الناصرة- “القدس العربي”: تكشف صحيفة “هآرتس” العبرية اليوم الثلاثاء في تحقيق جديد، أن حكومة إسرائيل قامت حتى الآن ببناء 103 بؤر استيطانية “قانونية” جديدة، ضمن خطتها لقبر تسوية الدولتين من خلال فرض حقائق على الأرض يصعب تغييرها مستقبلا.
وتقول “هآرتس” إن حكومة الاحتلال تمضي بخطة منهجية مثابرة لتهويد الضفة الغربية ببناء مستوطنات في مواقع إستراتيجية فيها، تحول لاحقا دون إحراز تسوية سياسية للصراع. وتنقل الصحيفة عن خبراء قولهم إنه حتى لو رغب ائتلاف حاكم جديد في تغيير الاتجاه، فسيكون من الصعب جدا فعل ذلك.
ويأتي ذلك ترجمة لمواقف وتصريحات ساسة حكومة الاحتلال، خاصة الوزير المستوطن بتسلئيل سموتريتش، الذي سبق وقال: “إننا نقوم اليوم بتثبيت حقائق تاريخية في الميدان، والدولة الفلسطينية تمحى من على الطاولة لا بالشعارات بل بالأفعال”.
سموتريتش، الذي يصارع من أجل تجاوز نسبة الحسم في الاستطلاعات الخاصة بانتخابات الكنيست الوشيكة، أضاف في هذا المضمار قبل نحو عام: “كل مستوطنة وكل حيّ وكل وحدة سكنية هي مسمار إضافي في نعش فكرة الدولة الفلسطينية.. وهي فكرة خطيرة. نقوم الآن بمحو وهم تسوية الدولتين”.
يشار إلى أن تراجع احتمالات تسوية الدولتين لا تنحصر أسبابه بحكومة صهيونية متطرفة سياسيا ودينيا فحسب، بل هذه نتيجة عدم طرح معسكر المعارضة لها أي تصور سياسي لحل الصراع. وكانت “حكومة التغيير” بقيادة يائير لبيد ونفتالي بينيت (2022-2023) قد اكتفت بإدارة الصراع، بل شنت حملة “كاسر الأمواج” من أجل “جز العشب” في الضفة الغربية بالمداهمات والاعتقالات ومواصلة العسكرة والاستيطان وسط صمت ودعم السواد الأعظم من الإسرائيليين.
المزارع الرعوية
وتشكل المزارع اليهودية في الضفة الغربية (المزارع الرعوية) اليوم إحدى أهم أدوات إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في الضفة الغربية المحتلة، بعدما تحولت من مبادرات استيطانية محدودة إلى سياسة حكومية مؤسسية تحظى بالدعم المالي والقانوني والأمني.
ويوضح المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) في هذا الخصوص، أنه إلى جانب كونها أداة للتوسع الاستيطاني، تعتبر إسرائيل هذه المزارع جزءا من “رؤية الأمن الغذائي 2050″، وعليه تتطور في جزء كبير منها باعتبارها مشاريع خاصة تقوم على الريادة والاستثمار والزراعة الحديثة.
ومنذ مطلع التسعينيات، ومع انطلاق مسار اتفاقيات أوسلو وتراجع وتيرة البناء الاستيطاني الرسمي، اتجهت الحركة الاستيطانية إلى تطوير نموذج جديد يقوم على إنشاء البؤر والمزارع الاستيطانية بوصفها أداة فعالة للسيطرة على الأرض.
وطبقا لـ”مدار” فإنه في عام 1999، شكلت دعوة رئيس حكومة الاحتلال الراحل أريئيل شارون إلى “الاستيلاء على التلال” نقطة تحول في هذا المسار، ثم وفّر خلال توليه وزارة البنى التحتية دعما سياسيا ولوجستيا لإقامة مزيد من البؤر.
في عام 1996، أسس أفري ران مزرعة “غفعات عولام”، وهو يعتبر الأب الروحي للمزارع الرعوية و”شبيبة التلال” الإرهابية التي أصبحت نموذجا انتشرت على أساسه مزارع استيطانية أخرى في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، خاصة حول المستوطنات الكبرى.
تهجير الفلسطينيين
طبقا للتقرير، اكتسبت هذه المزارع أهمية متزايدة بعد عام 2009، إذ قدمها مؤسسوها باعتبارها ردا على خطة رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، واعتبروها وسيلة لتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المناطق المفتوحة ومنع التوسع الفلسطيني.
في غور الأردن، بدأ إنشاء مزارع جديدة منذ عام 2016، ضمن مبادرات استهدفت إقامة بؤر بالقرب من مناطق التدريب العسكري والمحميات الطبيعية.
وتسارع انتشار هذا النموذج بصورة كبيرة بين عامي 2017 و2025، ليصل عدد المزارع إلى نحو 130 مزرعة تسيطر على أكثر من 780 ألف دونم، أي ما يقارب نصف مساحة ما يعرف إسرائيليا بـ”أراضي الدولة” في الضفة الغربية.
وفي شباط 2025 خصصت الإدارة المدنية نحو 16 ألف دونم إضافية لهذه المزارع. وتؤدي هذه المزارع دورا مركزيا في تهجير التجمعات الفلسطينية والسيطرة على الأراضي والمراعي عبر الترهيب والعنف والوجود الاستيطاني الدائم.
من يدير المزارع اليهودية في الضفة الغربية؟
تركز غالبية التقارير الفلسطينية وتقارير الرصد الحقوقية على المزارع اليهودية بوصفها امتدادا لنشاط شبيبة التلال، وأداة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وتهجير التجمعات البدوية والرعوية، وفرض واقع من العنف والترهيب يحد من الوجود الفلسطيني في المناطق المفتوحة.
وبرز خلال السنوات الأخيرة بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في دمج هذه المزارع تدريجيا داخل المنظومة الزراعية والبيئية الإسرائيلية، عبر تحويلها إلى مشاريع اقتصادية واستثمارية تعتمد على الزراعة المتقدمة والتقنيات الذكية والإنتاج عالي القيمة، وتحظى بدعم مؤسسات الدولة ووزاراتها، بما يجعلها جزءا من رؤية إسرائيل للأمن الغذائي للعام 2050، إلى جانب دورها في تكريس السيطرة على الأرض.
يجعل هذا التوظيف لدور المزارع اليهودية منها عنصرا حاضرا في عمل العديد من الوزارات الإسرائيلية، على رأسها وزارة الزراعة والأمن الغذائي، التي يترأسها منذ 2022 عضو الليكود المتطرف آفي ديختر.
وفي نهاية حزيران 2026، زار ديختر مزرعة “إله الواحة” في شمال غرب جنين، وهناك قال: “على مدار عشرات السنوات دعمت إسرائيل المزارع فقط غربي الخط الأخضر وأهملت كليا المزارع اليهودية في الضفة الغربية. لماذا؟ هكذا بدون أي سبب! والآن منذ مجيئي للوزارة لا يوجد خط أخضر في ما يخص الزراعة، وعمل الوزارة يمتد الآن من البحر إلى النهر”.
دولة غير يهودية غير ديموقراطية
ولا تكترث إسرائيل، حكومة وشارعا (عدا بعض الأوساط القليلة)، بمخاطر تكريس الصراع وتحويله إلى حالة بلقانية نازفة (صراع على غرار الصراعات القومية التاريخية الدامية في منطقة البلقان)، يختلط فيها الحابل الفلسطيني بالنابل الإسرائيلي.
ويرى بعض الباحثين الإسرائيليين، أمثال خبير الخرائط الأول الجنرال في الاحتياط شاؤول أرئيلي، الذي يقول في محاضراته وكتاباته، إن هذه الحالة تنطوي على خطر استراتيجي على إسرائيل كونها تقتل تسوية الدولتين وتعني عودة الصراع للمربع الأول، إلى العام 1948، وتوقف إسرائيل عن كونها دولة يهودية ديموقراطية.
ويرى بعض هؤلاء، أمثال رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إيهود باراك، أن مثل هذه الحالة تحول إسرائيل في المرحلة الأولى إلى دولة غير يهودية (بسبب أغلبية سكانية فلسطينية بين البحر والنهر)، وغير ديموقراطية بسبب سيطرة الأقلية على الأغلبية وحرمان الفلسطينيين من ممارسة الحق بالانتخاب.
وفي السابق حذر باراك تباعا من أن هذه الحالة لن تصمد أمام تغيرات مواقف العالم من إسرائيل، وستفضي إلى تحولها لدولة عربية.