هذا جزء أوّل من محاضرة قدّمتها يوم 29 يونيو/ حزيران الجاري لطلبة الدكتوراه في المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس حول « اللسانيات قيدا منهجيا في الآداب».
من الأفكار التي يروجها اللسانيون افتخارا واعتزازا بأنّ اللسانيات، وهي في أبسط تعريفاتها دراسة اللغة دراسة علمية، علم رائد. وتعني الريادة العلمية أنّ هذا التخصّص الذي لم يَرَ النور، إلا من قرن يزيد عقدين ونيف تقريبا، يقود بقية العلوم الإنسانية قيادة تمكنها من أن تجدّد مناهج قراءتها وتثريها بالفرضيّات والنظريات اللسانية حول النصّ والجملة والوحدات الدلالية الدنيا، التي تؤلفهما وتضخّ في تأويلاتها نفسا من مقولاتها العامة، أو التي يختص بها مذهب لساني دون آخر. وأبانت اللسانيات عن انفتاح ودافعية في أشكال التعامل مع العلوم الأخرى لم تعد بفضلها أداة، كما كانت عصر فقه اللغة القديم، بل أضحت شريكا مستفيدا من العلوم ومفيدا لها. وبما أنّ اللسانيّات باتت علما، فإنّها اعتمدت كبقية العلوم الوضعية والتجريبية ملاحظة الظاهرة المدروسة وصياغة فرضيات لشرحها وجمع عينات تؤيد تلكم الفرضيات أو تفندها. غير أنّ علمية اللسانيات ورياديتها ليستا أمرا متفقا عليه بين اللسانيين، فمنهم من يؤيّد علميتها بالحجج التي ذكرنا وغيرها، ومنهم من يعتقد أنّ في علميّتها طبقات تتردد بين الضعف والقوّة.
في مقال مهم في هذا السياق عنوانه «اللسانيات والمنهج العلمي»Linguistics and the scientific method، يعتبر دافيد أديغتون David Eddington أستاذ اللسانيات في جامعة بريغهام يونغ، أنّ المباحث اللسانية لا يمكن أن تكون علميّة في كليتها: فإن كانت المباحث الصوتية قابلة للملاحظة المخبريّة وذلك بضبط مدى الصوت وذبذباته ومنحنياته وغيرها من المعطيات السماعية والنطقية، فإنّ مباحث أخرى في اللسانيات تبدو كالميتافيزيقا عند الفلاسفة، ولاسيما تلك التحليلات التي تريد أن تغوص في أغوار الأبنية اللغوية متجاوزة سطحها الإنجازي، إلى البحث عن صور رمزية لها فتكون ذات منحى ميتافيزيقيّ لأنّها تنطلق من عينات منجزة لتصل إلى خطاطات صورية: هذا ما تمثله مقولات النحو التوليدي وقواعده ومبادئه. وفي هذا الإطار يطرح سؤال عن واقعية الأشكال والخطاطات النظرية التي يتحدث عنها علماء التصريف العرب، أو المرفولوجيا في اللغات الأجنبية: هل نتكلم في العربية حقا ونحن نضمر الأوزان والصيغ التي حدّثنا عنها النحاة؟ وفي اللسانيات العرفانية القديمة مع شمسكي والمتطورة عنها مع تلامذته، فإنّ أقصى ما يقدم هو ادعاءات معقولة نفسيا»، على حدّ عبارة لايكوف، لأنّها تسند إلى حدوس الباحثين عن تمثلات المتكلمين وطرق إدراك السامعين لها.
وعلى الرغم من هذا التنازع المفيد في التفكير في علمية العلم والتنبيه إلى ما يمكن أن يعرقل سيره في مسار العلمية الجاد، فإنّه من المفيد للباحث اليوم في الآداب (ونعني بها الدراسات الأدبية والحضارية والثقافية معا بما أنها جزء من الدراسات اللغوية للعربية ولغيرها من اللغات في الجامعة) أن يستعين بما قدمته اللسانيات من نظريات وما احتكمت إليه من مناهج، سواء وهي تختبر موادها المدروسة أم عند تحليل مدوناتها وتقييم فرضياتها.
عادة ما تكون عناوين بحوث الباحثين في السياق الأكاديمي، واقعة تحت ضغوط ثلاثة: أوّلا ضغط العادة الدراسية التي تكرر مناهج غير متطورة ولا مراعية لتطور الشواغل الإنسانية والعلمية؛ وثانيا ضغط البحث عن مخالفة السائد وهو جيّد غير أنّه لا يتسلح بالمعرفة الصحيحة والمتينة ولا بالعقل المناقش اللازم لهذا الاتجاه؛ وثالثا وأخيرا تطبيق نظرية، أو جملة من النظريات على مدونة معينة من مدونات الأدب أو الحضارة، من دون استعداد لتمثل النظريات الجديدة ولا معرفة بكيفيات الأخذ منها وتطبيقها.
تشكو بحوثنا الجامعية في الآداب، من افتقار معرفي ومنهجي في بناء الفرضيات المتينة: فأغلب ما يبنى في مباحثنا اعتقادات أو تقديرات غير مؤسسة علميّا جاء بها الباحثون إلى الجامعة من سلوكاتهم العلمية، التي تلقّوها في التعليمين الإعدادي والثانوي، ولم يتخلصوا منها في الجامعة. فالتلميذ يتعلم في تلك المؤسسات التعليمية الوسطى شرح النصوص الأدبية، أو الحضارية في إطار أهداف أدبية، أو فكرية محدودة كأن يستخرج في الأولى الأساليب الفنية، وأن يناقش بعض الظواهر الثقافية مناقشة لا تنجح المدرسة غالبا في تهذيبها وتنقيتها من الانفعالية والأيديولوجيا. ويظل طالب الجامعة يدور في الغالب في هذا الفلك الابتدائي من البحث مع بعض التعمق الذي يتطلبه الاختصاص، من دون أن يتعلم بناء أفكاره على الفرضيات.
الفرضيات هي قضايا تستشرف افتراضيا تفسيرا، أو تجيب على إشكال أو تشرح ظاهرة تنتظر البتّ أو التفنيد، ولكنّها تكون مؤسّسة على معرفة دقيقة في الحقل الذي يشتغل فيه الباحث. والفرضية تقدّم أقوالا مسبقة قابلة للمراجعة حول رسم الحدود، وضبط العلاقات بين فرع من فروع تلك المعرفة. فعلى سبيل المثال، فإنّ الاشتغال على فرضية أنّ الإيقاع في الشعر هو شكل – معنى، وليس شكلا خطاطيا تسكب فيه المعاني، هي فرضية ينبغي أن تتسلح بكثير من المعطيات في علاقة الشكل بالمعنى، وتفهم بدقة كيف أنّ الشكل يصنع معنى وأنّ المعنى يصنع شكلا، وكيف أن التقابل بين الشكل والمعنى في المنظور الفلسفي، أو البلاغي القديم لا يستوعب الاسترسال بينهما وأنّ زوج شكل – معنى ومعنى- شكل، هما مصراعان لعمليتي التّدلال (قابلية أن يكون للدال أو للعلامة عموما دلالة وأن يكون لتلك الدلالة رجع صدى وحياة وتجدد) والدلالة (أن يكون لكلمة أو لرسالة معنى متواضع عليه أو حرفي). وعلى من يطرح هذه الفرضية أن يكون عارفا بفكرة شكل – معنى في دراسات ميشونيك Meschonnic التي أفضت في النهاية إلى القول بمثلث إيقاع ـ معنى ـ فاعل (انظر للتوسعة مقال WACŁAW RAPAK بعنوان FORME-SENS ET/OU SENS-FORME ).
ومن الممكن لفرضيات البحث الجامعي أن ترتكز على فكرة موجودة لتوضيحها اعتمادا على تجرية ثقافية مخصوصة، كي تثبتها أو تنفيها من ذلك فرضية أوغست كونت، الذي يطرح أن التفكير اللاهوتي (الثيولوجي) هو المرحلة الأولى من مراحل تطور الفكر الإنساني، وليس مجرد مرحلة في التفكير في الأديان. وينبغي أن يكون الدارس عارفا بالإطار الفكري الفلسفي، الذي طرح فيها كونت هذه الفرضية، نعني قانون المراحل الثلاث في تطور الفكر الإنساني (المرحلة اللاهوتية، الميتافيزيقية، الوضعية أو العلمية) وقادرا من خلال النصوص الدينية، إن كانت الفرضية تعتمدها، أن يدرس عناصر التطور وجودا أو غيابا، وهل يمكن للنص الديني أن يكون شاهدا يثبت أطروحة فلسفية أو ينفيها. وهذا إشكال يتطلب معرفة واسعة باختصاص فلسفة الأديان، أو بالتقاطع بين الديني والفلسفي من وجهتي نظر الفريقين الفلاسفة واللاهوتيين.
لا تبنى الفرضيات في الآداب، ولا في العلوم من فراغ، بل ينبغي أن تتوفر للطالب معطيات علمية دقيقة حول حقل من البحث الذي يتجول فيه دارسا، ثمّ باحثا لكنّ هذا الحقل يشكو اليوم من فراغات مخلة هي التي لا تجعله قادرا على بناء فرضيات دقيقة تتقدم بالبحث العلمي التقدم المطلوب؛ فأغلب البرامج التعليمية اليوم لا ترتكز على تعليم الفكر، بل على حفظ الموادّ في ذاكرة المتعلم، وهي ذاكرة ليست حافظة لديه، بل تستعمل المعطيات حتى تمتحن ثم تتناساها. تعليم التفكير في اللغة والأدب والحضارة، وهذا الذي يعنينا، هو تفكير خارج المقررات والبرامج، لأنّه يدفع التلميذ كي يقول، وفي مراحل نموّه ما يراه ويقول العلم ما لديه ليعيد توجيهه. فعلى سبيل المثال وفي دراسة الأدب لا يعرف التلميذ الذي يقف يوميا في طابور المدارس معنى كثير من كلمات النشيد الرسمي لبلاده، وتدور في خلده أسئلة لا تأبه بها المؤسسة التي تترك مشاغله البسيطة إلى الحديث عن الفاعل ومفعوله، أو عن الصور الشعرية في القصائد الجاهلية. ثمّ إنّ البعد ما بين لغة اليومي وثقافته ولغة المؤسسات والنصوص والخطابات وثقافتها، وعدم تحديد العلاقات بينهما، يجعل الدارس للآداب العربية دارسا لحقبة تاريخية متطاولة زمنيا، متسعة جغرافيا يرهقه التفكير في ثباتها من غير أن يكون قادرا على بناء فرضيات جديدة حولها.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية