الجزائر ـ “القدس العربي”: أجرت السلطات الجزائرية تعديلات على صرف “منحة السفر” لمواطنيها، من خلال اعتماد آلية جديدة تقوم على شحن قيمة حق الصرف مباشرة في بطاقة دفع بنكية دولية، بدلا من تسليم المبلغ نقدا للمسافرين، في أحدث حلقة من سلسلة تعديلات مست هذا النظام منذ قرار رفع المنحة إلى 750 يورو سنة 2025.
ويأتي الإجراء الجديد في إطار تشديد الرقابة على استخدام العملة الصعبة، بعد إعلان السلطات تسجيل تجاوزات وعمليات تحايل أدت إلى نزيف في العملة الصعبة، وفق ما ورد في بيان مجلس الوزراء الأخير، وهو ما دفع حسب البيان الرئيس عبد المجيد تبون للتوجيه بدفع هذه المنحة عبر بطاقات بنكية وليس نقدا.
و”منحة السفر” وفق التسمية المعتمدة في الجزائر، هي في الأساس الحق القانوني لكل مواطن بالغ في شراء العملة الصعبة من البنوك بالسعر الرسمي للتداول مقابل الدينار الجزائري لغاية السفر خارج البلاد. وقد ظل هذا الحق لسنوات طويلة لا يتعدى 100 يورو في السنة، لكنه ارتفع بموجب قرار رئاسي سنة 2025 إلى 750 يورو، ما شجّع على رفع وتيرة شراء العملة الصعبة.
وفي التعليمة الأخيرة التي أصدرها أصدر بنك الجزائر (البنك المركزي) تنفيذا لقرار مجلس الوزراء، تم الإبقاء على قيمة المنحة السنوية عند 750 يورو للبالغين ابتداء من 19 سنة و300 يورو للقصر بين 12 و19 سنة في حدود طفلين لكل عائلة، لكن مع تغيير جذري في طريقة الاستفادة منها.
ويقضي النظام الجديد بمنح حق الصرف حصراً عبر بطاقة دفع دولية تصدر باسم المستفيد، سواء كانت بطاقة دفع دولية عادية أو بطاقة مخصصة لمنحة السفر، وترتبط بحساب بالعملة الصعبة وحساب آخر بالدينار لدى البنك. كما تصبح البطاقة الوسيلة الوحيدة لاستعمال المنحة في الخارج، بعدما كان المستفيد يحصل على المبلغ نقداً عند استكمال الإجراءات.
وتنص التعليمة على أن البطاقة شخصية وغير قابلة للتنازل، مع ضرورة إيداع طلب استخراجها قبل السفر بمدة كافية، وأن تكون صالحة لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات. كما تشترط تقديم وثيقة السفر ذهاباً وإياباً أو وصل ضريبة السفر البري، وجواز سفر ساري المفعول، وإثبات المداخيل، فيما يمكن للولي الشرعي شحن حسابات أبنائه القصر بعد تقديم الوثائق المطلوبة.
وأبقت التعليمة على القيود المتعلقة باستخدام المنحة، إذ تؤكد أن الأموال المشحونة لا تستعمل إلا في الخارج وللأغراض المرتبطة بالسفر، كما منعت تحويلها أو استخدامها لغير المستفيد، مع إلزام البنوك بالتأكد من أن صاحب الطلب لم يستفد من المنحة خلال السنة نفسها، والتحقق من السفر الفعلي في الرحلة السابقة.
ومن بين أبرز الأحكام الواردة أيضاً، إلزام المستفيد بإعادة كامل مبلغ المنحة إلى حسابه بالعملة الصعبة إذا ألغي السفر أو إذا كانت مدة الإقامة الفعلية خارج البلاد أقل من سبعة أيام، وذلك خلال خمسة أيام عمل من العودة، وإلا تعرض لعقوبة الحرمان من حق الصرف لمدة خمس سنوات، مع إمكانية المتابعة القضائية وفق التشريعات السارية.
ويعد هذا التعديل امتداداً لمسار بدأ منذ قرار مجلس الوزراء في كانون الأول/ديسمبر 2024 برفع المنحة السياحية من مستوياتها السابقة إلى 750 يورو للبالغين و300 يورو للقصر، وهو القرار الذي دخل حيز التنفيذ في تموز/جويلية 2025 بموجب التعليمة رقم 05-2025 الصادرة عن بنك الجزائر.
ومنذ بدء التطبيق، شهد النظام عدة مراجعات تنظيمية. ففي ديسمبر 2025، أصدر بنك الجزائر تعليمة جديدة شددت شروط الاستفادة، فألزمت طالبي المنحة بفتح حساب بنكي، ومنعت دفع المقابل بالدينار نقداً، واشترطت تسديده عبر وسائل دفع مصرفية، مع تعزيز إجراءات التحقق من هوية المستفيد وقدرته المالية، وذلك في إطار قواعد مكافحة إساءة استخدام المنحة. أما التعديل الجديد، فيمثل مرحلة إضافية من التشدد، إذ لم يعد التغيير يقتصر على طريقة دفع المقابل بالدينار داخل الجزائر، بل انتقل إلى طريقة صرف العملة الصعبة نفسها، عبر إلغاء التسليم النقدي للمستفيدين وتعويضه ببطاقة دفع دولية قابلة للتتبع.
ووفق السلطات، فإن هذا الإجراء يستهدف غلق الثغرات التي سمحت لبعض الوسطاء أو الوكالات باستغلال المنحة وتحويلها إلى وسيلة للمضاربة في سوق الصرف الموازية، بدلا من استخدامها لتغطية نفقات السفر.
ويرى الخبير الاقتصادي سليمان ناصر في تدوينة له، أن القرار يعكس اتجاهاً متوقعاً نحو تشديد الرقابة على منحة السفر، لكنه رجح أن يؤجل تطبيقه الفعلي إلى ما بعد موسم الاصطياف، باعتبار أن صدوره جاء في فترة الذروة بعد أن أتم كثير من المواطنين حجوزاتهم، وهو ما قد يفرض ترتيبات إضافية على البنوك والمسافرين.
كما توقع ناصر إمكانية اعتماد ترتيبات خاصة مع تونس، الوجهة الأكثر استقطاباً للمسافرين الجزائريين عبر الحدود البرية، سواء من خلال منح المنحة بالدينار التونسي باتفاق بين البلدين، أو إصدار بطاقة مصرفية مخصصة للاستعمال داخل تونس فقط، بما يقلل الحاجة إلى تداول العملات الصعبة نقداً ويحد من المضاربة.
ويأتي تشديد إجراءات منح حق الصرف في وقت يتزايد فيه الاهتمام بمستوى احتياطي النقد الأجنبي. فقد دعا صندوق النقد الدولي في ختام مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 الجزائر إلى تنفيذ “ضبط مالي كبير”، محذراً من اتساع عجز الحساب الجاري وتراجع الاحتياطيات الدولية نتيجة ارتفاع الواردات وتراجع صادرات المحروقات، معتبراً أن استمرار مستويات العجز الحالية قد يؤدي على المدى المتوسط إلى استنزاف الاحتياطيات تدريجياً.
وتواجه الجزائر منذ سنوات مشكلة ازدواجية سعر صرف العملات الأجنبية، إذ يوجد فارق كبير بين السعر الرسمي الذي تحدده البنوك والسعر المتداول في السوق الموازية، وهو ما وفر بيئة مواتية لاستغلال منحة السفر في عمليات المضاربة. فالمستفيد كان يحصل على مبلغ 750 يورو بالسعر الرسمي، ثم يعيد في بعض الحالات بيع العملة في السوق السوداء بسعر أعلى بكثير، محققاً ربحاً سريعاً دون أن تُستخدم المنحة فعلياً في تغطية نفقات السفر.
ويبلغ سعر صرف اليورو في القنوات الرسمية نحو 160 ديناراً، بينما يتداول في السوق الموازية عند حوالي 280 ديناراً، ما يعني أن فارق يبلغ 57 بالمائة. ويرى مختصون أن هذا الهامش الكبير خلق حافزاً اقتصادياً أدى إلى تسرب العملة الصعبة إلى السوق غير الرسمية، في وقت تعتمد الجزائر بشكل رئيسي على المحروقات في تغذية البنوك بالعملة الصعبة.