القائد التاريخي ضائعا بين باريس ولندن وواشنطن


دخلت مع صديق سوري إلى صالة عرض لفيلم معركة ديغول «عصر الفولاذ» في اليوم الأول لبدء عروضه في فرنسا بداية شهر يونيو/حزيران، وكنا وحيدين في الصالة، لم أصدق عيني، هل من المعقول أن نكون وحدنا في هذه الصالة الفخمة في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، هل تخلى الفرنسيون عن ديغول القائد المؤسس للجمهورية الخامسة وتركوه لنا، نحن السوريين، لنحضر العرض الأول؟
في الطريق إلى الصالة كنت أقول لصديقي كيف نذهب في اليوم الأول، سيستغرق وقوفنا في الطابور ساعات، الفيلم عن ديغول مؤسس الدولة الفرنسية الحديثة بعد تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني. وأثره في التاريخ الفرنسي لا يقل عن تأثير الملك لويس الرابع عشر، ولا عن الامبراطور نابليون بونابرت.
بعد دقائق دخل شاب إلى الصالة، وبعده دخلت امرأة ورجل معمران، ربما يكونان ممن عاصر ديغول، كنا نحن الخمسة الجمهور الوحيد في تلك الصالة لفيلم ديغول الذي كلف إنتاجه 74 مليون يورو، ويعتبر من أكبر الأفلام الفرنسية الحديثة، ومخرجه أنطونين بودري، مشهور في عالم الفن، وهو الحائز جائزة سيزار 2019 عن فيلمه «أغنية الذئب»، الفيلم الحربي عن خلية بحرية فرنسية، ويعد أضخم فيلم بحري فرنسي.
الجزء الأول من الفيلم وهو بعنوان «عصر الفولاذ»، يصور ديغول إنسانا يحزن ويفرح ويتعلق بعائلته ويتوهم القوة ويضعف، وهو ليس نصف إله، على طريقة القذافي، أو حافظ الأسد أو صدام حسين، الذين انتهوا إلى النسيان بلا أسف.
ونشاهد ديغول عندما يتخذ قراره التاريخي في الدفاع عن فرنسا وإصراره على أن خياره يمثل فرنسا نفسها، وهذا ما يثير سخرية الإنكليز، الذين لجأ إلى عاصمتهم وألقى كلمته الشهيرة يوم 18 يونيو 1940 عبر راديو «بي بي سي» مطالبا الفرنسيين الدفاع عن وطنهم ورفض الاحتلال، وأعلن أن هذه الحرب هي حرب عالمية. وفي عام 1992 أدرج هذا الخطاب في السجل الدولي لذاكرة العالم.

يتآمر رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عليه، ويطيح به من قيادة تنظيم فرنسا الحرة، بناء على نصيحة واشنطن، التي تعتبره مجرد شخصية رومانسية، ولكن ديغول يتقبل الخسارة، ويصمد حتى تأتي ساعة الحاجة إليه بعد أن فشل خليفته الجنرال هنري جيرو في قيادة قوات فرنسا الحرة، وقبلها واجه انسحاب عناصر كثيرة من جيشه، احتجاجا على تدمير الانكليز قطعا من الأسطول الفرنسي، وواجه الحقائق بلا ماكياج وبلا هلام القائد التاريخي الفذ الذي هيمن على قادة عسكريين في العالم العربي وحولهم إلى مجرد ظلال لأوهامهم عن أنفسهم!
ينطلق ديغول من لندن إلى المستعمرات الفرنسية القصية مثل تشاد وغيرها، ويخوض في المستنقعات، ويصر على يقين تحرير فرنسا وأنه يمثل فرنسا، إلى درجة رده على مرافقه الذي نبهه إلى خطر البعوض قائلا، إنه لا يتأثر بذلك، ولكنه بعد مشهدين سقط طريح الحمى التي كادت أن تودي به.
تسريحة ديغول في الفيلم لافتة إذ أنها تشبه تسريحة الضباط الألمان كما كانت تصورها الأفلام التي تحارب النازية، ولكن قد تكون مجرد نمط شائع بين الجنرالات في أربعينيات القرن الماضي، أو لعلها تعني لسكان المستعمرات ما تعنيه من ظلم وتسلط، خاصة أن بعض النخب الفرنسية كانت تتعرض لموقف ديغول من الاستعمار وموافقته، أو غض نظره على الأقل، عن تصرفات المستعمرين، التي ألحقت بفرنسا الكثير من التهم مثل ما يردد الجزائريون وغيرهم من شعوب المستعمرات التي خسرت شخصيتها وثرواتها، وفرضت عليها اللغة الفرنسية والأنظمة الفرنسية، من دون مراعاة الفروق الثقافية والتاريخية. ويكاد يبدو ديغول مجنونا في الفيلم وهو يكابر ويقاوم اليأس، ولكن حبه لفرنسا جعله صادقا وقويا، وأجبر تشرشل على إعادته إلى قيادة قوات فرنسا الحرة. وحقق اختراقات كبيرة أذهلت واشنطن التي أعادت تقييمها له، فقوة إصراره وحبه لفرنسا صنعت المعجزات!

بعد عرض الفيلم في مهرجان كان، عصفت احتجاجات ضمن جمهور السينما الفرنسية على شراء أحد أنصار اليمين المتطرف المليادير فانسون بولوريه لإحدى أشهر دور العرض السينمائية في فرنسا UGC، التي تعرض في كل مقر لها أكثر من ثلاثين فيلما في آن واحد، وتأتي هذه المسألة بعد أن ثارت ضده الاحتجاجات على شراء دار نشر فرنسية كبيرة هي دار غراسييه، وطرده لأسماء ثقافية كبيرة، ومنعهم من تحرير الكتب فيها، مما يشعل الغضب من هيمنة اليمين المتطرف المتنامية على الثقافة الفرنسية التي طالما تغنت بانفتاحها وحريتها، وشكلت سمعة متميزة لفرنسا. وصارت الثقافة الفرنسية مهددة مثل السياسة الداخلية الفرنسية بهيمنة اليمين المتطرف عليها.

تضامنت قناة + CANAL مع مالكها بولوريه، وأعلنت حرمان المحتجين عليه من التمويل السينمائي وكان عدد السينمائيين 600 فنان وقعوا على عريضة الاحتجاج ونشروها في صحيفة «ليبراسيون». علما أن القناة تمول 70% من الأفلام الفرنسية. من السابق لأوانه استعراض مواقف شارل ديغول في الجزائر وفي غيرها من المستعمرات بانتظار الجزء الثاني من الفيلم، ولكن الفيلم قدّم ديغول عبر حوارات عميقة وليس عبر المشهدية، رغم أن التمويل الكبير جعل المخرج يعيد بناء بعض أجواء الحرب العالمية الثانية ببراعة، كما تقول الصحافة.
خرجنا نحن المشاهدين الخمسة مرهقين من طول الفيلم الذي ناهز الساعتين وأربعين دقيقة، ولكنه أضاف إلينا فهما جديدا لشخصية ديغول، الذي تعتز به فرنسا، وقدمه المخرج أنطونين بودري لنا كإنسان وليس كأيقونة نضالية. ولعل الجزء الثاني الذي سيعرض الشهر المقبل، وربما بعد انتهاء استحواذ نهائيات بطولة العالم لكرة القدم على الجمهور، وقد يضيف الكثير إلى معلوماتنا عن شخصية ديغول الذي أعاد بناء فرنسا بعد تحريرها من يد جيرانها الألمان.

كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *