نواكشوط –«القدس العربي»: شكل الإعلان الذي أصدره تحالف قوى الإنقاذ عن مقاطعته الكاملة للحوار الوطني المرتقب، أول اختبار سياسي حقيقي للمسار الذي تراهن عليه السلطة لإطلاق تشاور واسع حول القضايا الوطنية.
فبعد يومين فقط من توقيع الوثيقة المرجعية للحوار، جاء موقف التحالف ليكشف أن الإجماع الذي بدا متشكلاً حول انطلاق الحوار لا يزال بعيد المنال، وأن الطريق نحو توافق وطني شامل ما زالت تعترضه حسابات الثقة والضمانات السياسية.
ورغم أن تحالف قوى الإنقاذ تحالف حديث النشأة ولا يضم سوى ثلاثة أحزاب سياسية وحركة شبابية وثلاثة نواب في البرلمان، فإن حضوره يتجاوز حجمه العددي، حسب خبراء المشهد السياسي الموريتاني بالنظر إلى أنه يقدم نفسه بوصفه معبراً عن شريحة واسعة من الشباب، وعن المعارضة غير المنخرطة في الأطر التقليدية، وهو ما يمنح موقفه بعداً سياسياً يتجاوز عدد مكوناته.
وخلال مؤتمر صحافي في نواكشوط، أعلن الرئيس الدوري للتحالف يعقوب ولد لمرابط مقاطعة الحوار، معتبراً أن الظرف السياسي الحالي «غير ملائم»، وأن ما تبقى من عمر مأمورية الرئيس الغزواني الحالية «لا يكفي لتنظيم حوار وطني جاد وشامل» يمكن أن يفضي إلى إصلاحات حقيقية.
وقدم ولد المرابط تبريرات لهذه المقاطعة أبرزها استحضار تجارب الحوار السابقة مع النظام الحالي خلال المأمورية السابقة، قائلاً إن أول محاولة للحوار جرت سنة 2019 وتوقفت بقرار أحادي مفاجئ من طرف السلطة، بينما لم تلتزم الحكومة – بحسب قوله – بتنفيذ مخرجات الحوار الذي أشرفت عليه وزارة الداخلية لاحقاً، معتبراً أن ذلك أفقد المعارضة الثقة في أي التزامات مستقبلية. وأكد ولد المرابط «أن التحالف لا يعارض مبدأ الحوار، بل يتمسك به باعتباره الوسيلة الطبيعية لمعالجة الأزمات الوطنية، لكنه يشترط أن يكون حواراً «جاداً وموضوعياً وشاملاً»، وأن تتوفر له ضمانات سياسية وقانونية تكفل تنفيذ مخرجاته، رافضاً ما وصفه بـ «الحوار الأحادي» في ظل استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأضاف أن غياب الضمانات، إلى جانب ما اعتبره تضييقاً على الحريات، يجعل المشاركة في الحوار بصيغته الحالية قضية فاقدة للجدوى.
كما وسّع نواب التحالف دائرة الانتقادات، حيث اعتبر النائب خالد ديالو أن السلطة لم تنفذ تعهدات سياسية سابقة، مشيراً إلى استمرار ملفات يعتبرها التحالف دليلاً على غياب المناخ الملائم للحوار، من بينها أزمة الوثائق المدنية، والنزاعات العقارية، وبعض القضايا المتعلقة بالحريات والعمل البرلماني.
وعلى المستوى السياسي، يمثل هذا الإعلان أول مقاطعة رسمية للحوار بعد توقيع الوثيقة المرجعية، وهو ما يمنح القرار أهمية خاصة، ليس بسبب الوزن الانتخابي للتحالف، وإنما بسبب موقعه داخل المشهد المعارض.
فالتحالف الذي يضم أحزاب العمران والتغيير الجاد وتجديد الحركة الديمقراطية (تحدي)، إضافة إلى حركة كفانا وعدد من النواب المستقلين المتشددين في معارضتهم لنظام الرئيس الغزواني، نجح خلال الأسابيع الماضية في استقطاب اهتمام فئات شبابية وشخصيات سياسية غير منضوية في الأقطاب التقليدية، مقدماً نفسه باعتباره صوتاً للمعارضة التي ترى أن الاصطفافات القائمة لم تعد تعبر عن المزاج الشعبي.
ويرى مراقبون أن أهمية موقفه تكمن في أنه يعكس اتجاهاً داخل المعارضة يفضل التشكيك في جدوى الحوار قبل انطلاقه، بسبب التجارب السابقة، أكثر من اعتراضه على مبدأ الحوار ذاته.
ويعيد قرار المقاطعة الذي تبناه تحالف قوى الإنقاذ، رسم خريطة المعارضة تجاه الحوار الوطني؛ ففي مقابل الأقطاب السياسية الكبرى التي اختارت التوقيع على الوثيقة المرجعية والدخول في المسار التفاوضي، فضّل تحالف قوى الإنقاذ البقاء خارج العملية منذ بدايتها، في محاولة لإبراز نفسه كتيار معارض أكثر تشدداً تجاه السلطة.
ويمنح هذا التباين السلطة فرصة لإطلاق الحوار بمشاركة القوى السياسية الرئيسية، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام تحدي توسيع قاعدة المشاركين، لأن نجاح أي حوار وطني لا يقاس فقط بعدد الحاضرين، بل أيضاً بقدرته على استقطاب القوى المتحفظة وإقناعها بالمشاركة.
وفي سياق الجدل الدائر حول الحوار، دعا المحامي البارز والسياسي السالك أباه إلى حماية المسار الحواري مما وصفه بـ «الاختراق الأيديولوجي»، معتبراً أن نجاح الحوار يتطلب الحفاظ على مرجعية الدولة وثوابتها الوطنية، محذراً من أن تتحول منابر الحوار إلى ساحة لتصفية الحسابات الفكرية أو إعادة إنتاج الاستقطاب السياسي.
كما استشهد بتجارب إفريقية، من بينها مالي والسودان وإفريقيا الوسطى، معتبراً أن الحوارات الوطنية التي غابت عنها الضمانات أو تحولت إلى أدوات للصراع السياسي انتهت إلى تعميق الأزمات بدلاً من حلها.
اختبار مبكر للمسار
ورغم أن مقاطعة تحالف قوى الإنقاذ لن تمنع عملياً انطلاق الحوار الوطني، فإنها تكشف أن أزمة الثقة ما تزال أحد أكبر التحديات أمام هذا المسار؛ فالحوار الذي نجح حتى الآن في جمع أغلبية الطيف السياسي حول وثيقة مرجعية مشتركة، سيظل مطالباً بإقناع المترددين والمقاطعين بأن نتائجه ستكون مختلفة عن التجارب السابقة، وأن مخرجاته لن تبقى مجرد وثائق سياسية بلا تنفيذ.
ومن هنا، فإن أول نجاح للحوار لن يكون في عقد جلساته، وإنما في قدرته على إنتاج ضمانات عملية تعيد بناء الثقة بين السلطة والمعارضة، وتحوّل التوافقات السياسية إلى التزامات قابلة للتطبيق، بما يمنح الحوار فرصة حقيقية لأن يكون محطة لإدارة الخلاف الوطني، لا مجرد حلقة جديدة في سلسلة الحوارات التي تنتهي بانتهاء جلساتها.