كيف سيكون شكل الكوكب حين نتشاركه مع الذكاء الاصطناعي العام؟


حتى عام 1440، سيطرت الكنيسة الكاثوليكية على أوروبا برمتها، لم تقتصر هذه السيطرة على المجال الديني فحسب، إنما أحكمت يدها على شتى أشكال المعرفة. نُسخ الكتاب المقدس حتى ذلك الحين على يد الرهبان، واستهلكت كل نسخة منه جهد بضع سنوات، وظل حكرا للمؤسسة الكنسية، عطفا على المعنيين من الأغنياء والنبلاء. أما العامة فما كان بإمكانهم قراءة الكتاب المقدس بأنفسهم، كانوا بحاجة إلى وساطة الكاهن لكي يقرأ لهم. والأخير كان حرا، لا رقيب ولا حسيب، يقرأ ما كان مكتوبا حينا، وما لم يكن مكتوبا حينا آخر، ويفسّر على هواه ويتأرجح بالنصوص أينما حملها هوى الكنيسة واحتياجاتها في تلك اللحظة.
إلى أن اخترع يوهانس غوتنبرغ آلة الطباعة عام 1440، فعلى مشارف القرن السادس عشر، أي بعد خمسين عاما من اختراع آلة الطباعة كانت قد تدفقت 20 مليون نسخة من الكتاب المقدّس في جميع أرجاء القارة، متجاوزة بأضعاف ما كانت قد أنتجته طريقة النسخ اليدويّة خلال ألف عام ونيف، وهكذا وللمرة الأولى واجه العامة النصوص، من دون وساطة الكاهن، وبدأوا يستشفون تعاليم لم تذكرها الكنيسة، ويرصدون سلوكيات ومناهج تمارسها الكنيسة، لكن لا ذكر لها بين النصوص لا علنا ولا ضمنا؛ كما أن يكون البابا أغنى رجل في أوروبا، أو أن يبيع الكهنة صكوك الغفران… للخطاة.

كتب مارتن لوثر خمسة وتسعين اعتراضا على نهج الكنيسة، وعلقها على باب الكاتدرائيّة الرئيسية في فيتنبرغ. وطبع من اعتراضه هذا آلاف النُسخ التي انتشرت خلال أسابيع قليلة في شتى أنحاء أوروبا (عرفت هذه الاعتراضات لاحقا باسم «القضايا الخمس والتسعون»، أو «الرسائل الخمس والتسعون» واعتبرت أول طلقة في تشكيل المذهب البروتستانتي، أو ما اعتبره البروتستانت «إصلاح» الكنيسة).
انشقت أوروبا المسيحية سريعا إلى كنيستين، واندلعت الحروب الدينيّة لما يقارب القرن ونصف قتل خلالها الملايين وأحرقت ودمّرِت مئات التجمعات البشرية. حاولت الكنيسة جاهدة أن تسيطر على ما كان يُطبع (أي على المعلومة/ المعرفة) لكنها لم تفلح. أصبح ذلك متأخرا، بل مستحيلا، لأن المعرفة خرجت من نطاق سيطرتها وأصبحت في متناول يد الجميع. وهكذا أنهت آلة الطباعة أكثر من ألف عام من احتكار المعرفة، فالناس عندما أصبح في مقدورهم أن يقرأوا بأنفسهم، أصبح من العسير على الكنيسة أن تُملي عليهم كيف يفكرون.

لم يكن غوتنبرغ يتطلّع عندما اخترع آلة الطباعة إلى شق الكنيسة ولا لإنشاء طائفة مسيحية جديدة، ولم يقصد أن يشعل حروبا دينيّة تحرق القارة بمن عليها، ولم يكن يعلم ما هو أثر اختراعه هذا على البشرية، وكيف ساهم انتشار المعلومة المطبوعة في إعادة هندسة المجتمعات البشرية. إذ أعادت الطباعة تشكيل الاقتصاد عبر ظهور وظائف جديدة، كالكتّاب والصحافيين، ودور النشر، والمصححين اللغويين والمحررين. وساهمت في ظهور الرأسماليّة (هناك من يعتبر المطبعة أول منشأة رأسمالية نموذجية، أنظر بندكت أندرسون وبلورة مصطلح «رأسمالية الطباعة» في كتابه الجماعات المتخيلة). أفرزت الطباعة طبقات اجتماعية جديدة، كالبورجوازية الثقافية والنخب الفكرية (الإنتلجنسيا) وكانت الطباعة الوقود الذي غيّر موازين القوى السياسية وصناعة فاعلين جدد، بدءا من خلق مفهوم الرأي العام حتى ولادة الهوية القومية مدفوعة بالكتابة باللغات المحليّة، بدلا من اللاتينية التي كانت لغة النخبة، وتيسير انتشار العلم وصولا إلى إتاحة نقل المعرفة والتواصل عموما بين البشر باختلاف حضاراتهم.

جميع هذه التغيرات الهائلة والتداعيات المترتبة عليها والنتائج غير المقصودة ولا المحسوبة، التي آلت لها آلة غوتنبرغ الجديدة، يصفها الفيزيائي والمفكر دافيد دويتش في كتابه «بداية اللانهاية» بـ»المدى»، وهي قدرة بعض التفسيرات على حل مشكلات أبعد مما ابتُكرت لأجله، ويعني بذلك أن النظرية الفكرة تُبتكر في الأصل لحل مشكلة محددة ومحليّة، ولكن بشكل غير متوقّع، يتبين لاحقا أن لها قدرة على حل معضلات، وربما تفسير ظواهر أخرى تقع خارج النطاق الذي أُنشٍئَت في الأصل من أجله، وقد تبتعد عن هذا النطاق كثيرا. المدى إذن ليس خاصية يضيفها العلماء إلى النظريات، أو المخترعين على الاختراعات عن قصد، بل تكمن في أن المدى خاصية تُكتشف لاحقا في التفسيرات الجيدة (التفسير الذي يُصاغ بدقة بحيث يكون «صعب التغيير،» وبحيث يرفع الغطاء عن حقائق «موضوعيّة» في عمق الواقع، ولهذا السبب تحديدا يمتد أثره أبعد بكثير مما تخيله واضعه أو مكتشفه. ولنأخذ هنا بعض الأمثلة الإضافية نوضح بها مفهوم المدى ببساطة:

– قوانين نيوتن كان هدفها الأساس تفسير سبب سقوط الأجسام على الأرض وفهم قوانين حركة الكواكب، لكنها أصبحت لاحقا تملك «مدى» هائلا يمتد لشرح ظاهرة المد والجزر في المحيطات، وتوجيه الصواريخ إلى الفضاء، وحساب كتل المجرات البعيدة، التي لم تكن مرئية أصلا في عصره.
– الانتقال من أنظمة كتابة رمزية (كالهيروغليفية) إلى الأبجدية الصوتيّة (حيث يمثل كل حرف صوتا بدلا من شيء مادي أو فكرة محددة)، اكتسب هذا النظام «مدى» لامتناهيا. هذه المجموعة الصغيرة من الحروف أصبحت قادرة على صياغة أي فكرة بشرية، أو قصيدة، أو نظرية علمية معقدة ستُبتكر مستقبلا، بل حتى كتابة كلمات من لغات لم تكن قد ظهرت بعد.
-اعتماد نظام العد الموضعي (العشري) وإدخال مفهوم «الصفر» منح الرياضيات «مدى» تجاوز مجرد العد البدائي، إذ فتح هذا الباب ظهور رياضيات جديدة، ومن دون هذا «المدى» المعرفي لم يكن ممكنا صياغة نظريات الفيزياء الحديثة مثل ميكانيكا الكم والنسبية.

ما هو مدى الذكاء الاصطناعي العام إذن؟

كما كان يزعم هيغل، أن الحكم على الماضي بمعايير الحاضر هو خطأ فلسفي وتاريخي فادح، إذ لا يمكن للإنسان أن يقفز خارج عصره؛ فالفرد هو «ابن زمانه». بالتالي، مطالبة مجتمعات الماضي بأن تفكر بعقلية القرن الحادي والعشرين مثلا يشبه مطالبة طفل رضيع بأن يتصرف بحكمة رجل عجوز. وهكذا يرى ديفيد دويتش أن محاولة التنبؤ بالتحولات التي سيحدثها اختراع مثل الذكاء الاصطناعي العام، ليست مجرد مهمة صعبة، بل هي مستحيلة منطقيا، إذ لا يمكن التنبؤ بالمستقبل بمعايير وأدوات الحاضر، هذه الرؤية تنبع مباشرة من فلسفته الإبستمولوجية، التي طرحها في كتابه «بداية اللانهائية»، وتستند إلى عدة ركائز أساسية
1 ـ مفارقة التنبؤ بالمعرفة المستقبلية
​أعتبر أن هذه هي حجة دويتش الأقوى (والتي تبناها في الأصل عن كارل بوبر ومن ثم طوّرها): النمو في المعرفة البشرية لا يمكن التنبؤ به.
​ لأننا إذا كنا قادرين اليوم على التنبؤ بدقة بالمعرفة، أو الأفكار التي سينتجها الذكاء الاصطناعي العام في المستقبل، فهذا يعني أننا امتلكنا هذه المعرفة واكتشفناها بالفعل اليوم! التنبؤ باختراع فكرة جديدة هو عينه ابتكار الفكرة. وبما أن الذكاء الاصطناعي العام هو آلة لإنتاج تفسيرات جديدة تماما، فلا يمكننا معرفة ما سيصل إليه قبل أن يصل إليه هو أولا.ً
2 ـ الـذكاء الاصطناعي العام «مُفسِّر كوني» ​لا ينظر دويتش إلى الذكاء الاصطناعي العام كأداة أتمتة متطورة، أو نظام لمعالجة البيانات الضخمة (مثل النماذج الحالية)، بل يعرّفه بأنه نظام يمتلك القدرة على خلق تفسيرات جديدة. وهذه الخاصيّة تمنع التنبؤ، إذ بمجرد أن يمتلك النظام «الشمولية الحوسبية والمعرفية»، يصبح مثله مثل الإنسان، يمتلك إرادة وإبداعا لإنتاج أفكار وحلول ومفاهيم خارجة تماما عن نطاق البرمجة الأولية التي وضعها البشر. إنه يتحرك في أفق مفتوح من الإبداع، والإبداع بطبيعته لا يخضع لقوانين التنبؤ الحتمي.
3 ـ متتالية المشاكل والحلول المفتوحة
​وفقا لرؤية دويتش العقلانية المتفائلة، فإن التقدم في المعرفة لا يسير نحو «نقطة نهاية» أو حالة استقرار يمكن توقعها، بل هو سلسلة لا تنتهي من: مشكلة ← حل ← مشاكل جديدة ناشئة عن الحل.. وهكذا إلى ما لا نهاية.
​كيف يجعل هذا التنبؤ مستحيلا؛ نحن لا نعرف اليوم ما هي المشاكل التي سيخلقها وجود الذكاء الاصطناعي العام في العالم، لأن تلك المشاكل ستكون ناتجة عن حلوله هو لمشاكلنا الحالية. وبما أننا لا نعرف المشاكل المستقبلية، فمن المستحيل التنبؤ بكيفية استجابة المجتمع أو التكنولوجيا لها. (تماما كما كان من المستحيل في حينه أن يتنبأ أحدهم بأن آلة الطباعة ستكون عاملا محفزا لظهور طائفة دينية جديدة، وخلق طبقات اجتماعية وسياسية لم تكن لها أي إرهاصات).
4 ـ الخطأ في القياس على التطور البيولوجي أو التكنولوجي الخطي
​الكثير من المستقبليين يحاولون التنبؤ بالمستقبل عبر «تمديد الخطوط البيانية»، مثل قانون مور، أو سرعة المعالجات. دويتش يرى هذا الطرح قاصرا ومضللا. لأن القفزات المعرفية (مثل الانتقال من الذكاء الاصطناعي الحالي إلى العام) هي قفزات نوعية وليست كمية. إنها تغيّر القواعد التي يعمل بها النظام نفسه، تماما كما غيّر ظهور الأبجدية الصوتية أو الشيفرة الجينية مجرى الأحداث كليا بفضل امتلاكها «مدى» (Reach) غير متوقع.

خلاصة:

إن أي محاولة لرسم سيناريوهات مستقبلية للذكاء الاصطناعي العام ومحاكمته بأدواتنا الحالية، تشبه قياس أفق لا متناهٍ بمسطرة خشبية مكسورة؛ إنها ليست أكثر من كونها نوعا من «التنجيم التكنولوجي». الطريقة الوحيدة لمعرفة ما سيحدثه الذكاء الاصطناعي العام هي بناؤه وتركه يخوض غمار تجربة الخطأ والصواب، وإنتاج المعرفة. أما نحن، فإن أردنا أن نعبر إلى ذلك اليوم بأمان فعلينا أن نحاول جاهدين أن نكون مفسرين جيدين للواقع، وذلك يتطلّب منا تبني سيرورة من النقد اللامتناهي ومبدأ اللامعصومية. فلا الأفكار، أيا كانت، ولا الأشخاص مهما ارتفعت مراتبهم، ولا حتى الآلات معصومة من الخطأ. إن مهمتنا الكبرى هي أن نظل «مفسّرين جيدين» للواقع، واثقين بمقدرتنا على مواجهة التحديات التي ترافق كل اختراع جديد مستلهمين جسارة أول إنسان عاقل قدح حجرا بحجر وأنتج لنفسه نورا ليدشّن به رحلتنا اللانهائية في ترويض المجهول.

كاتب فلسطيني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *