يُقدم مسلسل Succession أحد أكثر النماذج تطرفا في تحويل الأب إلى نظام كامل مغلق، في حين يقدم مسلسل «ممكن» للمخرج أمين درة معالجة أكثر نفسية وداخلية لفكرة الأب نفسه، ليس كسلطة مؤسسية بل كأثر ممتد في وعي الابن وتكوينه. المقارنة بين العالمين لا تقوم على التشابه السطحي في وجود علاقة أب وابن، بل على اختلاف طبيعة الوظيفة التي يؤديها الأب داخل البنية الدرامية، وكيف يتحول كل منهما إلى محور إنتاج للمعنى لا مجرد عنصر في الحبكة. في الحالة الأولى نحن أمام أب يُنتج العالم، وفي الحالة الثانية نحن أمام أب يُعاد إنتاجه داخل النفس، وهذا الفرق هو الذي يحدد طبيعة التجربة الجمالية والفكرية في كل عمل.
في Succession يظهر لوغان روي Brian Cox بريان كوكس وهو ككيان يتجاوز حدود الشخصية التقليدية، فهو ليس مجرد أب يملك شركة إعلامية ضخمة، بل هو مركز ثقل يفرض منطقه على كل ما حوله. حضوره لا يعتمد على كثرة ظهوره في المشاهد، بل على قدرته على تشكيل ردود أفعال الآخرين حتى في غيابه. الأبناء الأربعة لا يتحركون خارج حقله المغناطيسي، بل داخل شبكة من التوقعات والتهديدات والإرث غير المعلن. كيندال ورومان وشيف وكونور، لا يُقدَّمون كأفراد مستقلين، بل كامتدادات لفشل أو نجاح محتمل داخل منظومة الأب. فالسلطة ليست علاقة عائلية فقط، بل بنية اقتصادية وإعلامية وأخلاقية في الوقت نفسه، حيث تتداخل الشركة مع العائلة، وتتحول الحدود بين الخاص والعام إلى مناطق رمادية بالكامل. في هذا الإطار يصبح الأب هو القانون غير المكتوب، وهو أيضا الاستثناء الدائم على هذا القانون، ما يخلق توترا وجوديا لا يهدأ داخل كل شخصية.
في المقابل، عندما ننظر إلى شخصية والد زياد في مسلسل «ممكن» كما يجسدها الفنان جورج شلهوب، نجد أننا أمام نوع مختلف تماما من الحضور الأبوي. إذ لا يوجد نظام اقتصادي، أو إمبراطورية أو سلطة مؤسسية تُدار عبر العائلة، بل يوجد أثر نفسي كثيف يتسرب إلى شخصية الابن ويعيد تشكيل سلوكه وقراراته. الأب لا يفرض العالم الخارجي، بل يترك بصمته على العالم الداخلي. زياد لا يتحرك داخل صراع على إرث مادي أو مؤسسي، بل داخل محاولة مستمرة لفهم موقعه من هذا الأب، وكيف يمكنه أن يعيد تعريف ذاته خارج ظل هذا الحضور، لذلك فإن الأب في هذا النموذج لا يعمل كمحرك مباشر للأحداث، بل كمفسر خفي لها، وكطبقة تحتية من الدوافع النفسية التي لا تُقال صراحة لكنها تُشعر في كل لحظة. وإذا كان لوغان روي في Succession يمثل الأب بوصفه نظاما مغلقا للسلطة، فإن والد زياد وهو الفنان جورج شلهوب يمثل الأب بوصفه ذاكرة غير مستقرة داخل الذات. في النموذج الأول، العلاقة الأبوية هي علاقة صراع على السيطرة داخل نظام واضح المعالم، حيث يمكن قياس القوة والتأثير والهيمنة.
أما في النموذج الثاني، فإن العلاقة تتحول إلى مساحة رمادية لا يمكن قياسها بسهولة، لأنها تعمل داخل النفس وليس داخل المؤسسة. هذا التحول من الخارج إلى الداخل يغير طبيعة الدراما نفسها، إذ تصبح الأسئلة في Succession أسئلة من نوع من يملك السلطة ومن يخسرها، بينما في «ممكن» تصبح الأسئلة من نوع من أنا خارج تعريف هذا الأب لي. فكيندال روي يعيش داخل مأساة طموح لا يتحقق، لكنه في جوهره يعيش داخل محاولة مستحيلة للتحرر من تعريف أبيه له. كل محاولة صعود تتحول إلى إعادة إنتاج للفشل، لأن الأب ليس خصما يمكن تجاوزه، بل هو معيار النجاح نفسه، لذلك فإن سقوط كيندال ليس حدثا دراميا فقط، بل هو إعادة تأكيد على أن النظام الذي يحاول الخروج منه هو نفسه الذي يحدد معنى هذا الخروج. في المقابل، زياد في «ممكن» لا يواجه نظاما شاملا، بل يواجه أثرا داخليا يتشكل في صورة ذاكرة أو شعور أو ندبة نفسية. لذلك فإن صراعه لا يأخذ شكل المواجهة المباشرة، بل يأخذ شكل إعادة بناء الذات تدريجيا، ومحاولة فصل الحاضر عن الماضي، من دون القدرة الكاملة على تحقيق هذا الفصل.
الاختلاف بين النموذجين يظهر أيضا في طبيعة الزمن الدرامي في Succession الزمن دائري بشكل خانق، حيث تتكرر الصراعات نفسها بأشكال مختلفة، من دون خروج حقيقي من البنية الأساسية. كل حلقة تقريبا تعيد إنتاج سؤال السلطة داخل العائلة والشركة، وكأن الزمن يدور داخل حلقة مغلقة لا تسمح بالتطور الخطي. أما في «ممكن»، فإن الزمن يأخذ طابعا أكثر خطية وإن كان متقطعا، حيث تتحرك الشخصية نحو اكتشافات داخلية تدريجية، حتى لو لم تكن هذه الاكتشافات حاسمة أو نهائية. هذا الفرق يعكس طبيعة العلاقة بالأب أيضا، فهو في Succession نقطة جاذبية تمنع الحركة، بينما في «ممكن» هو نقطة بداية لحركة نفسية طويلة. لكن من زاوية اللغة الدرامية، يعتمد Succession على اقتصاد لغوي شديد الدقة، حيث تتحول الحوارات إلى أدوات قاسية لكشف السلطة والسخرية والتفكك الأخلاقي. كل جملة تحمل أكثر من طبقة من المعنى، وكل صمت يساوي مواجهة غير معلنة. هذا الأسلوب يعزز فكرة أن العالم كله لعبة سلطة لفظية واقتصادية في آن واحد. أما في «ممكن»، فإن اللغة تميل إلى التعبير العاطفي المباشر أكثر، مع ترك مساحة للانفعال والاعترافات النفسية والحوارات التي تهدف إلى كشف المشاعر أكثر من كشف بنية السلطة. هذا الاختلاف يعكس مرة أخرى طبيعة الأب في كل عمل، فالأب في Succession يُقاوَم عبر اللغة كأداة سلطة، بينما في «ممكن» يُستعاد عبر اللغة كأداة فهم.
من حيث البنية النفسية للشخصيات، يمكن القول إن Succession يقدم نموذجا لشخصيات مشوهة بفعل فائض السلطة، بينما يقدم «ممكن» نموذجا لشخصيات مشوشة بفعل نقص الحسم الداخلي. في الحالة الأولى، المشكلة هي وجود قوة مفرطة لا يمكن الهروب منها، وفي الحالة الثانية المشكلة هي غياب إطار واضح يسمح بتحديد الذات بشكل نهائي. لذلك فإن التوتر في Succession هو توتر خارجي يتجسد في صراع النفوذ، بينما التوتر في ممكن هو توتر داخلي يتجسد في تذبذب الهوية والعلاقات.
عند وضع الشخصيتين الأبويتين في صورة واحدة، يمكن تخيلهما كطرفي نقيض في فهم الدراما الحديثة للأب. لوغان روي يقف كجبل من السلطة لا يمكن تجاوزه إلا عبر الانهيار، بينما والد زياد يقف كظل طويل لا يمكن الإمساك به إلا عبر الفهم التدريجي. الأول يحاصر الأبناء داخل نظام مغلق، والثاني يترك الأبناء داخل سؤال مفتوح. الأول يخلق دراما عن السيطرة، والثاني يخلق دراما عن الفهم. وفي كلا الحالتين، الأب ليس شخصية ثانوية، بل هو البنية التي تُبنى حولها القصة بالكامل، حتى عندما يبدو غائبا أو غير مباشر.
لكن بعد هذه المقارنة البسيطة أردت أن يكشف قارئ مقالي، أن الدراما الحديثة لم تعد تهتم بالأب بوصفه سلطة فقط، بل بوصفه طريقة لفهم الذات والعالم. Succession يذهب إلى أقصى حدود هذا التصور عبر تحويل الأب إلى مركز كوني للسلطة، بينما «ممكن» يذهب إلى الاتجاه المقابل عبر تحويل الأب إلى أثر نفسي يتطلب إعادة تفسير مستمرة. وبين هذين النموذجين تتشكل صورتان مختلفتان تماما للإنسان داخل الدراما من إنسان يعيش داخل نظام يحاول الهروب منه، وإنسان يعيش داخل أثر يحاول فهمه، وفي كلا الحالتين يبقى الأب هو النقطة التي لا يمكن تجاوزها بسهولة، بل التي تُعاد كتابتها في كل لحظة درامية.
كاتبة لبنانية