لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا أعده جاريد مالسين ناقش فيه موقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالنسبة لدول الناتو وأثر علاقته القريبة مع دونالد ترامب.
وقالت الصحيفة إن التقارب بين الزعيمين يسهم في تخفيف حدة الانتقادات الموجهة للرئيس التركي وتعزيز دور بلاده قبل القمة. وفي اجتماع عقد قبل فترة في المكتب البيضاوي مع الأمين العام لحلف الناتو، قال ترامب إنه ربما لم يكن ليخطط لحضور القمة السنوية للحلف الأسبوع المقبل لولا انعقادها في تركيا.
وعلق قائلا: “أردوغان رجل قوي، كل ما طلبته منه، فقد لبى طلبي”.
وتعلق الصحيفة بأن هذه العلاقة الودية تسهم أيضا في تخفيف حدة الانتقادات الموجهة من واشنطن والعواصم الأوروبية بشأن تعامل أردوغان مع خصومه السياسيين، في حين تعزز دور تركيا المحوري في الوساطة بين الأطراف في النزاعات من أوكرانيا إلى إيران وغزة، وتعزز طموحاتها لتصبح قوة إقليمية كبرى.
ونقلت عن ديفيد ساترفيلد، الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا خلال الولاية الأولى لترامب: “لا يمكن الجزم بمصير الأنظمة الاستبدادية المتنافسة، يجب إبداء القلق”. وأضاف: “هل يحسن عدم إثارة هذه القضايا قدرتنا على التعامل مع تركيا بشأن العديد من القضايا الاستراتيجية والتكتيكية الحاسمة التي يتعين علينا معالجتها؟ في رأيي، لا أبدا”.
وتضيف الصحيفة أن أردوغان سعى دائما إلى دمج عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، حيث تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، مع علاقات تاريخية مع روسيا وإيران.
أردوغان سعى دائما إلى دمج عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، حيث تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، مع علاقات تاريخية مع روسيا وإيران
فقد أعاد أردوغان، وهو إسلامي محافظ وسجين سياسي سابق، هيكلة النظام السياسي التركي، مركزا السلطة في يد الرئاسة، لكنه لا يزال يواجه معارضة واسعة النطاق بسبب تعامله مع الاقتصاد التركي المتعثر وتآكل الحريات السياسية.
وقد وجد الأعضاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي هذا الأمر غير مريح في كثير من الأحيان. كما عانت الولايات المتحدة أيضا من علاقة أردوغان الوثيقة السابقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
لكن ترامب، الذي تصادم مع تركيا خلال ولايته الأولى بسبب احتجازها قسا إنجيليا أمريكيا، لجأ في السنوات الأخيرة إلى أردوغان كوسيط دبلوماسي مؤثر في الشرق الأوسط.
وكرر إشادته بأردوغان بعد أن شنت السلطات التركية حملة قانونية العام الماضي شملت اعتقال أبرز منافسيه السياسيين.
وفي الوقت نفسه، عززت انتقادات ترامب للحلفاء الأوروبيين وتهديداته بسحب الولايات المتحدة من حلف الناتو موقف أردوغان في التكتل الأمني، كما عززت مكانة تركيا المتنامية موردا عسكريا لأعضاء الناتو الآخرين.
وقد حظيت الطائرات المسيرة تركية الصنع بإشادة دولية بعد أن استخدمتها أوكرانيا لتفجير أرتال من المركبات العسكرية الروسية الغازية عام 2022. وتصدر شركة بايكار، المصنعة لهذه الطائرات، طائراتها الآن إلى أكثر من 33 دولة، وأقامت العام الماضي مشروعا مشتركا مع شركة إيطالية رائدة في مجال صناعة الطيران. كما صممت شركة تركية أخرى معدات وقامت بتركيبها في مصنع بولاية تكساس، يعد الآن من أكبر موردي البنتاغون لقذائف المدفعية النادرة عالميا.
ونقلت عن مارك بييريني، سفير الاتحاد الأوروبي السابق لدى تركيا والباحث البارز حاليا في وقفية كارنيغي أوروبا: “لهذا الأمر أثر سياسي على أردوغان، فهو يريد أن ينعكس هذا النجاح التقني للصناعة الدفاعية التركية على نجاح سياسي له”.
وأشار مصدر مطلع على تفكير الحكومة الأمريكية إلى أن نجاح تركيا في الصناعة الدفاعية لا يترجم بالضرورة إلى مكاسب سياسية، مشيرا إلى العقوبات الأمريكية المفروضة حاليا على وكالة الصناعات الدفاعية التركية وإلى تعثر طلب تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لفترة طويلة. وأضاف المصدر: “من الصعب جدا الحديث عن مقايضات هنا، لا أعتقد أن الغرب يتغاضى عما يجري في تركيا مقابل مصالح مشتركة”.
إلا أن ترامب يرى في أردوغان شريكا دبلوماسيا هاما، فقد لعب الرئيس التركي وقادة أتراك آخرون، بمن فيهم وزير الخارجية حقان فيدان ورئيس المخابرات إبراهيم قالين، أدوارا محورية في التوسط في وقف إطلاق النار العام الماضي بين إسرائيل وحماس، وساعدوا في الوساطة في الحرب مع إيران، مستغلين علاقات تركيا مع طرفي النزاع.
ويمثل قرار ترامب بالتعاون مع أردوغان تحولا عن السنوات السابقة في عهد الرئيس بايدن، الذي أبقى أردوغان على مسافة بعيدة منه.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي: “يتمتع الرئيس ترامب بعلاقة ممتازة مع الرئيس أردوغان، رئيس تركيا، الذي كان شريكا رائعا في المنطقة”.
سعى ترامب وإدارته إلى مساعدة أردوغان من خلال المضي قدما في صفقات بيع أسلحة عارضها مشرعون أمريكيون بارزون
وسعى ترامب وإدارته إلى مساعدة أردوغان من خلال المضي قدما في صفقات بيع أسلحة عارضها مشرعون أمريكيون بارزون. وفي حزيران/يونيو، قال نائب الرئيس جيه دي فانس إن المسؤولين الأمريكيين يبحثون سبل بيع تركيا مقاتلات إف-35 المتطورة، وذلك بعد سنوات من استبعاد إدارة ترامب الأولى تركيا من برنامج المقاتلات ردا على شرائها منظومة دفاع جوي روسية. وقد أدت تلك الصفقة إلى شرخ في حلف الناتو وأشعلت فتيل سنوات من الخلاف في العلاقات الدفاعية التركية مع واشنطن.
وفي السنوات الأخيرة، برزت تركيا كشريك مهم في مقاومة الغزو الروسي لأوكرانيا، على الرغم من علاقاتها الاقتصادية مع موسكو.
وإلى جانب الطائرات المسيرة، قامت تركيا ببناء سفن حربية ساهمت في تعزيز أسطول أوكرانيا في البحر الأسود. كما استضافت تركيا أيضا جولات عديدة من محادثات السلام الروسية الأوكرانية، ورحبت بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي أشاد بالجهود الدبلوماسية لأردوغان.
ويرى محللون أن قمة الناتو المرتقبة ستسلط الضوء على دور تركيا كشريك مستقر نسبيا ويمكن التنبؤ بتصرفاته بالنسبة للحلفاء الغربيين في مواجهة التهديدات، بما في ذلك روسيا وإيران، ومحاولات ترامب لتقويض الحلف.
وقال سنان أولغن، الدبلوماسي التركي السابق ومدير مركز الأبحاث “إيدام” في إسطنبول: “يلعب أردوغان دورا هاما في احتواء غضب ترامب. وأعتقد أن دور أردوغان يمنع هذا الموقف من الرئيس الأمريكي من أن يصبح شديد الخطورة”.
وتأتي القمة في وقت حرج بالنسبة لأردوغان، الذي شغل منصب رئيس وزراء تركيا ثم رئيسا لها لأكثر من عقدين.
في السنوات التي تلت الانتخابات الرئاسية الشرسة عام 2023، شنت السلطات التركية حملة قانونية واسعة النطاق ضد أكبر حزب معارض في تركيا، وزجت بمئات الأشخاص في السجون، بمن فيهم رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، الذي كان مرشحا رئاسيا محتملا ينظر إليه كمنافس قوي لأردوغان. ويقول مسؤولون حكوميون أتراك إن رئيس البلدية يحاكم بتهم فساد، وهو ما ينفيه.
كما حظرت السلطات التركية المظاهرات العامة في أنقرة خلال قمة الناتو. وفي مداهمات ليلية في حزيران/يونيو، اعتقلت الشرطة نشطاء ومحامين وأكاديميا وناشطا في مجال حقوق المثليين بتهم تتعلق بالإرهاب، وفقا لمنظمة هيومان رايتس ووتش.
وتقول الصحيفة إنه وقبل تولي ترامب الرئاسة، كان من الممكن أن يثير كل هذا استنكارا شديدا من شركاء تركيا في حلف الناتو في أوروبا، وربما من الولايات المتحدة أيضا، واليوم قلما ينتقد أردوغان، إن وجد من ينتقده أصلا.