أقل من 5 ملايين مصوت من نحو 24 مليونا.. تراجع نسبة المشاركة في تشريعيات الجزائر يجدد النقاش حول “المقاطعة الشعبية”


الجزائر ـ “القدس العربي”: أقفلت صناديق الاقتراع في الجزائر، مساء الخميس، على نسبة مشاركة أولية بلغت 20.79 بالمائة داخل الوطن، في ثاني انتخابات تشريعية تجري في فترة الرئيس عبد المجيد تبون، وهي نسبة جاءت أدنى من تلك المسجلة في انتخابات 2021، رغم عودة أبرز أحزاب المعارضة إلى المنافسة بعد سنوات من المقاطعة، ما يعيد إلى الواجهة الجدل حول ظاهرة العزوف والمقاطعة الانتخابي الشعبية.

وبدأت مباشرة بعد إغلاق مكاتب التصويت، على الساعة الثامنة مساء، عمليات فرز الأصوات عبر مختلف مكاتب الاقتراع، في انتظار إعلان السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات النتائج المؤقتة خلال الساعات المقبلة، بينما بدأت منذ الساعات الأولى من عملية الفرز محاضر أولية تتداول على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي في عدد من الولايات، دون أن تحمل أي صفة رسمية.

وفي تصريح له، أعلن رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة، كريم خلفان، أن عدد المصوتين داخل الوطن بلغ أربعة ملايين و962 ألفا و433 ناخبا، من أصل هيئة ناخبة تضم 23 مليونا و872 ألفا و756 ناخبا، فيما بلغ عدد المصوتين بالخارج 91 ألفا و170 ناخبا من أصل 854 ألفا و285 ناخبا مسجلا ضمن الجالية الوطنية.

وتبقى هذه النسب أولية إلى غاية احتساب أصوات المكاتب التي مددت فيها عملية التصويت، قبل إعلان النسبة النهائية، غير أنها تعكس، في المجمل، تراجعا مقارنة بانتخابات 2021 التي سجلت نسبة مشاركة بلغت 23.03 بالمائة، أي بفارق يقارب ثلاث نقاط مئوية.

ويأتي هذا التراجع في وقت كانت فيه غالبية الأحزاب السياسية، سواء الموالية للسلطة أو المعارضة، قد جعلت من رفع نسبة المشاركة أحد أبرز أهداف حملتها الانتخابية، معتبرة أن نجاح الانتخابات لا يقاس فقط بعدد المقاعد التي ستحصدها، وإنما أيضا بمستوى الإقبال الشعبي على صناديق الاقتراع.

غير أن هذه الدعوات لم تنجح، وفق المؤشرات الأولية، في تحقيق التعبئة المأمولة، رغم أن هذه الانتخابات شهدت عودة أحزاب معارضة بارزة إلى المنافسة البرلمانية، في مقدمتها جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال، بعد سنوات من المقاطعة أو المشاركة المحدودة.

وكانت بعض التقديرات السياسية تراهن على أن عودة هذه الأحزاب، خاصة في منطقة القبائل، قد تساهم في رفع نسبة الإقبال مقارنة باستحقاق 2021، غير أن الأرقام الأولية لم لا تعكس، حتى الآن، هذا التحول.

ويعيد ذلك طرح التساؤلات حول استمرار ظاهرة العزوف الانتخابي، التي أصبحت السمة الأبرز لمعظم الاستحقاقات الوطنية منذ الحراك الشعبي سنة 2019.

فقد بلغت نسبة المشاركة في الاستفتاء على الدستور سنة 2020 نحو 23.7 بالمائة، قبل أن تسجل الانتخابات التشريعية لسنة 2021 نسبة 23.03 بالمائة، بينما ارتفعت المشاركة نسبيا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة إلى حدود 50 بالمائة، لتعود الانتخابات التشريعية الحالية إلى تسجيل نسبة أولية تقل عن تلك المسجلة قبل خمس سنوات.

ويختلف الفاعلون السياسيون والباحثون في تفسير هذا العزوف. فهناك من يعتبره ظاهرة مرتبطة بتراجع الاهتمام بالعمل الحزبي ولا تقتصر على الجزائر وحدها، بينما يرى آخرون أنه يعكس أزمة ثقة متواصلة بين الناخبين والمؤسسات السياسية.

وشهدت الانتخابات، التي شارك فيها أكثر من 24.7 مليون ناخب داخل الوطن وخارجه، تنافس 793 قائمة انتخابية تضم 9854 مترشحا داخل الوطن، بينها 613 قائمة حزبية تمثل 32 حزبا سياسيا، إضافة إلى قائمة تحالف و125 قائمة حرة، بينما تنافست 54 قائمة في دوائر الجالية الوطنية بالخارج. ويبلغ عدد مقاعد المجلس الشعبي الوطني في الجزائر عقب مراجعة فانون الدوائر الانتخابية 427 مقعدا.

وعقب الإدلاء بصوته، أكد الرئيس عبد المجيد تبون أن الانتخابات جرت في ظروف جيدة، معتبرا أن البلاد “انتهت نهائيا من مرحلة التزوير والكوطة”، مع الإشارة إلى أن الأحزاب لم تعد تتحدث حسبه عن التلاعب بنتائج الاقتراع، وهو ما اعتبره دليلا على تطور المسار الانتخابي مقارنة بالمراحل السابقة.

ووفق المعطيات الأولية، لم تسجل الأحزاب السياسية المشاركة، إلى غاية إغلاق مكاتب الاقتراع، اعتراضات كبيرة تتعلق بسير عملية التصويت أو الفرز، كما لم تعلن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عن تجاوزات مؤثرة من شأنها المساس بالسير العام للاقتراع.

غير أن الجدل الأكبر سبق بأيام موعد التصويت، خلال مرحلة إعداد القوائم الانتخابية، بعد إسقاط مئات المترشحين وإلغاء عشرات القوائم بسبب تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات، التي تمنع ترشح الأشخاص المعروفين لدى العامة بالصلة بالمال والأعمال المشبوهة أو التأثير على حرية اختيار الناخبين.

وأثارت تلك القرارات موجة من الطعون والاحتجاجات، بعدما مست أحزابا من السلطة والمعارضة على حد سواء، من بينها جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وحركة البناء الوطني، وحركة مجتمع السلم، وحزب جيل جديد، إضافة إلى عدد كبير من القوائم الحرة.

ومع انطلاق عمليات الفرز، بدأت مواقع التواصل الاجتماعي تتداول محاضر أولية من بعض مكاتب التصويت في عدد من الولايات، غير أن هذه النتائج تبقى غير رسمية ولا يمكن اعتمادها قبل إعلان السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات النتائج المؤقتة.

وبحسب مصادر سياسية تحدثت إلى “القدس العربي”، فإن المؤشرات الأولية توحي باحتفاظ جبهة التحرير الوطني بصدارة النتائج، مع توقع تجاوزها حاجز المائة مقعد، بما يضمن لها البقاء القوة البرلمانية الأولى، كما تشير المعطيات نفسها إلى احتفاظ حركة مجتمع السلم بموقعها كأبرز قوة معارضة داخل المجلس الشعبي الوطني. وتشير أنباء متداولة إلى تحقيق الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، منذر بودن للفوز في ولاية ميلة شرقي البلاد التي ترشح عنها، وهو شخصية أثارت جدلا واسعا خلال الحملة الانتخابية بتصريحاته ومواقفه.

وتستند هذه التقديرات إلى النتائج الأولية المتداولة في عدد من الدوائر، غير أنها تبقى رهينة إعلان النتائج الرسمية التي ستحدد التوزيع النهائي للمقاعد، خاصة في ظل اعتماد نظام القائمة المفتوحة، الذي يجعل احتساب النتائج أكثر تعقيدا مقارنة بالأنظمة الانتخابية السابقة.

وكانت جبهة التحرير الوطني قد تصدرت انتخابات 2021 بحصولها على 105 مقاعد، متقدمة على القوائم المستقلة التي نالت 78 مقعدا، فيما جاءت حركة مجتمع السلم في المرتبة الثالثة بـ64 مقعدا، تلتها التجمع الوطني الديمقراطي بـ57 مقعدا، ثم جبهة المستقبل بـ48 مقعدا، وحركة البناء بـ40 مقعدا.

وينتظر أن تكشف الساعات المقبلة ما إذا كانت هذه التوازنات ستبقى على حالها، أم أن عودة المعارضة وتوسع دائرة المنافسة سيؤديان إلى إعادة رسم الخريطة البرلمانية، رغم أن المؤشرات الأولية لا توحي، حتى الآن، بحدوث تغييرات جذرية في موازين القوى السياسية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *