أعادتني مشاركة ليونيل ميسي في النسخة الحالية من بطولة كأس العالم 2026 وإحرازه عددا من الأهداف، وظهوره بمستوى مقبول قياسا إلى سنه الكروي المتقدم، إلى كتاب «بيليه أم مارادونا؟ الإجابة ميسي»، لسليمان المعمري، الذي يعلن فيه أن علاقته بكرة القدم بدأت وهو طفل، متسائلا: لماذا عنونه هكذا، مجيبا أن القارئ قد يقول إنه أحب أن يجمع في سطر واحد ثلاثا من أساطير كرة القدم، وقد يقرر قارئ خبيث، حسب وصفه، أنه متعصب لميسي بما أنه وضعه في خانة الإجابة، بينما يرد آخر بأن السؤال أهم من الإجابة، فهل سيفعلها ميسي ويفوز بالكأس مع فريقه الأرجنتين هذه المرة أيضا، مكافئا المعمري على حسن ظنه به الذي جعله في مصاف أسطورة الكرة العالمية بيليه والساحر الفذ مارادونا، رغم ما أثير في هذه النسخة من عدم استحقاق فريقه للصعود إلى الأدوار العليا على حساب منتخبات كاب فيردي ومصر وسويسرا؟ المعمري الذي لا يذكر متى بدأ حبه لكرة القدم، يتذكر مونديال 1986 في المكسيك، حين كان الطفلَ الباحث عن نفسه في صورة بطل قادر على صنع المستحيل بمفرده، وعلى إثارة إعجاب أمه وأبيه وتصفيق زملائه في المدرسة، ويومها وجد ضالته في مارادونا، الذي لم يكن مجرد لاعب يركل الكرة بقدميه، بل كان ساحرا يخطف الأنظار بترويضه للكرة وتلاعبه بالمنافسين ومراوغاته الذكية، حتى صار يحلم أن يصبح مارادونا آخر يثير الإعجاب بإبداعه، وراح يلعب الكرة في المدرسة وأمام بيتهم الكبير، مؤكدا أن مرحلة يفاعته يمكن أن تُختزل في كلمة واحدة هي «مارادونا» الذي يمثل لمراهق مثله أيقونة كبرى، ومثلا أعلى في الانتفاض كعنقاء وسط رماد الفقر، وتسلق سلم المجد بمهارة وخفة اعتمادا على موهبته الفذة فقط.
لحظات الفرح والحزن
الكاتب الذي يعتقد أن لحظات الفرح والحزن الحقيقية لا تُنسى، لأن جوهر إنسانيتنا يظهر فيها، وأن الفرح العارم والحزن الشديد يكشطان من داخل الإنسان زوائد الادعاء والافتعال، فيتصرف على سجيته، يشير إلى أن أول لحظة فرح كروية له كانت وهو ابن عشر سنين، حينما سجل غلام خميس هدفا لمنتخب عمان في مرمى الإمارات في كأس الخليج السابعة نسخة 1984، تلتها فرحة رفع مارادونا لكأس العالم عام 1986، واصفا هذا الفرح بأنه فرح الموهوب بنيل ما يستحق، معترفا بأن مهارة اللاعب هي التي تجذبه وتحفزه على تشجيع ناديه أو منتخبه، ذاكرا أنه قرأ كتبا كثيرة عن الساحرة المستديرة، لكن كتاب «كرة القدم في الشمس والظل» لإدوارد دو جاليانو هو الكتاب الأيقونة الذي لا يمل العودة إليه، بينما كتاب «كرة القدم: الحياة على الطريقة البرازيلية» للصحافي البريطاني إليكس بيلوس هو الكتاب الذي تبقى في ذاكرته منذ عام 2014. هنا يتوقف المعمري عند سؤال محمود درويش، الذي طرحه وهو يكتب عن مارادونا: لماذا لا تكون كرة القدم موضوعا للفن والأدب؟ ذاكرا أنه يرى أن المسألة ليست في إحجام الأدباء عن الكتابة عن هذا الموضوع، أو في إقدامهم عليها، فالعمل الأدبي هو انعكاس لانشغال الأديب بفكرة، أو هم ما، وحين ينشغل بكرة القدم فلا بد من أن يخرج عمل ما إلى النور، مثلما حدث مع التونسي شكري المبخوت في روايته «باغندا»، التي تتتبع سيرة لاعب كرة أسود كان ذا شعبية كبيرة في تونس، وهو ما حدث أيضا مع الجزائري رشيد بو جدرة في روايته «ضربة جزاء»، ذاكرا «مقعد رونالدو» القصة الجميلة للفلسطيني محمود شقير الذي استطاع من خلالها وبأسلوبه الساخر أن يسرد مكابدات الحياة اليومية الفلسطينية من خلال سائق تاكسي يحلم برؤية اللاعب البرازيلي الظاهرة رونالدو، مخصصا له المقعد الأمامي من سيارته، رافضا أن يجلس عليه أحد سواه.
الأدب الكروي
ما يعلنه المعمري هنا أنه لا يخشى على كرة القدم من اختفائها، أو الاستغناء عنها مستقبلا، لكنه يخشى عليها من تحولات الزمن، حيث بدأت فنّا خالصا لا يجيده إلا المهرة من اللاعبين، ثم تحولت إلى صناعة وفيها بعض الفن، مؤكدا أن أخشى ما يخشاه أن تصبح ذات يوم صناعة محضة بلا فن، وأن يصبح الجميع قادرين على أن يلعبوها، مشيرا إلى أن أبشع الجرائم التي تسببت فيها هي جريمة قتل اللاعب الكولومبي أندريس إسكوبار، الذي أودت بحياته ست رصاصات لأنه سجل هدفا في مرماه بطريق الخطأ في مباراة بلده مع الولايات المتحدة، ذاكرا أن أمبرتو إيكو الأديب والفيلسوف الإيطالي المعروف بهجومه على كرة القدم يرى أننا نبدد طاقات كبيرة بانشغالنا بمبارياتها، مع أنه يمكن توظيف هذه الطاقات في مناقشة مشكلات المجتمع، واصفا ما يحدث بأنه طريقة ماكرة لصرف الناس عن الحياة الاجتماعية والسياسية. كما يذكر أن غونتر غراس الألماني الحائز نوبل في الآداب، يروج لمونديال بلاده نسخة 2006 بطريقة مبتكرة، إذ قرأ مجموعة من قصائده في ملعب لكرة القدم، كما لو أنه في مباراة كروية مقسما أشعاره في الجلسة إلى جزأين قرأ كل منهما في 45 دقيقة، فاصلا بينهما باستراحة استمرت لخمس عشرة دقيقة، مشيرا إلى أن التركي أورهان باموق والروسيين يفنوشينكو وناباكوف وغيرهم كانوا من الأدباء الذين لعبوا كرة القدم وانعكست علاقتهم الوطيدة بها على أعمالهم الأدبية، وأن هناك ما يُعرف في الأرجنتين وبعض دول أمريكا اللاتينية بـ»الأدب الكروي» الذي تخصص فيه عدد من الأدباء، منهم الإسباني كاميلو خوسيه ثيلا أحد المغرمين بالكرة في أعماله السردية، وهو مؤلف إحدى عشرة قصة عن كرة القدم، بينما الإيطالي جيوفاني أربينو صاحب رواية «عطر امرأة» الشهيرة تدور أحداث روايته «الأزرق الداكن» حول مونديال 1974 في ألمانيا، مشيرا إلى أن بورخيس ورديارد كيبلنج وتوفيق الحكيم قد رشقوا لاعبي الكرة بنظرة دونية ملأى بالتعالي حتى أن الحكيم وصفهم بأنهم يفكرون بأقدامهم. وبعد أن يعلن أن شيخوخته بدأت يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 اليوم الذي رحل فيه مارادونا مرددا عبارة أنطوان تشيكوف التي تقول، إن أولى علامات الشيخوخة هي أن تتحول من إنسان يحلم إلى آخر يتذكر، وقبل أن ينهي كتابه بمقولة بيل شانكلي لاعب الكرة الإسكتلندي: يعتقد البعض أن كرة القدم هي مسألة حياة أو موت. يمكنني أن أؤكد لكم أن الأمر أخطر من ذلك بكثير، يقول سليمان المعمري متسائلا: ولأن كرة القدم تمتزج في هذا الزمن الذي يمر وتسكنه، كما يقول جان فيليب توسان، إلى درجة أنها تحمل لنا ونحن نشاهدها نوعا من الهناء الداخلي الذي ينسينا آلامنا ويبعد عنا التفكير في الموت، إنها تجعلنا ندخل عالما مثيرا للطمأنينة، أوليس هذا سببا كافيا لنحب كرة القدم ونتابعها بشغف؟
كاتب مصري