القاهرة ــ «القدس العربي»: منذ أيام لم تهدأ الصفحات الثقافية في الصحف المصرية، ولا حسابات المثقفين على افيسبوك تعليقاً على ما حدث في قضية سرقة وزيرة الثقافة السابقة ـ أقيلت أو استقالت لا يهم ـ لكتاب من مؤلفة أخرى، جرّاء حكم قضائي بات من محكمة النقض المصرية التي أدانت الوزيرة السابقة. في هذا التحقيق بعض من آراء المثقفين المصريين عن القضية، مع العلم أن موضوع السرقة هذا والكتابة من الباطن لصالح آخر هو أمر مستشر في الوسط الثقافي المصري، خاصة وسط عالم الشللية وأصحاب المصالح من أصحاب رؤوس الأموال والجوائز ودور النشر..
وقائع القضية
بدأت وقائع القضية في عام 2024 وقت صدور كتاب الوزيرة السابقة جيهان زكي، وقبل توليها وزارة الثقافة المصرية، وكانت عضو مجلس النواب، وهو كتابها «كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، حيث وجدت الكاتبة الصحافية سهير عبد الحميد، أنه جاء نقلاً عن كتابها «سيدة القصر.. إغتيال قوت القلوب الدمرداشية»، الصادر عن دار ريشة للنشر عام 2022، من دون ذكر أنه استند إليه كمصدر من مصادر البحث العلمي المعهود. فقررت عبد الحميد اللجوء إلى القضاء، مُتهمة زكي بأنها نقلت أجزاءً كاملة من كتابها. هذا النقل الحرفي هو ما أكدته اللجنة التي شكّلتها المحكمة، وأثبتت بذلك وقوع اعتداء على حقوق الملكية الفكرية للمؤلفة الأصلية، وقضت المحكمة بإعدام كتاب جيهان زكي، وإلزامها بدفع 100 ألف جنيه تعويضا لصالح المدعية، بالإضافة إلى سحب الكتاب محل النزاع من الأسواق، وعدم إتاحته للبيع أو التداول. الحكم نفسه أيدته محكمة النقض المصرية، وهو حكم نهائي بات. وعليه قدّمت جيهان زكي استقالتها، مُعللة ذلك بأنها تحترم أحكام القضاء المصري، وأنها تقدمت باستقالتها لترفع الحرج عن الحكومة في هذه القضية الشخصية.
ولكن.. هل توقف الأمر عند ذلك؟ الإجابة لا، بل ظهر اسم الكاتب الصحافي سيد محمود، الذي كتب مقدمة الكتاب، ومدير ندوته في معرض الكتاب وقتها، حيث قال عن الكتاب في مقدمته.. «كتبت المؤلفة كتابها بالحماس الذي اعتدته منها، أنا وغيري ممن راقبوا الطريقة التى تعمل فيها، فقد وصفتها في مناسبة سابقة بذات الهمة، وهي كذلك بالفعل، لا تكف عن الحركة أو التفكير أو العمل لتأكيد حقيقة واضحة، هي أن المرأة تستطيع بالمثابرة والعطاء أن تميز نفسها في مجال العمل العام من موقع الندية والقيادة». وهو كلام مرسل لا معنى له ولا محل له من الإعراب، ليتضح أن كاتب المقدمة، لم يكتف بالمقدمة، ولم يقتصر دوره على كونه مجرد محرر للكتاب، بل حسبما تم تداوله هو الذي دبّج كتاب الوزيرة السابقة، ناقلاً عن كتاب سهير عبد الحميد، وقد ورّط الأولى في كتاب لم تكتب منه حرفاً.
سيد خالد عبد الناصر محمود

وبعد الكثير من الجدل وتداول اسم سيد محمود، ردّ محمود على ما حدث في مقال في جريدة «الشروق» المصرية بتاريخ 11 يوليو/تموز 2026، وجاء الرد تحت عنوان (الآن أتكلم.. عن دوري المعلوم في كتاب كوكو شانيل وقوت القلوب)، ليقول.. «وبعد أن انتهت الدكتورة جيهان من كتابة الكتاب، طلبت مني كتابة مقدمة له قبل أن تدفع به للطبع، وهو إجراء معتاد، إذ قمت من قبل بكتابة مقدمات لمؤلفات أخرى، وتركزت المقدمة التي تصدّرها اسمي على فكرة التاريخ المقارن، ومدى قابلية المقارنة بين شخصية تنتمي إلى الثقافة الغربية وأخرى تنتمي إلى الثقافة الشرقية، فضلاً عن طريقة معالجة الفكرة… بطبيعة الحال، انتبهت إلى ذكر اسم الأستاذة سهير عبد الحميد في أكثر من موضع، كما ورد اسم كتابها أكثر من مرة داخل المتن الرئيس، وتصدر قائمة المراجع التي جاءت في خاتمة الكتاب، وبالتالي لم تكن لديّ شكوك في نسب النص لمؤلفته، ولم تكن مهمتي تقتضي البحث في مدى مطابقة المحتوى، أو مقارنة نسب الاقتباس، أو كشف عدد الفقرات التي ضمنتها الدكتورة جيهان في كتابها، خاصة أنني لم أطلع على كتاب الأستاذة سهير».
ويهدد محمود كل مَن يقترب منه قائلاً.. «أكتب هذا التعليق لأعلن صراحة أنني سوف أقاضي كل مَن يذكر اسمي بغير دليل يعزز اتهامه، سواء على مواقع التواصل أو المواقع الإلكترونية حفاظاً على سمعتي وحماية لسمعة أفراد عائلتي، كما أعلن أنني سوف ألجأ إلى نقابة الصحافيين للحصول على إذن خصومة إذا صدرت هذه الإساءة من أي زميل ينتسب إليها».
لم يكتف (أبو السّيد) حسبما يناديه أصحابه وأحبابه من الشلة المعهودة بأن يصدّر ردّه بـ(الآن أتكلم) وهو عنوان كتاب لعضو مجلس قيادة الثورة ورئيس حزب التجمع الراحل خالد محيي الدين)، بل يتمادى في بوست لاحق على المقال قائلاً.. «بالنسبة لي انتهى تماماً حوار كتاب كوكو شانيل وقوت القلوب، أتمنى التوفيق لطرفي المعركة، أما أنا فأعود إلى صفوف الجماهير مواصلاً عملي»، وهي مقولة جمال عبد الناصر بعد نكسة يونيو/حزيران 1967، فهذا الصلف لم يغن عن فضح صاحبه على الاعتراف الضمني بأنها هزيمة. هذا الصلف لم يُغادر صاحبه حتى عند الرد على تعليقات أصحابه بأنه تأخر في الرد مثلاً، فكان ردّه بأن هذا شأن يخصه وحده، ولا شأن لأحد بالتوقيت!
تعليقات وشهادات
بعد حكم محكمة النقض واستقالة الوزيرة، وردّ سيد محمود، توالت التعليقات والتحليلات، منها على فيسبوك والصحف الإلكترونية، والردود الخاصة بـ»القدس العربي»، ونحاول هنا الاختيار بينها وتلخيصها قدر الإمكان.
إمكانات سيد محمود
بداية يردّ الروائي أشرف الخمايسي من واقع مقالة سيد محمود، التي يدافع فيها عن نفسه، فيقول.. «مقالة الأستاذ سيد محمود، الصحافي في الأهرام، تعكس حجم المشكلة التي وصل إليها مجتمعنا الثقافي المصري. وقد كتب مقالته توضيحاً لدوره في أزمة كتاب وزيرة الثقافة، تحت ضغط اتهامه بأنه «كاتب الظل» الذي مدّ يد التأليف لكتاب الوزيرة مقابل 500 يورو. أغرب ما في في مقالة الأستاذ سيد محمود تصريحه بأن الوزيرة طلبت منه كتابة مقدمة كتابها. لم يقرأ الأستاذ سيد محمود ــ حسبما جاء في مقالته المنشورة في «الشروق» ــ مخطوطة الكتاب الذي كتب مقدمته، أو بتعبير أدق: ربما قرأ مقتطفات منه هنا وهناك على سبيل الاسترشاد بها في كتابة مقدمته بشكل يمنحها المصداقية المطلوبة، والإيحاء بأن كاتب المقدمة قرأ الكتاب فعلا… لكنها مصداقية زائفة، نتج عنها مقدمة زائفة، ومن ثم حصلت مشكلة كبيرة، ظهر في السوق كتاب هجين لقيط، اتهام الوزيرة بالسرقة، القضاء أكد الاتهام، أزمة حكومة، استقالة، ورسم صورة أسوأ ما تكون للواقع الثقافي المصري المعاصر». ويُضيف الخمايسي.. «لو كان الأستاذ سيد محمود قرأ المخطوطة كاملة، لاكتشف أن ما تم نقله من الكتاب المنبع، وأضيف إلى الكتاب المنسوب للوزيرة، يضع الناقل في محل اتهام قانوني بالسرقة، ولمنع الكارثة قبل أن تقع. من ناحية أخرى ساوى الأستاذ سيد محمود بين «المحرر» و»المراجع» و»كاتب الظل»، في حين بين كل واحد منهم والآخر بون شاسع واختلاف كبير، ما يجعلنا نشك في إمكانات الأستاذ سيد محمود الثقافية والأدبية، ونتساءل: كيف لرجل هذه وجهة نظره الخاطئة، التي حتماً هي نتيجة عقل يفكر بشكل خاطئ، أن يكون صحافياً في جريدة كبرى، وأن يصعَّد في المحافل الثقافية حتى يكون عضو لجان تحكيم في مسابقات أدبية كبرى، أو مؤثراً في أي شيء يستلزم مسؤولية وضميراً وفهماً عميقاً».
عناد المستبد
ويكتب الشاعر والمسرحي أحمد سراج تحت عنوان «الوزيرة المستقيلة والكتاب المسروق.. خطأ الشاطر أم عناد المستبد!»، المنشور على صفحته في فيسبوك، وكذلك في موقع القصة في 9/7/2026 قائلاً.. ما الذي جرى؟ لنأخذ رواية الكاتبة المسروقة؛ لأن الحكم عنوان الحقيقة؛ تقول: «دُعيت لحضور ندوة حول كتاب جيهان زكي ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في 27 يناير/كانون الثاني 2024. وأنها قارنت بين العملين فاكتشفت، وجود أجزاء وصفحات كاملة من كتابها، وعناوين فصول وفقرات، فضلا عن مادة أرشيفية جمعتها ببحث ميداني واستقصائي في ظل ندرة المراجع الموثقة عن الشخصية»، وهكذا خاضت الكاتبة معركتها الشريفة التي لم يخذلها فيها القضاء مرة واحدة، وإن خذلها زملاء مهنة وأصدقاء، وفي غمرة الخذلان تتكشف كارثة جديدة.. صحافي زميل هو من كتب للوزيرة الكتاب! وبعد الاستقالة خرجت الصحافية المنتصرة لتتحدث عن محرر الظل بقولها: «تبقى صفحة مظلمة في هذا الملف؛ صفحة كاتب الظل، الظل الثقيل الذي قام بدور اللص الحقيقي، الذي لم أستطع مقاضاته، لأنه لعب دوره من خلف ستار ليقبض ثمن فعلته مبلغاً مالياً مقدماً، وأطماعا دفينة في منصب معتبر، فشاء الله أن يحصل على الأولى ويحرم من الثانية بعد أن تفجرت الأزمة».
ويضيف سراج في ما يخص السيدة الوزيرة المستقيلة.. يذهب المعالجون النفسيون، إلى أن مراحل تقبّل الصدمة خمسة؛ الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب، القبول، وبدراسة الحالة التي أمامنا في ضوء قراءة التصريح المنسوب للمُدانة في «المصري اليوم» نطرح هذه الأسئلة: هل كان العناد هو سبب إخفاء السارق الأصلي؟ وهل وصلت إلى المرحلة الثالثة؟ ولماذا أخذت كل هذا الوقت لتجاوز مرحلة الإنكار والعناد؟ وهل ستصل إلى المرحلة الخامسة بمعدل أسرع؟ وهل لهرمون السلطة دور في طول فترة الإنكار؟ سيحسم الأمر أن يعترف الشاطر بغلطته ويقدم اللص الأصلي للمحكمة، أو أن يقبل المطرود من كرسي السلطة الأمر ويكتئب.
وماذا بعد؟
ونختتم بمشاركة الناقد الأدبي صبري ممدوح لـ»القدس العربي»، الذي يقول.. بعيداً عن قضية (الكاتب الشبح) التي أثيرت مؤخراً، وتبين أن صحافياً بعينه هو مَن كتب الكتاب للوزيرة السابقة جيهان زكي، أتحدث هنا عن معركة قضائية ثقافية شهدناها جميعاً، ووقفنا على تفاصيلها المعلنة وغير المعلنة. فماذا سيبقى منها؟ هذا هو السؤال الأجدر بالطرح. وأعتقد، وقد أكون مخطئاً، أن هذه المعركة لا تقل شأناً عن المعارك التي شهدها الوسط الثقافي في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وإن اختلفت مساراتها وتغيرت أساليبها. فهي معركة من أجل الأجيال القادمة من الكُتاب، لحفظ حقوقهم، ولأن لا أحد فوق القانون، ولأن احترام الكلمة يبقى واجبا مهما ضاقت بها السبل. فالحق والصواب هما الأبقى مهما اختلفت القوى المؤثرة وتداخلت مصالحها؛ ولأن التاريخ، بطبيعة الحال، يكتبه الأقوى، لكن إرادة الكاتب المثقف تظل هي البوصلة التي ترشده إلى الطريق السليم. ويضيف ممدوح.. وما أساءني، بعد صدور الحكم القضائي ضد الوزيرة، هو تبرير بعض الإعلاميين لموقفها. لكن، وللحق يقال، وقف نادي القضاة المصري وقفة مهمة من خلال بيانه التاريخي الرافض لتعقيب البعض على الأحكام القضائية النهائية، مؤكداً أن هيبة القضاء وحصانة أحكامه خط أحمر لا يجوز تجاوزه. وربما يكون أهم ما تبقى من هذه المعركة هو الدرس الذي ينبغي أن يعيه الوسط الثقافي بأسره، وهو قيمة الكاتب الحقيقية لا تقاس بما ينسب إليه من ألقاب أو مناصب، بل بما يخطّه قلمه بنفسه. وأن حماية حق الملكية الفكرية ليست ترفاً قانونيا، بل هي صون لكرامة الكلمة ذاتها، ولكل من يجاهد في سبيلها بصدق ونزاهة، بعيدًا عن سطوة النفوذ أو المنصب.
وفي الأخير.. يمكننا التساؤل أيضاً.. هل انتهت مثل هذه الشاكلة من الفساد الثقافي، والذي بدوره هو شكل من أشكال الفساد الذي يضرب المجتمع المصري ككل؟ أم أنها مجرد مقدمة للكشف عن المزيد من هذا الفساد في هذا الوسط الذي يُنادي أصحابه ليل نهار بالقيم والمبادئ وكل هذه الكلمات التي أصبحت مثل الشعارات الجوفاء التي ملّ الجميع منها ومن أصحابها؟