أريزونا ـ «القدس العربي»: تمكنت المركبة «بيرسيفيرانس» من تسجيل إنجاز جديد مهم بتقديمها دليلاً مثيراً للاهتمام، وإن كان لا يزال غير محسوم، في إطار البحث عن آثار حياة قديمة على كوكب المريخ.
وقال تقرير نشره موقع «ساينس نيوز» واطلعت عليه «القدس العربي» إن المركبة رصدت، داخل الصخور وعلى أسطحها، كربونات عضوية معقدة في مجرى نهر قديم.
ونقل التقرير عن عالمة علوم الكواكب آشلي ميرفي وزملاؤها قولهم في بحث علمي إن حالة الرصد هذه تعتبر الأولى من نوعها، حيث إنها أول مرة يتم فيها العثور على هذه المواد فوق صخرة لم تقم المركبة بالحفر فيها.
وتقول ميرفي، الباحثة في «معهد علوم الكواكب»، ومقره توسون بولاية أريزونا الأمريكة، إن هذا الاكتشاف عند دمجه مع بيانات سابقة جمعتها المركبة «بيرسيفيرانس» يضيف سياقاً مهماً لمؤشر محتمل على عمليات ميكروبية حدثت منذ زمن بعيد على المريخ.
وأجرت «بيرسيفيرانس» هذه القياسات في تموز/يوليو 2024، حين عثر الروبوت، ذو العجلات الست، في الموقع نفسه على بقع غنية بالمواد العضوية أُطلق عليها اسم «بقع النمر»، وقد أثارت هذه البقع اهتماماً واسعاً نظراً للمحتوى المعدني لحوافها، المتمثل في فوسفات الحديد، والذي أظهر تشابهاً مع تكوينات أرضية ترتبط عادةً بوجود حياة ميكروبية قديمة. وتأتي عمليات رصد الكربون العضوي الموصوفة حديثاً من نفس قياسات عام 2024، لكنها تمثل تحليلاً أكثر تعمقاً باستخدام أداة مختلفة على متن المركبة تُدعى «شيرلوك»، حيث استُخدمت لتحديد خصائص الكربون الموجود في الصخور وتقديم تفاصيل حول بنيته.
وقامت أداة «شيرلوك» بقياس أربعة أهداف موزعة على ثلاث صخور في منطقة «برايت أنجل»، وهي تكوين صخري يقع في مجرى النهر الجاف الذي كان يُغذي البحيرة القديمة المعروفة الآن باسم فوهة «جيزيرو».
وكشفت القياسات أن هذا الكربون العضوي مختلط بكل من الرواسب الغنية بالسيليكات والمعادن (الكربونات والكبريتات) التي تشكلت في مرحلة لاحقة. ويشير هذا إلى أن المواد العضوية ربما ترسبت في مرحلتين زمنيتين مختلفتين من تاريخ الصخور: الأولى عند ترسب الرواسب في البداية، والثانية لاحقاً عندما تحركت السوائل عبر الصخور وأحدثت تغييراً في تركيبتها. ومع ذلك، توضح ميرفي أن هذه البيانات لا تكشف عن أصل الكربون العضوي نفسه.
ويقول عالم علوم الكواكب بول بيرن، من جامعة واشنطن في سانت لويس، إن الكربون العضوي «قد يكون ناتجاً عن نيازك أو غبار كوني، أو عمليات غير حيوية مثل التفاعلات الحرارية المائية، أو ربما يكون ذا طبيعة بيولوجية».
ورغم ذلك، فإن رصد الكربون العضوي في منطقة «برايت أنجل» قد يحمل دلالات هامة في رحلة البحث عن كائنات ميكروبية مريخية قديمة. ففي عام 2014 – أي قبل سبع سنوات من هبوط «بيرسيفيرانس» في فوهة «جيزيرو» – كانت المركبة الجوالة «كيوريوسيتي» قد رصدت مواد عضوية في فوهة «غيل» التي تبعد أكثر من 3500 كيلومتر عن الموقع الحالي. وقد يشير وجود المواد العضوية في فوهة «غيل» على مسافة بعيدة جداً عن تلك التي عثرت عليها المركبة «بيرسيفيرانس» إلى أن الحياة، إن وُجدت يوماً ما على المريخ، ربما كانت واسعة الانتشار.
وللتحقق مما إذا كانت العينات التي جمعتها «بيرسيفيرانس» تمثل دليلاً على وجود حياة قديمة، لا بد من تحليلها على كوكب الأرض؛ إذ تفتقر المركبة الجوالة إلى الأدوات اللازمة لتحديد بنية الكربون العضوي والكشف عن مجموعات الذرات المرتبطة به. وقد قامت «بيرسيفيرانس» بتخزين 30 عينة تمهيداً لاحتمالية إعادتها إلى الأرض، بما في ذلك عينة صخرية أُطلق عليها اسم «سافاير كانيون» وتحتوي على الكربون العضوي. غير أن تقليص الميزانية وتغير الأولويات قد عقّدا الخطط الرامية لجلب هذه العينات المريخية إلى الأرض.
ويرى بيرن أن أي معرفة يمكن استخلاصها من هذه العينات تستحق السعي وراءها؛ فإذا كشفت التحليلات المخبرية أن هذه الجزيئات قد تشكلت بعمليات غير حيوية (أي دون تدخل كائنات حية)، فإن ذلك سيعزز فهم العلماء لكيفية عمل الكيمياء العضوية المعقدة في غياب الحياة.
ويضيف قائلاً: «أو ربما نكتشف… أن هذه المركبات قد نتجت عن عمليات بيولوجية لكائنات خارج الأرض. وهذا الاحتمال وحده يبرر جلب هذه العينات إلى الأرض».