لم يكن للأردن أي علاقة بالمطار


أقيم احتفال أمس أمام مبنى الركاب المهجور في مطار عطروت شمال القدس، وأعلن عن إقامة مركز عطروت للتراث، بمشاركة نتنياهو وزوجته وعدد من الوزراء ورئيس البلدية. كان احتفالاً حزيناً، لا مكان يجسد فشل سياسة إسرائيل في القدس وتجاه الفلسطينيين أكثر من مطار عطروت.

مطار أقامه البريطانيون، وسافر منه آخر مندوب سامي بريطاني في يوم إقامة الدولة. بعد حرب الأيام الستة، عندما كان الوزراء يرسمون حدود الضم لشرقي القدس، وسعوا المدينة بشكل كبير لتشمل المطار داخل حدودها (وداخل حدود الدولة)، بهدف تحويله إلى مطار مزدهر يليق بالقدس، المدينة العالمية المزدهرة التي تخيلها الوزراء في العام 1967. ومن أجل ضم المطار،ضموا عشرات آلاف الفلسطينيين ومخيم للاجئين.

 كان الفشل فورياً. فقد رفضت شركات الطيران الأجنبية الهبوط في المطار الموجود في منطقة محتلة بالنسبة لمعظم دول العالم. المطار، الذي ازدهر في الحقبة الأردنية، أصبح مجرد ظل لما كان عليه – مطار لطائرات نثر النترات ورحلات الترفيه. هُجر المطار تماماً في الانتفاضة الثانية، ونمت من شقوق مدرجاته نباتات برية، وانهار مبنى الركاب الذي بناه البريطانيون بالتدريج، وتدهور حالة صالة الانتظار. سقف برج المراقبة، كما كتب داني ساندرسون، مرمي على الأرض.

 بعد هجر المطار، تم تشييد جدار إسمنتي ضخم عند نهاية المدرج الذي يقسم القدس التي كان من المفروض أن تبقى موحدة إلى الأبد، وراء الجدار حي كفر عقب في القدس، هجرته السلطات كلها، بما في ذلك البلدية والشرطة. وسرعان ما بنى الفلسطينيين أبراجاً شاهقة من دون رخص بناء لحل أزمة السكن. أصبحت كفر عقب أكبر حي في البلاد، ولو كانت مدينة لكانت أكبر من معظم مدن إسرائيل. تلك الأبراج تلقي بظلالها على المطار، ويعاني سكانه، سكان عاصمة إسرائيل، من فيضانات الشتاء وانقطاع المياه طوال السنة. جنوب المطار منطقة صناعية تشمل بعض أكثر المصانع تلويثاً للبيئة في البلاد. وحسب موقع وزارة حماية البيئة، يعدّ الهواء في منطقة “عطروت” الأكثر تلوثاً في البلاد، حيث يتجاوز المعدل الطبيعي بمئات النسب المئوية في أي لحظة تقريبا.

إن وزراء حكومة نتنياهو، التي تعدّ دون شك من أكثر الحكومات فشلاً، يعجزون عن علاج المشكلات الكثيرة التي تثيرها منطقة “عطروت”. فنتنياهو والوزراء لا يملكون أي رد على السؤال حول مصير 400 ألف نسمة من سكان شرقي القدس، الذين لا يحملون جنسية أي دولة في العالم، ولا يعرفون كيفية التعامل مع أزمة السكن والبنى التحتية التي يعاني منها سكان كفر عقب، أو مع تلوث الهواء. ولا يملكون أيضاً أي رؤية لتحويل القدس إلى مدينة مزدهرة. وبدلاً من ذلك، يقدمون المزيد من التراث ويحتفلون بافتتاح متحف آخر.

سيخصص مركز التراث الجديد باسم “عطروت لتاريخها العريق” لإحياء ذكرى ثلاثة أمور: قصة مستوطنة عطروت التي كانت قائمة مدة 28 سنة قرب المطار وتم هجرها بعد العام 1948 بعد تقدم الجيش الأردني، وقصة الطيران الإسرائيلي، وقصة عملية إنقاذ الرهائن في عملية “عنتيبة” (عملية يونتان).

 بدأ الاحتفال بفيلم فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي، دمج الخيال بالواقع. وذكر في الفيلم بأن المطار ربط القدس بعواصم الشرق الأوسط – هذه حقيقة صحيحة – لكنه قلل من شأن حدوثه في فترة المملكة الأردنية الهاشمية، وأن العصر الذهبي للمطار انتهى مع الاحتلال الإسرائيلي. وقال الراوي بسخرية: “عندما تم توحيد القدس، شاهد مبنى الركاب الذي أقامه البريطانيون المنطقة المحيطة به وهي تتحول إلى شريان جوي حيوي… شعر بقوة طائرات هيركوليس العسكرية، وهي نفس الطائرات التي انطلقت قبل خمسين سنة في عملية عسكرية غير مسبوقة من أجل إعادة مواطنين إسرائيليين تم اختطاف طائرتهم”. لم يكن مطار عطروت شرياناً جوياً حيوياًقط، ولكن الكذبة الواضحة كانت في الجملة الثانية: “عندما أظهرت إسرائيل لكل العالم بأنها ستفعل أي شيء، بل كل شيء، من أجل إعادة أبنائها وبناتها إلى البيت”. جلس في الصف الأول رئيس وزراء فعل كل شيء من أجل عدم إعادة المخطوفين، ودفع 41 منهم على الأقل حياتهم ثمناً لذلك.

 وكعادته، مزج نتنياهو سيرته الذاتية (“أنا أتذكر رحلة النقالات من “موديعين” [مستوطنة] إلى القدس، مررنا هنا واعتقدت أننا سنعيد عطروتإلى مجدها السابق”)، بالشعارات والتهديدات الملفقة والعبارات المبتذلة. وقال: “السلطة الفلسطينية أرادت مواصلة التقدم من بيت لحم ودخول القدس وتقسيمها. بنينا الجدار و”جفعات همتوس” [مستوطنة] لضمان وحدة القدس”. ووعد: “الآن، نطور عطروت في شمال القدس. الاستيطان والبطولة والاقتصاد وحب القدس”. واستغل وزير التراث عميحاي الياهو،الفرصة للتحريض على المتظاهرين. وقارن بين خاطفي طائرة عنتيبة والنشطاء الذين أطلقوا الألعاب النارية قرب منزل رئيس الحكومة، وقال: “نتذكر اثنين من نشطاء السلام الألمان كانا من بين المخطوفين”. “أشخاص ضلوا طريقهم بدافع الرغبة في السلام. نحن نعرف أنهم يرتكبون أخطاء أخلاقية كبيرة أحياناً باسم السلام. وفي حين أن المقارنة مستحيلة مع من يطلقون الألعاب النارية على منزل رئيس الحكومة، فإن هناك جانباً واحداًيتم تغطيته بغطاء الأخلاقي، وهذا أمر خطير جداً”.

في ظل غياب حلول حقيقية للمشكلات الحقيقية، يكرس نتنياهو والوزراء الطاقة والميزانيات، ليس للمستقبل أو الحلول السياسية والتعليم والعلوم والبيئة والمواصلات، بل لمشاريع تتعلق بالماضي، بالتراث. وباسم التراث،ينقضون بكل حماسة بمشاريع استعراضية فارغة، وأحيانا غير قانونية، مثل ملء برك مياه قديمة في “الهوروديون” وفي غور الأردن، وإحياء تقليد إشعال الشعلة في بداية الشهر على جبل “سرتافا” قرب أريحا، وسن قانون لإحياء ذكرى إرث الحاخام لايفوفيتش، ومصادرة الأراضي، واستثمار عشرات ملايين الشواكل في تطوير المواقع الأثرية في الضفة الغربية، وإعادة تسمية الشارع السريع 60 باسم “طريق الكتاب المقدس” وغير ذلك الكثير. كل شيء ينظر إلى الماضي، وربما حتى هم أنفسهم لم يعودوا يؤمنون بمستقبل البلاد التي يحكمونها.

نير حسون

هآرتس 6/7/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *