تحولات جيلية تعيد تشكيل العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية.. إبادة غزة وحرب إيران الكارثية سرعت في تدهور موقف إسرائيل


لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للأستاذ الزائر في كلية الشؤون العامة والدولية بجامعة برينستون، والمدير التنفيذي السابق لمنظمة “هيومان رايتس ووتش”، كينيث روث، قال فيه إن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تشهد تحولا جيليا، فقد كانت التوترات ملموسة بالفعل بسبب ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية في غزة، لكن دور بنيامين نتنياهو في دفع دونالد ترامب للانخراط في حرب ضد إيران -وهي حرب ذات نتائج عكسية- كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.

ويقول الكاتب إن وقف الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل سيكون بلا شك أمرا مهما للحد من التواطؤ الأمريكي في جرائم الحرب الإسرائيلية.

وقد يكون ذلك أيضا أفضل مسار لإسرائيل إذا أرادت أن تحظى بأي أمل في تجنب المأزق الخطير المتمثل في التصعيد العسكري المتواصل. كما أنه شرط مسبق لأي أفق يتيح للفلسطينيين التحرر من الاحتلال الإسرائيلي الذي لا ينتهي.

وقف الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل سيكون بلا شك أمرا مهما للحد من التواطؤ الأمريكي في جرائم الحرب الإسرائيلية.

وأضاف أن العلاقة بين البلدين لم تكن وثيقة دائما كما كانت عليه في العقود الأخيرة؛ فعند تأسيس إسرائيل عام 1948، أبدت واشنطن دعمها ولكن مع قدر من التحفظ، إذ رفض الرئيس هاري ترومان إرسال أسلحة إلى الدولة الناشئة، وفي عام 1957، أجبر الرئيس دوايت أيزنهاور إسرائيل على الانسحاب من سيناء.

لكن الأمور تغيرت عندما شنت دول مجاورة هجمات على إسرائيل في عامي 1967 و1973. كما استفادت إسرائيل من تصوير نفسها -خلال الحرب الباردة- كحصن منيع ضد النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط.

ولسنوات عديدة، أصبح من المستحيل انتقاد إسرائيل أو مساءلتها في النقاشات مع معظم المسؤولين الأمريكيين. فعندما أصدرت منظمة “هيومان رايتس ووتش” تقريرا عام 2021 حول ممارسة إسرائيل لنظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) في الأراضي الفلسطينية المحتلة، قوبل التقرير بترحيب واسع حول العالم، لكنه قوبل في واشنطن ببرود شديد ورفض قاطع.

وقد تجلى هذا الخضوع المفرط حتى في الوقت الذي كانت ترتكب فيه إسرائيل إبادة جماعية في غزة. ورغم أن الرئيس جو بايدن أوقف شحنات القنابل التي تزن 2000 رطل التي استخدمتها إسرائيل لتدمير الأحياء الفلسطينية بشكل عشوائي، لكنه واصل ضخ المليارات في صورة مساعدات عسكرية أخرى وصفقات بيع أسلحة. وبدلا من ربط المساعدات العسكرية بإنهاء سياسة التجويع التي تتبعها إسرائيل في غزة، نظم بايدن جهدا مكلفا وغير فعال لإيصال الغذاء عبر رصيف عائم مؤقت، بينما تفاقمت أزمة التجويع.

لقد كان بايدن بعيدا عن مواكبة المتغيرات، فقد أدت الفظائع الإسرائيلية في غزة إلى نفور شريحة متزايدة من الحزب الديمقراطي، وحتى من المسيحيين الإنجيليين الشباب. والجدير بالذكر أن المسيحيين الإنجيليين، وليس اليهود، هم من يشكلون القاعدة الداعمة لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري.

وقد أظهر استطلاع أجراه مركز “بيو” في نيسان/ أبريل أن 60% من البالغين الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، وهي نسبة ارتفعت بمقدار 7% مقارنة بالعام الماضي و20% مقارنة بعام 2022. ومن اللافت للنظر أن 80% من الديمقراطيين والمستقلين المائلين للحزب الديمقراطي (وهي فئة تشمل معظم اليهود الأمريكيين) لديهم رأي سلبي تجاه إسرائيل. أما بين الجمهوريين، فلا تزال الأغلبية تدعم إسرائيل، لكن 57% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاما يحملون وجهات نظر سلبية.

ولعل ما يعكس هذه الاتجاهات هو أن ترامب أظهر حزما أكبر من بايدن في مواجهة نتنياهو. فقد ظل بايدن أسيرا لنظرة تعود لحقبة عام 1967، حيث يرى إسرائيل بمثابة “داوود” المحاصر بـ “جالوت” المتمثل في الدول العربية مجتمعة، كما كان يخشى انتقادات اليمين السياسي، ولهذا لم يستخدم قط نفوذ واشنطن الهائل لإجبار نتنياهو على وقف المجزرة.

في المقابل، فعل ترامب ذلك. ويحسب لترامب أنه نظر إلى نتنياهو باعتباره “المتنمر الإقليمي”، ورغم تأييده الأولي للتطهير العرقي في غزة، فقد غير موقفه لاحقا مدركا ضرورة وقف التجويع والقتل. وأصر ترامب على وقف إطلاق النار واضطر نتنياهو للموافقة، وإن كان ترامب، بعد أن أعلن بضجة كبيرة عن مبادرته للسلام في غزة، يبدو وكأنه فقد الاهتمام بالأمر، في حين تواصل إسرائيل حشر الفلسطينيين في مساحات تزداد ضيقا داخل القطاع.

أظهر استطلاع أجراه مركز “بيو” أن 60% من البالغين الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، وهي نسبة ارتفعت بمقدار 7% مقارنة بالعام الماضي

لقد أدت الحرب الكارثية مع إيران إلى تسريع تدهور مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة؛ إذ خدع نتنياهو ترامب -الذي اتسم بالسذاجة- لشن الحرب عبر تصوير رؤى مغرية ولكن غير واقعية لتغيير النظام، ودون وجود خطة بديلة (خطة ب). وبدلا من ذلك، ورط نتنياهو ترامب في مأزق ثقيل الوطأة: نظام إيراني ازداد جرأة بعد نجاته من هجوم شامل مع احتفاظه بمعظم قدراته الصاروخية وطائراته المسيرة دون أضرار تذكر في برنامجه النووي، فضلا عن امتلاكه سلاحا جديدا يتمثل في مضيق هرمز، وجعل ترامب يستميت للتوصل إلى اتفاق تجنبا لهزيمة ساحقة في انتخابات التجديد النصفي. ومما زاد الطين بلة، أن نتنياهو واصل محاولاته لعرقلة مفاوضات ترامب مع طهران من خلال شن هجمات جديدة في لبنان بين الحين والآخر.

ولم تعد المصالح الأمريكية والإسرائيلية متوافقة؛ فترامب يريد وقف إطلاق النار، بينما يريد نتنياهو حربا لا تنتهي. يريد ترامب التركيز على الصفقات التجارية في الخليج، في حين ينصب تركيز نتنياهو بالكامل على إيران. في حالة من الإحباط الشديد، وصف ترامب نتنياهو بأنه “مجنون تماما” لتعريضه الاتفاق مع إيران للخطر من خلال مواصلة الهجمات في لبنان، في حين وبّخ نائب الرئيس جي دي فانس المسؤولين الإسرائيليين لانتقادهم اتفاق ترامب مع إيران، رغم أن واشنطن تُعدّ الحليف الوحيد المتبقي لإسرائيل تقريبا.

داخل الحزب الجمهوري، يجد ترامب نفسه عالقا بين مطالب متضاربة: من جهة، قاعدته الانتخابية الانعزالية التي تتبنى شعار “أمريكا أولا” أو لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، والتي رأت منذ البداية أن خوض حرب اختيارية ضد إيران كان خطأ. ومن جهة أخرى، يطالب الصقور الجمهوريون التقليديون باتفاق أكثر صرامة مع إيران، وهو أمر يفوق قدرة ترامب -الذي بات في موقف ضعيف- على تحقيقه.

وفي الوقت نفسه، أصبحت إسرائيل عبئا سياسيا ساما بالنسبة للديمقراطيين. ففي الانتخابات التمهيدية التي جرت الأسبوع الماضي في مدينة نيويورك -التي تضم أكبر تجمع لليهود في العالم خارج إسرائيل، وكانت مكانا يُعد فيه تأييد المرشحين لإسرائيل أمرا مسلما به- تحول دعم إسرائيل إلى ما يشبه “قبلة الموت” سياسيا. فقد وصف المرشح زهران ممداني مجموعة الضغط المؤيدة لإسرائيل “أيباك” بأنهم “وحوش”، وسلط المرشحون الضوء، بشكل ألحق ضررا بالغا بمنافسيهم- على حصول هؤلاء المنافسين على دعم من تلك المجموعة. كما أقر المرشحون الفائزون صراحة بوقوع إبادة جماعية ونظام فصل عنصري (أبارتهايد) تمارسهما إسرائيل.

صحيح أن بعض “الديناصورات” في الحزب الديمقراطي -مثل زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر- لا تزال تتشبث بالماضي، إلا أن عهدهم قد ولى. فمستقبل الحزب يكمن في أولئك الذين يسعون لإنهاء سياسة “الشيك على بياض” الممنوح لإسرائيل، وما يترتب على ذلك من تواطؤ ومساعدة في جرائم الإبادة الجماعية والفصل العنصري وجرائم الحرب والاحتلال المستمر.

يدرك نتنياهو جيدا ما يلوح في الأفق. ولذا، وفي محاولة لتحويل الضرورة إلى فضيلة، يتحدث عن الحاجة إلى فطام إسرائيل عن المساعدات العسكرية الأمريكية. غير أنه يتحدث بتفاؤل عن إنجاز ذلك على مدى عقد من الزمن، في حين أن إسرائيل ستكون محظوظة إذا استمرت هذه المساعدات في ظل الإدارة الديمقراطية القادمة.

وقد يخسر نتنياهو الانتخابات المقبلة -التي يجب إجراؤها بحلول أواخر تشرين الأول/ أكتوبر- إذ تراجعت شعبيته ليس فقط بسبب النتائج الهزيلة لحروبه التي لا تنتهي، بل أيضا بسبب اتهامات الفساد ضده، وشعور عام بأنه كان منشغلا للغاية بمشاريع جانبية تخدم اليمين المتطرف لدرجة أنه تجاهل مؤشرات تحذيرية واضحة سبقت هجوم حماس الدامي في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

لكن تغيير القادة لن ينهي وضع إسرائيل كدولة منبوذة دوليا ما لم تتغير سياساتها. فالنأي بالنفس عن لامبالاة نتنياهو القاسية بحياة المدنيين الفلسطينيين يتطلب من أي حكومة جديدة اتخاذ خطوة جريئة، مثل تسليمه لمواجهة تهم جرائم الحرب ضده في لاهاي؛ تماما كما فعلت الحكومة الصربية عام 2001 مع الرئيس السابق سلوبودان ميلوسيفيتش لضمان رفع العقوبات المفروضة عليها بسبب الفظائع التي ارتكبتها في البوسنة وكوسوفو.

لم تعد المصالح الأمريكية والإسرائيلية متوافقة؛ فترامب يريد وقف إطلاق النار، بينما يريد نتنياهو حربا لا تنتهي. ويريد ترامب التركيز على الصفقات التجارية في الخليج، في حين ينصب تركيز نتنياهو بالكامل على إيران

سيكون ذلك أمرا جيدا لإسرائيل، حتى وإن كان الرأي العام الإسرائيلي يرى خلاف ذلك في الوقت الراهن، حتى وإن بدا خصوم نتنياهو الرئيسيون، بمن فيهم أولئك المنتمون لليسار، أكثر تشددا منه.

ثمة حدود لرؤية نتنياهو القائمة على “الحرب الأبدية”؛ فقد مكّن الدعم الأمريكي غير المشروط إسرائيل من التصرف بمنأى عن المساءلة أو العقاب، واثقة بأن القوة العظمى في العالم ستقف إلى جانبها عسكريا، وكذلك في مجلس الأمن الدولي حال التلويح بفرض عقوبات إلزامية.

وقد أدى هذا الوضع إلى نشوء خصوم أشداء لإسرائيل، يتمثلون في حركة حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والجمهورية الإسلامية في إيران. وتمتلك طهران برنامجا نوويا جرى احتواؤه بموجب الاتفاق الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما، لكنه عاد للانطلاق بلا قيود بعد أن مزّق الرئيس ترامب ذلك الاتفاق بتحريض من نتنياهو. فكم سيمضي من الوقت قبل أن تستوعب الحكومة الإيرانية “الدرس الكوري الشمالي” وتسعى لدرء المزيد من الهجمات عبر بناء أو شراء سلاح نووي خاص بها؟

لقد مرت فترات رأت فيها الحكومات الإسرائيلية جدوى تبني نهج أقل عدوانية، إذ أدت اتفاقيات السلام المبرمة مع مصر والأردن إلى زوال التهديد الذي كانا يشكلانه، كما نجحت “اتفاقيات إبراهيم” في تحييد حكومات عربية أخرى، بل أسفرت اتفاقيات أوسلو عن قيام سلطة فلسطينية لا تشكل تهديدا، وإن كانت تعاني من الفساد وانعدام الفاعلية.

لماذا يمكن لإسرائيل أن تثق في أن السكان الفلسطينيين بالأردن سيعيشون بسلام، بينما لا تمنح الثقة ذاتها للفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة؟ يشير هذا التباين إلى أن المشكلة لا تكمن في طبيعة عنيفة متأصلة لدى الشعب الفلسطيني، كما تزعم السردية الإسرائيلية التي تخدم مصالحها الخاصة، بل في الاحتلال الإسرائيلي المستمر بلا نهاية، وفي رفض إسرائيل الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير وفي إقامة دولتهم. إن تجربة جنوب أفريقيا في إنهاء نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) عبر التفاوض – رغم مخاوف السكان البيض – تحمل دروسا إيجابية يمكن لإسرائيل الاستفادة منها.

لقد أتاح الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل هيمنة النهج الصدامي الذي يتبناه نتنياهو وأمثاله، مما رسّخ لديهم قناعة بأن كل الوسائل مباحة تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”، وأنه لا وجود لما يسمى بالسعي الفلسطيني المشروع لإقامة دولة قومية، بل ثمة فقط “تهديد أمني فلسطيني”. ومن شأن إنهاء هذا الدعم أن يفرض مواجهة مع الواقع، والاعتراف بأن إخضاع شعب ما بشكل متواصل ومجحف هو وصفة مؤكدة لاندلاع تمردات متكررة، في حين أن الإقرار بإنسانية هذا الشعب يُعد شرطا مسبقا لتحقيق السلام.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *