«حدث ذات مرة في الغرب»: سباغيتي سيرجيو ليوني اللذيذة


تختلف أفلام سيرجيو ليوني عن أي أفلام أخرى من نوع الكاوبوي، فهذا المخرج الإيطالي الذي لم يقدم سوى سبعة أفلام فقط خلال مسيرته الفنية، أتى من أوروبا ليقدم لوناً أمريكياً خالصاً بأسلوب جديد، وصار رائد ما بات يعرف باسم «سباغيتي الويسترن».
يجد عشاق أفلام الكاوبوي عند سيرجيو ليوني كل ما يحبونه من إثارة وتشويق، ومعارك ومطاردات وأجواء رعاة البقر في الصحراء الأمريكية، ومن لا يهوى ذلك النوع من الأفلام، سيجذبه سيرجيو ليوني أيضاً، إذ سيواجه جمالاً ظاهراً وفنيات سينمائية تعلن عن نفسها بوضوح، وطابعاً ملحمياً ربما يذكر البعض بالمخرج الإنكليزي ديفيد لين، صاحب التحف السينمائية الخالدة ومنها «لورانس العرب» و»دكتور جيفاغو».
«حدث ذات مرة في الغرب» من أجمل ما قدمه سيرجيو ليوني للسينما، فيلم طويل يشد المتفرج لأكثر من ساعتين، يتبع إيقاع الصمت، وينصت إلى رسائل الموسيقى المشفرة التي لن ينفك لغزها إلا عند لحظات النهاية، ويشاهد صوراً ملحمية رائعة وتأملات فنية عميقة في عالم الكاوبوي. يستمع إلى طنين ذبابة يزعج رجلا متعباً في ظهيرة صامتة مملة، حيث لا شيء سوى قيظ الصحراء والانتظار. لكن ليوني يحول تلك اللحظات إلى مشهد لا ينسى، تتحول تلك الذبابة إلى عنصر فني، تتبعها الكاميرا وهي تحوم حول وجه الرجل ويحتل صوت طنينها المشهد بأكمله، ويصبح ذلك الطنين أداة تشعرنا بإطالة الزمن وثقل الانتظار، ويزداد الترقب لدى المتفرج إلى أن يقوم الرجل بحبس الذبابة داخل فوهة مسدسه.


ومن المشاهد التي لا تنسى أيضاً في هذا الفيلم، والتي تكشف عن براعة ليوني الفنية، مشهد وصول جيل ماكبين إلى مزرعة زوجها الجديد، وهي تمتلئ بالأمل في حياة سعيدة، لكن ليوني لا يكشف المأساة مباشرة، بل يرافقها بالكاميرا وهي تتجول في المكان بهدوء وتمضي في طريقها. بينما تشعر تدريجيا بأن هناك شيئاً غير طبيعي، لا توجد موسيقى درامية عنيفة ولا صرخات، بل صمت ثقيل يزيد من الإحساس بالخطر ويضاعفه. تبدأ الكاميرا تكشف عن الحقيقة ببطء شديد، ترى ماكبين آثار الدماء أولاً، ثم تقع عيناها على جثث أفراد العائلة الجثة تلو الأخرى، جثة زوجها ثم جثث أطفاله الثلاثة، فتكتشف أن الأسرة قد أبيدت بالكامل. خلق ليوني تصاعداً محكماً للصدمة الكبرى، بدلاً من عرضها مباشرة، فكان الاكتشاف التدريجي البطيء للكارثة، أقوى أثراً من مشاهد القتل نفسها. أمام هذا المشهد يشعر المتفرج بأنه لا يشاهد فيلماً تقليدياً من أفلام الكاوبوي، يقدم التسلية من خلال المبارزات واللهو بالقتل، يعلن هذا المشهد عن عالم قاس بلا رحمة، حيث يمكن أن تمحى عائلة كاملة في دقيقة واحدة من أجل قطعة أرض يراد أن يمر بها خط سكة حديدية. كما يعد مشهد قدوم فرانك من المشاهد المثيرة فنيا بدرجة كبيرة، حيث صور ليوني تشويش الرؤية الذي تحدثه أشعة الشمس، وجعل ظهوره غير واضح في البداية ثم يتحدد تدريجياً، وبهذا قدم لنا ظاهرة تحدث في الطبيعة كتعبير فني عن تلك الشخصية كقوة غامضة شريرة.

سر الهارمونيكا
في الكثير من مشاهد الفيلم يتراجع الحوار أو يكاد يغيب، بينما تبرز الموسيقى وتتصدر، فموسيقى إنيو موريكوني ليست مجرد موسيقى تصويرية ترافق أحداث الفيلم وتعبر عن تقلباته الشعورية، وإنما هي داخلة في البناء الدرامي وحبكة الفيلم بعمق، ويمكن القول إن الموسيقى تحمل جزءاً كبيراً من قصة كان يمكن أن تروى من خلال الحوار والمشاهد التمثيلية، لكن ليوني أراد أن تروى من خلال الموسيقى. طوال الفيلم نستمع إلى صوت الهارمونيكا التي يمسك بها بطل الفيلم تشارلز برونسون، يعزف لحناً قصيراً غامضاً مع أداء تمثيلي يعتمد على الصمت أكثر مما يعتمد على الحوار، حتى عندما يتحدث ويقول كلمة أو اثنتين سرعان ما يعود ويضع الهارمونيكا في فمه، ويطلق لحنه الغامض من جديد. وضع ليوني في الهارمونيكا سر تلك الشخصية ومفتاح اللغز، وجعلها أداة جذب للمتفرج قبل أن ينكشف السر، فكلما انطلق اللحن القصير الغامض، ازداد الفضول لمعرفة ماذا وراء هذا الرجل الغامض. تحولت الهارمونيكا إلى لغة يتحدث بها البطل، يروي بها مأساة سحقته عندما كان صغيراً، ويعبر بها عن ألم رهيب متكرر لا يتوقف أبداً، فالهارمونيكا نفسها التي يتشبث بها البطل ولا يتخلى عنها، تمثل ذروة الألم الذي عاشه البطل يوماً وأقسى لحظات المأساة.
تمسك البطل بالهارمونيكا وظل يعزف لحن الماضي الأليم وهو يمضي في طريقه نحو الانتقام من فرانك، الذي أجبره يوماً على أن يحمل شقيقه الأكبر المعلق في مشنقة، وكان على الطفل أن يتحمل وزن شقيقه كي يظل حياً. وعندما كان الطفل يقاوم انهيار جسده الذي لا يتحمل وزن شقيقه، وضع فرانك الهارمونيكا في فم الطفل وطلب منه أن يعزف له لحن الموت. ظل الطفل يحاول الوقوف تحت ثقل جسد أخيه من اجل الحفاظ على حياته، بينما يعزف على الهارمونيكا في مشهد رهيب، إلى أن انهارت قواه وسقط فانشد حبل المشنقة ومات شقيقه. كبر الطفل وصار يبحث عن فرانك، وكان يعزف اللحن الغامض كلما اقترب منه لعله يتذكر جريمته، لكن فرانك لا يتذكر إلا عندما يقتله الطفل الذي كبر، وبينما هو يحتضر يضع الهارمونيكا في فمه، فيعلم أخيراً هوية الرجل الذي يواجهه، ويدرك سبب انتقامه.

كاتبة مصرية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *