مونديال كرة القدم: شغف اللعبة و»نعرات» التفرقة


كانت كرة القدم أكثر من مجرد لعبة. كنا نراها ونحن صبية في كلّ مكان، بين الأزقة والشوارع وعلى مدار اليوم. يمارسها الجميع حتى من ذوي الاحتياجات الخاصة. كانت بالفعل مسرحا مفتوحا نعرض عليه مهاراتنا الوليدة، ونستلهم منه المعنى الأول للمنافسة والركض حتى المتر الأخير للفوز. ثم صار لدينا فريقٌ نُنافس به فرق الأحياء المجاورة في دوري رمضان، أو شبيهه، وجمعنا بعض المال من المشجعين لشراء لباس فريقنا الموحد. وقد غذّى ولعنا باللُّعبة ليس اختراع الحاجة التي دأبنا أن نصنعها تحت أعيننا، بل كذلك متابعتنا لبعض مباريات كأس العالم التي جرت في إسبانيا عام اِثنين وثمانين، وانبهارنا بالأسطورة الإيطالي باولو روسي، الذي قاد فريق بلاده إلى الفوز بهذه الكأس أمام البرازيل. وكُنّا نتنادى بأسماء بعض مشاهير الكرة ونقلِّدهم في حركاتهم وتمريراتهم للكرة، مثل: سقراط، زيكو، روبيش، بول برايتنر، دينو زوف، بلاتيني. ثم في ما بعد طلع اسم «مارادونا»، وكنت أتهيب من نطق هذا الاسم واهما بأنّ «مرضا» ما في الطريق سيدهم الجميع، وكذلك كان. في مونديال المكسيك عام 1986، نفث مارادونا سحره في كل مكان، وصنع رفاق بادو الزاكي ما يشبه المعجزة، وغذّوا في وجدان المغاربة نشيد هُويّتهم الجريحة.
على مدار السنوات الأربعين، صارت كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية، ومادّة دسمة في استوديوهات التحليل الرياضي وغير الرياضي، وحركت الأسواق وانفعالات الناس العابرة للحدود، وتفنّنت جماهيرها في إبداع «ألتراس» هذا الفريق أو ذاك، ونهضت بلاغة جديدة لرصد ما يحدث في المدرجات.
في أجواء المونديال الذي يجري هذه الأيام، ويعكس كرنفال الشعوب وحركتها المشحونة بكلّ ألوان الوطنية وهتافها الحماسي المبالغ فيه، يمكن أن نرى إلى أيّ مدى بلغت هذه الشعبية الكاسحة، وهي تشدّ عيون الجميع، أطفالا وشيوخا، إلى دورانها الساحر، بل تحجب حتى أخبار الحرب وما يتهدد كوكبنا؛ كأنها قيامة سعادة مؤقتة. وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، تُروى القصص الجميلة ومشاهد الأثر الإنساني الكبير العابر للقارات، وفي المقابل تُدار سياسات «ناعمة» تشعل النعرات القومية والطائفية والمذهبية وتدرّ البهارات المسمومة في خطابات التفرقة والتمييز العنصري والشعور بالدونية ونقيضه.
كان أمجد ناصر يقول «كلُّ شاعر لاعب كرة قدم سابق»، وحتى الذي فشل في أن يكون هذا اللاعب جعل من الكتابة حلبة ركض مختلفة، ومن نسيج الاستعارة مِرانا دائما على المراوغة واستدراج القارئ إلى عالمها الخاص. كان معروف الرصافي يُعد من أوائل من كتب عن كرة القدم، وعُرف نجيب محفوظ بشغفه لها ولعبها في شبابه، وكان محمود درويش من مشجعي الأرجنتين. وفي أمريكا اللاتينية صارت اللعبة أَدْخل في نسيج الهوية الوطنية. وكتّابها المشهورون يعقدون لها أروع الأحاديث والقصص الأدبية.
استقرأت «القدس العربي» آراء بعض شعراء المغرب عن ذكرياتهم مع كرة القدم وشغفهم بها، وعلاقتها بالمال والماركتينغ، والصورة التي يقدمها المنتخب المغربي في أجواء هذه البطولة.

عبد السلام المساوي.. شغفٌ لا يُحَدّ

أحببتُ كرة القدم منذ طفولتي، وما أزال أذكر، وأنا في بداية المرحلة الإعدادية، كتابا صغيرا حمله أخي الأكبر معه من المدينة، وكان يحمل عنوان «تاريخ كرة القدم». ونظرا لصغر حجمه وسهولة حمله، صرت أقرأه مرارا حتى حفظت فقراتٍ منه عن ظهر قلب، فكان أول نافذة فتحت أمامي عالم هذه اللعبة الجميلة، وأول مصدر عرفت من خلاله شيئا من تاريخها وأبطالها. وفي ذلك الزمن الذي يبدو لي اليوم زمنا بسيطا وجميلا، اقتنيت كرة بلاستيكية كبيرة كانت حديث الأطفال في البلدة، وكنا نخرج بها إلى الحقول الفسيحة لنقضي ساعات طويلة في اللعب، غير آبهين بحر الصيف أو برد الشتاء. ولم يكن شيء يوقف مبارياتنا سوى حلول الظلام، عندما تصبح الكرة غير مرئية وهي تتدحرج بين أرجلنا الصغيرة، فنعود إلى بيوتنا ونحن نحلم بمباراة جديدة في اليوم التالي. ومن أجل كرة القدم أيضا، اقتنيت في أواسط السبعينيات جهاز راديو (ترانزستور) صغيرا، كنت أتابع عبره البرامج الرياضية والنقل المباشر للمباريات الوطنية والدولية. ولا تزال بعض أطوار تلك المباريات محفورة في ذاكرتي، ومن بينها مباراة المغرب ضد غينيا الذي تُوّج فيها بكأس افريقيا للأمم التي أقيمت في إثيوبيا سنة 1976، والتي تابعتها بشغف كبير، رغم رداءة صوت المعلّق الذي كان يصل بصعوبة إلى ذلك الجهاز الصغير الذي كنت أحمله بين يدي وكأنه كنز ثمين.
ولم يخفت شغفي بكرة القدم رغم مرور السنين، بل ازداد رسوخا، خاصة مع المشاركات المهمة للمنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم. ولعل أبرزها مشاركة سنة 1986، عندما بلغ المغرب لأول مرة الدور ثمن النهائي، في إنجاز تاريخي أدخل الفرحة إلى قلوب المغاربة، ورفع رأس الكرة العربية والافريقية أمام كبار المنتخبات. أما في مونديال قطر سنة 2022، فقد كانت المشاركة استثنائية بكل المقاييس، إذ خطف المنتخب المغربي أنظار العالم بأدائه وروحه القتالية، وأعاد إلى كثير من المغاربة شغف متابعة كرة القدم، حتى أولئك الذين لم يهتموا بها من قبل.. وحاليا، صرت لا أكتفي بمتابعة المباريات عبر النقل التلفزيوني، بل أذهب لمتابعتها في الملاعب، كلما أتيحت لي الظروف ذلك، رغبة في الأجواء الرائعة التي ترافق ذلك. ويفسر هذا التعلق المتزايد بكرة القدم ما عرفته هذه الرياضة من تطور كبير، سواء على مستوى التقنيات الحديثة، أو القوانين المنظمة لها، أو أساليب التدريب والإعداد. كما أصبحت صناعة اقتصادية عالمية تدر على الأندية والدول مداخيل ضخمة، وصار اللاعبون نجوما عالميين تُتداول أسماؤهم وصفقاتهم بملايين الدولارات، ما جعل كرة القدم تتجاوز حدود الرياضة لتصبح ظاهرة اجتماعية وثقافية واقتصادية مؤثرة. وبالنسبة إليّ، تظل بطولة كأس العالم مناسبة استثنائية أحرص دائما على تهيئة الظروف المناسبة للاستمتاع بمبارياتها، ولاسيما تلك التي تجمع بين المنتخبات العريقة التي صنعت تاريخ هذه اللعبة وحققت أمجادها عبر العقود. واليوم، وبعد الإنجاز الرائع الذي حققه المنتخب المغربي في قطر عام 2022، وبعد نجاحاته القارية والعربية، كبر حلمنا بأن نراه ينافس باستمرار كبار المنتخبات، ويتقدم بثبات نحو الأدوار النهائية في البطولات العالمية. وها هو اليوم يتأهل إلى الدور الثاني في مونديال أمريكا 2026، وكلنا أمل في أن يستعيد أمجاد البطولة السابقة، وأن يرسم البسمة على وجوه المغاربة وكل محبيه في أنحاء العالم. لكن الشغف الحقيقي بكرة القدم لا يقتصر على تشجيع المنتخب الوطني وحده، بل يمتد إلى الاستمتاع بجمال اللعبة وروعتها أينما كانت.

عبد العزيز أمزيان: شعبية وماركتينغ

في الحقيقة لست مولعا بمشاهدة كرة القدم، ولا تأخذ مساحة كبيرة من اهتمامي، ولا تستوقفني إلا لماما. ربما يعزو ذلك إلى كوني عانيت الدوخة التي كانت تلم بي من وقت لآخر، بسبب أني أصبت في طفولتي برضوض في رأسي إثر وقوعي من الطابق العلوي. هذا الحادث أبعدني في وقت مبكر عن ممارسة كرة القدم أو مشاهدتها، وصرفتني عن ما يدور في فلكها، وكل ما هو من جنسها. بقيت على هذه الحال زمنا طويلا، كنت ألتقي خلالها من وقت لآخر بأشخاص مفتونين بكرة القدم، يتحدثون عن المقابلات التي جرت، وما شهدوه من إصابات، ومفاجآت، وما صاحبها من تكتيك وبراعة المراوغات، وتقنيات التسجيل، بشكل حماسي مبالغ فيه، إلى درجة أن تلمس في هذه الأحاديث كيف استحوذت كرة القدم على عقولهم وقلوبهم. كنت أصاب بالدهشة، وأنا أراقب هذا العالم الضاج بالصراخ، والمكتظ بالعويل والاندفاع والحماس والحيوية، المشحون بالقلق والحزن تارة، والمفعم بالفرح والبهجة تارة أخرى، وهو يتابع في أحد مقاهي المدينة مقابلة في كرة القدم التي زادت شعبيتها الكاسحة عن ذي قبل.
مع تعاقب الأيام والسنين وجدتني منجذبا إلى هذه اللعبة الشعبية، مشدودا إلى بريقها وسحرها الباذخ، وازداد حماسي لها أيام الأسطورة الأرجنتينية ديغو مارادونا، وهو يبدع في بطولات كأس العالم، وغيره من الأبطال الذين تركوا بصمة بارزة في عالم كرة القدم، بما قدموه من إنجازات ما تزال راسخة في أذهان المتتبعين، ومدونة بمداد من ذهب في سجل التاريخ الكروي. وهكذا توطدت علاقتي بكرة القدم، كشغف يربطني بمشاهدة المباريات ومتابعتها، وظل تعلقي بها مرتبطا بكأس العالم على وجه الخصوص. بينما بقيت البطولات الأخرى الثانوية على هامش تفكري، إذ لم تجعلني الكرة أنغمس – كليا- في بوتقتها، أو أنكب في أجوائها، إذ ظللت أختار الوقت المناسب الذي يسمح لي بمواكبتها.
ومن نافلة القول والبديهي، أن كرة القدم أضحت لها علاقة قوية بالمال والماركتينغ، إذ تستقطب الكثير من الشركات العالمية، لترويج منتوجاتها ومصنوعاتها، بل تداخلت المصالح بينهما، وتشابكت المنافع، إلى درجة أضحى الأمر موغلا في الرمزية، ومفرطا في الإيحاء ومثقلا بالدلالة. وفي هذا السياق يمكن أن أذكر أن هذه العلاقة بين الكرة والماركتينغ يكون لها – بلا شك – الأثر الخفي في استمالة الناس إلى رحاب كرة القدم، وأجوائها المستديرة، والحق يقال -في غمار هذا الانجذاب الذي حصل لي – لم أكن أشجع فريقا بعينه، بل كنت أتحمس وأنا أشاهد مقابلة معينة إلى المنتخب الذي يلعب بمهارة عالية، وبتقنية مشوقة، على الرغم من أني أميل أحيانا إلى منتخب معين لأسباب نفسية وجدانية، إلا أن المهارة والحذق والإتقان والحماسة والجسارة والفطنة، هي التي كانت معياري في التشجيع والمساندة، وسبيلي إلى المؤازرة والدعم، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالمنتخب الوطني المغربي، فلا يبقى أي اعتبار قائم سوى الاندفاع المطلق، والحماس الجارف، إلى تشجيعه بكل ما أملك من طاقة وشغف.

عادل لطفي: ما يمكن أن نستلهمه من اللعبة
لم تكن كرة القدم يوما مجرد جلد مدور يلاحقه اثنان وعشرون لاعبا، بل كانت، منذ تلك الأيام البعيدة في دروب الطفولة وأزقتها الضيقة، مساحة يمتزج فيها الحلم بالواقع. هناك، حيث كان المرمى يُصنع بكومتين من الحجارة، لم نكن نكترث للنتيجة بقدر ما كنا نذوب في متعة اللعب. ومع أول مونديال تفتحت عليه عيناي، أدركت أن كؤوس العالم ليست مجرد بطولة رياضية، بل هي «موسم ثقافي إنساني» تلتقي فيه شعوب الأرض ليتحدثوا لغة واحدة تفهمها القلوب قبل الألسن. تدهشني تلك التسعون دقيقة؛ كيف لمنتخب واحد أن يعيد رسم ملامح بلده في أذهان العالم، ويهدم صورا نمطية عجزت عن تغييرها ترسانات إعلامية بأكملها؟ إنها اللحظة التي تتجلى فيها اللعبة كفضاء إنساني يبرز قيم الإبداع، والانضباط، وتلاحم المجموعة.
لكن، لنكن صادقين، هذا الوجه الجميل أصبح يواجه غبارا كثيفا. لقد تحولت كرة القدم إلى صناعة متضخمة، وصار المال فيها غاية لا وسيلة. لا أحد يعادي الاحتراف، أو يرفض الاستثمار، لكن المقلق حقا هو تغوّل منطق السوق، حين تُختزل هوية المشجع في صفة «مستهلك»، ويتحول اللاعب إلى «علامة تجارية»، وتُقاس متعة المباراة بحجم إيرادات البث والإعلانات. أخشى كثيرا أن تسلب هذه الحسابات الباردة روح اللعبة وعفويتها الصادقة. وما يبعث على أسفٍ أكبر، هو التشجيع المتطرف الذي يحوّل المدرجات إلى ساحات مجانية للعداوة. المشجع الحقيقي يعشق قميص فريقه بجنون، لكن من دون أن يحمل ضغينة للآخر. والمُقلق أن منصات إعلامية وصنّاع محتوى يقتاتون على هذا الاحتقان ويلهثون وراء الإثارة الرخيصة والعناوين المستفزة لحصد المشاهدات، ضاربين بعرض الحائط الذوق الرياضي الرفيع وأخلاقيات المنافسة. أما عن نبض القلب، فأنا مغربي الهوى والتشجيع أولا ودائما، يربطني بمنتخب بلدي حبل سري من الانتماء والفخر. لكنني، في الوقت نفسه، عاشق لكل كرة جميلة، فالإبداع لا يحتكره اسم ولا يحده قميص.
​في هذه النسخة من البطولة العالمية، لم يكن أسود الأطلس مجرد فريق يركض وراء التأهل، بل كانوا تجسيدا حيا للمثابرة، والعزيمة، والإيمان بقدرتهم على مجاراة الكبار، من دون مركب نقص. هذه الروح بالذات هي ما نحتاجه؛ هي التي تمنح الناس الأمل وتُعيد لهم الثقة في أنفسهم. إن القيم التي تُلهم الأرواح وتُحيي الهمم هي الانتصار الحقيقي والوحيد الذي يمكن أن يصنع التاريخ.

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *