حصلت خلال الأيام القليلة الماضية بالمغرب ثلاث وقائع تَحَير المراقبون في تفسيرها: أولها، الانتقادات الشديدة التي وجهها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية لبعض مستشاري الملك دون أن يثير ذلك أدنى رد فعل من الديوان الملكي، سوى ما كان من اعتذار جزئي قدمه عبد الإله بن كيران على استعمال كلمة واحدة (قندوح)، مع تمسك بمجمل المضامين التي صرح بها. والثاني، وهي التعليمات الملكية بإنشاء لجنة مركزية للإشراف على الانتخابات رئاسة وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة وقادة الأحزاب السياسية، بعد أن كان الإشراف يتم عبر رئيس الحكومة من خلال كل من وزير الداخلية ووزير العدل دون إشراك قادة الأحزاب السياسية. والثالث، وهو إطلاق سراح الصحافي علي المرابط بعد الاستماع إلى إفاداته بخصوص ما نسب إليه من تهم، وإقراره بأن الفرقة الوطنية للشرطة تعاملت معه بطريقة مهنية موفرة له كل الشروط القانونية في الاستنطاق.
قد تبدو هذه الوقائع متباعدة، فالأولى والثانية، مرتبطتان بالاستحقاق الانتخابي، لكن الأولى تندرج ضمن ديناميات الأحزاب السياسية، والثانية تندرج ضمن ضمانات نزاهة الانتخابات، وبالأخص البنية المشرفة على الانتخابات. أما الواقعة الثالثة، فهي بعيدة عن الاستحقاق الانتخابي، وأقرب إلى الجانب الحقوقي، والرسالة التي يريد المغرب بثها خارجيا بهذا الخصوص.
لكن ما يبدو في الظاهر متباعدا، يشده في واقع الأمر خيط واحد، حتى ولو كان المجال مختلفا بين الواقعتين الأولى والثانية من جهة، والواقعة الثالثة من جهة أخرى.
في الواقعة الأولى، ليس ثمة إلا تفسيران اثنان، فعدم رد الديوان الملكي على تصريحات ابن كيران، لا تعني ضرورة أن تصريحاته مقبولة ولم تثر غضب الملك، أو على الأقل محيطه، فبلاغ الأمانة العامة للحزب، الذي أثنى على السلوك الاعتذاري لابن كيران، وفي الآن ذاته، دعمه في تمسكه بمضمون تصريحاته الأخرى، يتضمن مفردة تقول أشياء أخرى، فالحديث عن «تفاعل الحزب» في نص البلاغ، يطرح سؤال «من هي الجهة» التي وقع «التفاعل» معها، وهل يقصد الحزب مجرد التفاعل مع الانتقادات التي خرجت من داخل الحزب، أم من بعض مكونات الصف الديمقراطي، أم يقصد على وجه التحديد تفاعلا مع جهة ما داخل الدولة، لا يستبعد أن يكون الديوان الملكي نفسه أو بعض مستشاري الملك. ومهما يكن الأمر، فعدم رد الديوان الملكي، يعني كما سبق أحد أمرين: إما أنه اختار توجيه اللوم بشكل غير معلن، وبذلك تكون مفردة «التفاعل» تعني أن الاعتذار حصل نتيجة تجاوب الحزب معه، وإما أن التواصل لم يقع بالمطلق، ومن ثمة يطرح السؤال لماذا لم يصدر الديوان الملكي أي رد فعل مع أنه تصرف بشكل مختلف في أقل من التصريحات الحادة التي أطلقها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية.
في الواقعة الثانية، تساءل الكثيرون عن سبب إبعاد وزير العدل عن اللجنة المركزية، ودلالات إشراك قادة الأحزاب، فيما لم يطرح السؤال عن سبب غياب رئيس الحكومة، لأن العادة تفرض أن إشراف الحكومة يكون تفويضيا لوزير الداخلية الذي يمثل الدولة وجهازها الإداري أكثر مما يمثل الحكومة (مطلب الحياد)، وذلك حتى لا تتهم الحكومة بأنها تعد القوانين الانتخابية على مقاس أحزاب تحالفها الحكومي.
لا يختلف اثنان أن إبعاد وزير العدل مقصود، فهو الوزير الأقل مقبولية لدى الأحزاب، ولدى المجتمع، بل وحتى في محيطه المهني (هيئات المحامين)، وأن الدولة تريد بهذا الإبعاد شيئين، أولا ألا تجعل داخل اللجنة المركزية من لا يضمن تفجيره لأعمالها أو تشويشه على مسار العملية الانتخابية بتصريحاته «النزقية»، والثاني، أن تطمئن الأحزاب بشأن حيادية الانتخابات، بحكم أن وزير العدل ينتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة المتهم ابتداء بأنه حزب الدولة.
انفراج حقوقي في التعامل مع المعارضين، يزرع الثقة بشأن اندماج الصحراويين بعد عودتهم المرتقبة إلى وطنهم
في الواقعة الثالثة، تفسيرات كثيرة أثيرت في الموضوع، منها ما كتبه الصحافي الإسباني إغناسيو سمبريرو بشأن امتلاك الصحافي علي المرابط الجنسيتين الإسبانية والفرنسية على السواء جنبا إلى جنب مع الجنسية المغربية، وأن اعتقاله سيثير مشكلة دبلوماسية مع البلدين، وأنه لذلك السبب فوت المغرب بتصرفه الحكيم الفرصة على من كان اقترح على علي المرابط السفر إلى المغرب لافتعال هذه المشكلة المقصودة، خاصة وأن المغرب بصدد استقبال رئيس الوزراء الفرنسي، وبصدد إحداث نقلة نوعية في العلاقات المغربية الفرنسية بإمضاء شراكة ثقيلة وغير مسبوقة بين البلدين.
في تقديري، يصعب أن تفسر هذه الوقائع بشكل منفرد، لأنها تبقي في نهاية المطاف سؤالا مفتوحا لا جواب عنه، ففي الحالة الأولى، لا أحد يقدم جوابا عن سبب عدم رد الديوان الملكي على تصريحات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، وفي الواقعة الثانية، لا أحد يقدم الجواب لماذا تم إشراك قادة الأحزاب السياسية في اللجنة المركزية المشرفة على الانتخابات، وفي الواقعة الثالثة، لا أحد يقدم الجواب عن سبب عدم تقديم علي المرابط للمحاكمة، مع أن صكوك الاتهام موجهة إليه من قبل النيابة العامة، فالمشكلة الدبلوماسية تطرح فقط في اللحظة التي تكون فيها المحاكمة غير عادلة، فحين تكون التهم مستندة إلى وقائع في تقدير النيابة العامة، لا تؤثر المحاكمة في العلاقات الدبلوماسية إن كانت عادلة، فالنيابة العامة الفرنسية بدورها وجهت اتهاما للاعب المغربي أشرف حكيمي قبيل انطلاق كأس العالم، وفي أثناء التحضير للشراكة الاستراتيجية الثقيلة بين البلدين، دون أن يؤثر ذلك في العلاقة الدبلوماسية.
التفسير الممكن والذي لا يبقي أي سؤال مفتوح، يصعب تصوره دون تناول هذه الوقائع مجتمعة، وذلك بوصف التعامل معها كان بمنطق واحد ومقاربة واحدة، فالمغرب خلال هذه الفترة المحكومة بتسارع ديناميات التفاوض حول حسم قضية الصحراء وفق المقترح المغربي للحكم الذاتي، يريد أن يبعث برسائل طمأنة إلى الجميع، وأن ينأى بسلوكه عن أي تشويش يمكن أن يقدم ورقة لخصومه يمكن أن يوظفوها كحجة لإعاقة أو عرقلة تقدم المفاوضات. ولذلك، لم تتصرف الدولة بمنطق رد الفعل مع الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، لأنه كان بصدد إبداء رأي سياسي بخصوص نظام الحكم وموقع المستشارين فيه، وعلاقة السلطة بالثروة، وأقحمت الدولة الأحزاب السياسية في لجنة المركزية المكلفة بالإشراف على الانتخابات حتى تغير الصورة النمطية عن تحكم الدولة في الانتخابات، وتصرفت بشكل مهني مع الصحافي علي المرابط، كمؤشر قوي على انفراج حقوقي في التعامل مع المعارضين، يزرع الثقة بشأن اندماج الصحراويين بعد عودتهم المرتقبة إلى وطنهم، وأنهم سيتمتعون بكامل حقوق المواطنة، ولن ينظر إليهم باعتبار ماضيهم السياسي الانفصالي.
في الوقائع الثلاث، ربما تريد الدولة في المغرب أن تبعث برسالتها، بأنها تصرفت من موقع الصبر الاستراتيجي والحكمة والنظر للمستقبل، وليس من موقع الاستجابة للضغط، وأن تنازلها عما كان يمثل في السابق «حقوقا» لها، أو ممارسة اعتيادية، أو فرض سيادة، إنما تم بتقدير تحكمه المصلحة العليا للوطن.
كاتب وباحث مغربي