حقيقية، من دون التعرض لضغوط بنيوية رادعة.

ترامب يوظف الضغط الاقتصادي المفرط على روسيا، والتشجيع المشروط لأوكرانيا لإجبار الطرفين على الجلوس إلى طاولة مفاوضات تُصاغ شروطها النهائية في البيت الأبيض

لقد تميز موقف الرئيس ترامب من الأزمة الأوكرانية الروسية في بداية عودته إلى البيت الأبيض لولايته الثانية في يناير 2025 بالبراغماتية الشديدة، والضغط المكثف لإنهاء الصراع بشكل فوري، حيث دخل الإدارة حاملاً شعار إنهاء الحرب خلال 24 ساعة، عبر فرض تسوية سلمية على الطرفين. وقد تجسد هذا النهج في مطالبته العلنية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإتمام صفقة لإنهاء الحرب، مصحوبة بتهديدات بفرض عقوبات اقتصادية وتعريفات جمركية قاسية على موسكو، إذا رفضت التجاوب مع جهود السلام. وفي المقابل، اتسمت علاقة ترامب بالرئيس الأوكراني زيلينسكي بالتوتر والشدة، وتجلى ذلك في اجتماع عاصف بالمكتب البيضاوي في فبراير 2025، أبلغ فيه ترامب زيلينسكي صراحة بأنه لا يملك أوراق قوة في هذه الحرب، تلا ذلك إقدام الإدارة الأمريكية على تجميد الدعم العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية مؤقتاً مع كييف، للضغط عليها للقبول بوقف إطلاق النار، تزامناً مع انتقادات ترامب المستمرة لحجم المساعدات المالية التي قدمتها إدارة بايدن السابقة، والتي اعتبرها تبديداً لأموال دافعي الضرائب. كما ربطت إدارة ترامب استمرار الدعم لكييف بنهج نفعي يقوم على صفقات اقتصادية تمنح الولايات المتحدة أفضلية في الوصول إلى المعادن الحيوية والأراضي النادرة في أوكرانيا، لتعويض التكاليف الأمريكية، في حين ركزت مقترحات واشنطن للسلام على دفع أوكرانيا للتنازل عن أجزاء من أراضيها الشرقية وتجميد انضمامها لحلف الناتو، وهو ما رفضته كييف في البداية بشدة، قبل أن يشهد هذا الموقف المتصلب تحولات تدريجية ومرونة أكبر من ترامب بحلول منتصف عام 2026 بعد جمود المفاوضات واستمرار التصعيد الميداني.
هذا التحول الأمريكي قوبل بموجة متصاعدة من الاستغراب وعدم القبول في أروقة صنع القرار داخل موسكو. فقد اتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وكبار مسؤولي الكرملين واشنطن بـ»الانحراف التام عن دور الوسيط المحايد»، والتنصل المنهجي من «تفاهمات قمة ألاسكا» التاريخية، التي كانت موسكو تعول عليها لتجميد الجبهات الحالية. وجاء الاستياء الروسي من حزمة العقوبات الصارمة التي فرضتها إدارة ترامب على قطاع الطاقة والشركات النفطية الروسية العملاقة، والتي تزامنت مع ضربات أوكرانية نوعية بالمسيرات استهدفت مصافي النفط والبنى التحتية الحيوية والمنشآت المدنية، بما في ذلك مدرسة للأطفال ومبان سكنية وحافلة تقل أطفال مدرسة من بيلاروسيا، في العمق الروسي، وحتى قلب العاصمة موسكو. وأمام هذه التطورات، اعتبر الكرملين أن الدعم العسكري الغربي والتسهيلات الأمريكية لكييف تهدف مباشرة لزعزعة استقرار المجتمع الروسي الداخلي، والتأثير على توازناته السياسية.
وفي هذا السياق قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: إن لدى روسيا شعورا بأن الولايات المتحدة قد تغير موقفها مجددا تجاه سبل التسوية في أوكرانيا. وأضاف: ليس لدينا مخاوف. لدينا شعور بأنه قد يحدث مجددا تغيير في نهج واشنطن، كما حدث بعد قمة ألاسكا بين الرئيسين بوتين وترامب، والتفاهمات التي توصل إليها الجانبان حول تسوية أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، أكد لافروف أنه يحافظ على اتصال مع روبيو ويتواصل معه بشكل دوري، وأِشار إلى أن الولايات المتحدة تدعم أوكرانيا بفرض عقوبات جديدة ضد روسيا وتمديد العقوبات القديمة واعتماد برامج خاصة لدعم المجمع الصناعي العسكري الأوكراني. وتابع: «هم يدعمون أوكرانيا ليس فقط من خلال تمديد عقوبات بايدن، بل من خلال فرض عقوبات جديدة، واعتماد برامج خاصة لدعم المجمع الصناعي العسكري لنظام كييف،
وعلى صعيد المسار التفاوضي المعقد، اصطدم مقترح «القمة الثلاثية» برعاية أمريكية بجدار الشروط المتبادلة وحسابات الميدان، ورغم ترحيب ترامب علناً بمبادرة زيلينسكي لعقد لقاء مباشر يجمعه ببوتين في الولايات المتحدة، ووصفه للفكرة بأنها «أمر رائع»، جاء الرد الحاسم من الرئيس الروسي بوتين ليعكس تشدداً استراتيجياً؛ حيث استبعد بوتين عقد أي لقاء قريب معتبراً إياه «بلا جدوى»، ما لم تقر كييف بالواقع الميداني الجديد وتنسحب بالكامل من إقليم دونباس. وأكد بوتين في خطاباته الأخيرة، أن الغرب والناتو يستعدان لشن حرب علنية ضد بلاده عبر برامج التسلح المتقدمة، مشيراً إلى أن استمرار الهجمات الأوكرانية الانتقامية، يقوض فرص اللقاء المباشر، ويفرض على موسكو المضي قدماً في عملياتها العسكرية حتى تحقيق كامل أهدافها الاستراتيجية.
في النهاية، يكشف هذا التأرجح أن ترامب لا يتحرك بعشوائية، بل يوظف الضغط الاقتصادي المفرط على روسيا، والتشجيع المشروط لأوكرانيا كأدوات لإجبار الطرفين على الجلوس إلى طاولة مفاوضات تُصاغ شروطها النهائية في البيت الأبيض ووفقاً للمصالح الأمريكية العليا.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *