بن كيران يعد بقنينة غاز مجانية لكل أسرة ويهاجم أخنوش


الرباط ـ «القدس العربي»: وصل الأمين العام لحزب «العدالة والتنمية» المعارض، عبد الإله بن كيران، إلى ختام جولته السياسية في إقليم مراكش أسفي، وخرج منها بحصيلة ثقيلة من الوعود التي أطلقها للمواطنين، وشملت كالعادة انتقادات حادة وجهها للحكومة ورئيسها عزيز أخنوش.
وكانت محطة قلعة السراغنة الفعالية الحزبية الختامية، التي كرر فيها انتقاداته، كما أطلق وعوداً حاول من خلالها اختصار وعود خصومه في حزب «التجمع الوطني للأحرار»، ولا سيما عند حديثه عن «المؤشر الرقمي» (نظام التقييم الرقمي) المعتمد لاستفادة الأسر الفقيرة من الدعم الاجتماعي المالي المباشر.
ومن خلال هذا الخطاب، يرى مراقبون أن ابن كيران أعاد رسم ملامح الصراع السياسي الذي ستشهده الانتخابات المقبلة المقررة في 23 أيلول/ سبتمبر المقبل، ونقل المواجهة إلى مرحلة متقدمة، ليس فقط عبر انتقاد الأداء الحكومي والأحزاب المشكلة للائتلاف خاصة حزب رئيس الحكومة، بل أيضاً من خلال إطلاق وعود وصفت بأنها تحد مباشر لما طرحه حزب «التجمع الوطني للأحرار»، خاصة في الشق الاجتماعي، وتحديداً مسألة الدعم المالي المباشر وقنينات الغاز المنزلي.
وبأسلوبه المعهود الذي ينهل من معين اللغة الدارجة اليومية، اختار ابن كيران التركيز على الملفات الاجتماعية الحارقة التي تشغل الشارع المغربي، وفي مقدمتها الغلاء، وأزمة أضاحي العيد، إضافة إلى «المؤشر الرقمي» (نظام التقييم الرقمي) المعتمد لفرز المستحقين للدعم المباشر.
وبعد أن وصف الآلية الحالية التي تعتمدها الحكومة لاستهداف الأسر عبر «المؤشر» بالتعجيزية والمجحفة، كونها تحرم عائلات وفقراء يستحقون المساعدة لمجرد تفاصيل بسيطة مثل امتلاك هاتف أو أسطوانة غاز إضافية، تعهد ابن كيران، في حال عودة حزبه لإدارة الشأن الحكومي، بإلغاء هذا المؤشر المعقد بالكامل وتعويضه بصيغ دعم أكثر إنصافاً ووضوحاً.
وفي هذا السياق، كشف عن خطة بديلة تقوم على إقرار «أسطوانة غاز واحدة مجانية شهرياً لكل أسرة مغربية» دون تمييز بين فقير وغني. وأوضح بالأرقام أن هذه الخطوة ستكلف ميزانية الدولة 6 مليارات درهم (نحو 600 مليون دولار أمريكي) فقط، بينما ستوفر على الخزينة العامة نحو 8 مليارات درهم (قرابة 800 مليون دولار) كانت تذهب لدعم جهات غير مستحقة كالشركات الكبرى والفنادق والمزارع الشاسعة والمقاهي التي تستهلك عشرات الأسطوانات أسبوعيًا بأموال الشعب، وفق تعبيره.
ولم يفت ابن كيران الضغط على الجرح حين عاد للحديث عن ملف «تضارب المصالح»، معتبرًا أن المغاربة باتوا يعون جيدًا هذا المفهوم بسبب الممارسات الحالية. وضرب مثالاً على ذلك بصفقة محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، منتقدًا كيف قامت شركة رئيس الحكومة بالتحالف مع شريك إسباني بالدخول في هذه المناقصة الضخمة والفوز بها، مستغلةً في الوقت نفسه رئاسته لـ «لجنة الاستثمار الوطنية» للمطالبة بدعم مالي إضافي من الدولة يقدر بـ 2 مليار و600 مليون درهم (ما يعادل 260 مليون دولار أمريكي).
وفي باب تشبيهاته الشعبية، قال ابن كيران إن الجمع بين صفتي رئيس الحكومة والمستثمر يشبه «المدرّس الذي يمنح الدرجات لنفسه»، وأشار في هذا الإطار إلى ما وصفها بـ «اليقظة البرلمانية» لنواب حزبه، مؤكداً أنها هي من فضحت هذا الملف وكشفت واقعة التضارب الصارخ في المصالح، مما دفع جهات عليا للتدخل وإجبار أخنوش على إعلان تراجعه في البرلمان عن أخذ تلك الملايين، محذرًا في الوقت نفسه من مغبة عدم إلغاء القرار الإداري رسميًا حتى الآن.
ولم يكتفِ ابن كيران بهذا القدر، بل واصل الهجوم على رئيس الحكومة من خلال خطاب مباشر، وجه فيه اتهامًا ثقيلاً قائلاً: «أنا أتّهم رئيس حكومتنا مباشرة بأنه يأخذ أموال الدولة بغير حق». وانتقل المتحدث إلى ما هو شخصي عندما وصف عزيز أخنوش بأنه يفتقد للملكات السياسية والتواصلية التي تؤهله لمخاطبة الجماهير في أوقات الأزمات، مستنكرًا غياب الحكومة وصمتها المطبق أمام القفزات القياسية لأسعار اللحوم الحمراء التي بلغت 130 و140 درهماً للكيلوغرام (نحو 13 إلى 14 دولاراً).
كما توقف عند «أزمة عيد الأضحى»، مفنّدًا الرواية الرسمية التي سوّقت لتوفير 40 مليون رأس من الماشية وأضاحٍ بـ 1000 درهم (100 دولار)، مؤكدًا كذب هذه الأرقام التي صدمت العائلات بأسواق فارغة وأسعار خيالية فاقت 4000 و5000 درهم (400 إلى 500 دولار)، على الرغم من صرف الحكومة لملايين الدراهم لدعم مستوردي الأغنام دون أن يظهر لها أثر على جيوب المواطنين. وبلغة تحمل نبرة التحذير والوعيد أيضاً، دعا رئيس الحكومة للاتّعاظ من التاريخ، مشيرًا إلى أن أموال «الريع» (الامتيازات غير المستحقة) لا تدوم، وأن مسؤولين كبارًا انتهى بهم المطاف في السجون والمحاكم بمجرد تغير الظروف السياسية.
ولم يغفل ابن كيران التطرق إلى موضوع «صندوق المقاصة» (صندوق دعم السلع الأساسية)، مدافعًا عن حصيلته السابقة خلال ترؤسه للحكومة، إذ شدد على أن قراره التاريخي برفع الدعم عن المحروقات (تحرير أسعار الوقود) أنقذ الميزانية المغربية من إفلاس محقق حين كان الصندوق يلتهم 57 مليار درهم (نحو 5.7 مليارات دولار)، معيبًا على الشركات الكبرى تواطؤها اللاحق لمضاعفة أرباحها على حساب المواطن بعد مغادرته السلطة. كما دافع عن إصلاح صناديق التقاعد عبر زيادة سنوات العمل، معتبرًا إياه خطوة جريئة حالت دون عجز الدولة عن دفع معاشات 400 ألف متقاعد بحلول عام 2023، منتقدًا ترحيل الحكومة الحالية لباقي مراحل الإصلاح إلى غاية عام 2031. واختتم ابن كيران خطابه في قلعة السراغنة، بالتأكيد على أن حزبه لا يبيع الأوهام، مجددًا دعوته للكتلة الناخبة للمشاركة المكثفة في الاستحقاقات المقبلة لقطع الطريق أمام «المال السياسي» و»سماسرة الانتخابات»، واصفاً شراء الأصوات بـ «الجريمة المنظمة» التي ترهن مستقبل الوطن والأجيال الصاعدة لصالح فئة من المنتفعين.
وإذا كان الهجوم على عزيز أخنوش والذي اتخذ طابعًا شخصيًا في بعض المواضع يثير حفيظة أنصار الحزب «التجمع الوطني للأحرار»، فإن الجدل ما زال يلاحق ابن كيران بعد تصريحاته الأخيرة في مدينة الصويرة، والتي تضمنت ذكرًا لمستشاري العاهل المغربي محمد السادس.
فخلال ذلك اللقاء، استخدم الأمين العام لحزب «العدالة والتنمية» لغة حادة وعبارات غير مألوفة لإثارة النقاش السياسي، مشدداً على رفضه التام لقيام أي فاعل أو مسؤول سياسي بالتواري خلف المؤسسة الملكية، أو استخدام اسم الملك لتصفية حسابات أو ممارسة النفوذ، مؤكداً أن «المغاربة يؤمنون بملك واحد هو محمد السادس»، وأن على السياسيين تحمّل مسؤولية مواقفهم بأسمائهم الشخصية.
ولم يتردد ابن كيران، عند حديثه عن النفوذ ومحيط القرار، في ذكر مستشاري العاهل المغربي، فؤاد عالي الهمة وأندري أزولاي بالاسم، قبل أن يضيف وسط ضحك الحاضرين عبارته الساخرة: «أو شي قندوح آخر» (عبارة تهكمية بالعامية المغربية تعني أي شخص آخر)، مما أثار تفاعلات وتأويلات متباينة على منصات التواصل الاجتماعي، إذ اعتبرها خصومه السياسيون إساءة وتجاوزًا غير مقبول، بينما رأى فيها أنصاره أسلوباً عفوياً لنقد النفوذ والتحكم.
وتنوعت ردود الأفعال حول هذه التصريحات بين من رآها خروجًا واضحًا عن الأعراف السياسية واستجداء للأضواء عبر الزج برموز المحيط الملكي في التجاذبات الحزبية مع اقتراب الانتخابات، وبين مَن اعتبرها امتدادًا لخطابه المألوف الذي يفصل فيه دائماً بين الولاء المطلق للملك، وبين انتقاد نفوذ الشخصيات المحيطة به.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *