لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي أتلانتك” تقريرا أعدته فيفيان سلامة، قالت فيه إن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ومستشار الأمن القومي ووزير الخارجية ماركو روبيو يتعاملان مع قضايا دبلوماسية مستعصية بطرق مختلفة، وبدا هذا واضحا في ملفي الحرب على إيران ولبنان.
وقالت إن روبيو عمل لأشهر على إبرام اتفاق بين الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية للحد من نفوذ حزب الله والسماح لإسرائيل بسحب قواتها من جنوب لبنان. إلا أنه في الأسبوع الماضي، برز مستقبل لبنان في صلب الاتفاق الجديد بين الولايات المتحدة وإيران، الذي تبناه نائب الرئيس فانس، مانحا طهران دورا محوريا في مستقبل لبنان. وعليه، تتفاوض الولايات المتحدة الآن بشأن بلد واحد على مسارين مختلفين، بقيادة رجلين ذوي أساليب ورؤى عالمية متباينة.
وتقول سلامة إن روبيو ذو نزعة عالمية أكثر، ويتبنى نهجا تقليديا، مؤكدا على المحادثات بين الحكومات والعملية الدبلوماسية. أما فانس، الذي أعرب سرا عن مخاوفه بشأن الصراع مع إيران قبيل الحرب، فهو عدواني وذو توجهات انتهازية. ومن المصادفة أن مبعوثي الرئيس قد يكونان المرشحين الأبرز لخلافته.
روبيو ذو نزعة عالمية أكثر، ويتبنى نهجا تقليديا. أما فانس، الذي أعرب سرا عن مخاوفه بشأن الصراع مع إيران قبيل الحرب، فهو عدواني وذو توجهات انتهازية. ومن المصادفة أن مبعوثي الرئيس قد يكونان المرشحين الأبرز لخلافته
ويهدف كل من فانس وروبيو، من خلال جهودهما، إلى حل قضية عرقلت جهود السلام الأمريكية على مدى أجيال، وقد بدأ الارتباك يسود بالفعل. فرغم التنسيق الوثيق بين الرجلين، فإنهما قدما رؤى تبدو متناقضة حول موقع لبنان في هذه المعادلة.
ومع ذلك، فإن جهودهما المشتركة قد تحدد ليس فقط ما سيحدث في لبنان، بل أيضا ما إذا كانت الحرب بين حزب الله وإسرائيل ستفشل عملية السلام مع إيران برمتها.
ففي البداية، قاوم المسؤولون الأمريكيون إدراج الصراع في لبنان ضمن قائمة القضايا التي يجب حلها مع إيران، وأبرزها منع طهران من تطوير سلاح نووي. لكنهم رضخوا لمطلب إيران بإدراج لبنان على جدول الأعمال لاستئناف المفاوضات ومعالجة استخدام إيران لجماعات وكيلة لتنفيذ هجمات في أنحاء المنطقة.
وتشير الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم المكونة من 14 فقرة، التي وقعها الرئيس ترامب الأسبوع الماضي، إلى لبنان ثلاث مرات، بما في ذلك: “ستؤكد الاتفاقية النهائية الإنهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان”.
ويقود فانس المفاوضات مع إيران، التي تشمل إقناع الجمهورية الإسلامية بسحب دعمها لحزب الله مقابل تخفيف الأعباء المالية. ولا تشارك إسرائيل ولا لبنان في هذه المحادثات.
أما مفاوضات روبيو المنفصلة، فتهدف إلى تمكين الحكومة اللبنانية المتعثرة ومنح إسرائيل ضمانات كافية للانسحاب.
وقد أثمرت جهود روبيو عن بعض التقدم، حيث وقع كبار الدبلوماسيين من إسرائيل ولبنان اتفاق إطار في وزارة الخارجية الأمريكية، بعد أربعة أيام من المحادثات، بحضور روبيو.
في غضون ذلك، اتخذ فانس نهجا أكثر عملية في محاولة لإنهاء الحرب التي يسعى ترامب جاهدا لطي صفحتها، وفقا لمصادر مطلعة على تفكير الرئيس. ويبدو أن فانس مستعد أيضا للضغط على إسرائيل لقبول أي نتيجة تسفر عنها محادثات إيران. وقال بوضوح إنه يتوقع من الحكومة الإسرائيلية أن تلتزم بموقفها وأن تتوقف عن انتقاد الجهود الأمريكية.
وتقول سلامة إن جهود فانس وروبيو المشتركة قد تفشل بسبب عوامل عدة، فلا تزال القوات الإسرائيلية تواجه حزب الله في الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل. وماذا لو استمرت إسرائيل في البقاء في خمس مناطق داخل الأراضي اللبنانية، متذرعة بضرورة الدفاع عن النفس؟ وماذا لو هاجم حزب الله الأراضي الإسرائيلية بينما لا تزال إيران والولايات المتحدة تتفاوضان؟ ثم ماذا لو استأنفت إسرائيل هجماتها على إيران؟ أو هاجمت إيران إسرائيل؟
ومع ما يبدو من اختلافات في النهج، يصر مسؤولون في البيت الأبيض على أنه لا يوجد أي اختلاف بين ما يسعى كل من فانس وروبيو إلى تحقيقه.
مع ما يبدو من اختلافات في النهج، يصر مسؤولون في البيت الأبيض على أنه لا يوجد أي اختلاف بين ما يسعى كل من فانس وروبيو إلى تحقيقه
إلا أن الكاتبة تذكر بجهود فاشلة، فبعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، قاد وزير الخارجية آنذاك، جورج شولتز، جهودا دبلوماسية حثيثة للتوسط في السلام، وأنهى الاتفاق، الذي وقع في العام التالي، الحرب، واعتبر انتصارا دبلوماسيا، إلا أنه انهار في غضون عام وسط ردود فعل عنيفة في المنطقة. وانزلق لبنان إلى مزيد من الفوضى، حيث استهدفت جماعات مدعومة من إيران القوات الأمريكية. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1983، فجر انتحاري نفسه في بيروت، ما أسفر عن مقتل 241 جنديا أمريكيا.
ونقلت عن منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة، قولها: “لا تستهينوا بتعقيد الوضع في لبنان، وكيف يمكن أن يؤذي الأطراف المختلفة إذا لم تراع جميع هذه الديناميكيات والتوترات الكامنة. إنه أشبه بمكعب روبيك: كيف يمكن التوفيق بين كل هذه العوامل؟”.
وجلست إسرائيل ولبنان أربع مرات إلى طاولة المفاوضات منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، وتوسطت الولايات المتحدة في ثلاث من تلك المحادثات، بما فيها الحالية. واتفق الجانبان على وقف إطلاق النار في نهاية عام 2024، في الأيام الأخيرة من ولاية بايدن، لكن التوترات ظلت قائمة.
وبعد شن الحرب الأخيرة على إيران ومقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، توعدت طهران بالانتقام، وأصدرت تعليمات إلى أعضاء ما يسمى بـ”محور المقاومة” بالاستعداد للتصعيد. وكان حزب الله أول من تحرك، حيث شن هجمات جديدة على إسرائيل. واتهم الرئيس اللبناني جوزف عون حزب الله بإعطاء إسرائيل “ذريعة” لمهاجمة لبنان. وغزت إسرائيل جنوب لبنان في آذار/مارس، وهي عملية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 3,500 شخص وتشريد أكثر من مليون شخص، وفقا للأمم المتحدة. وهو ما أدى إلى تحول لبنان من قضية هامشية إلى قضية محورية تلقي بظلالها على الحرب مع إيران ومحادثات السلام الوليدة.
وقد جادل المسؤولون الإيرانيون بأن الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك الضمانات المتعلقة بلبنان، لا ينفصل عن أي اتفاق دائم مع واشنطن، ويجب إدراجه في مفاوضاتهم.
إلا أن كلا من فانس وروبيو أصرا، لأسابيع، على أن لبنان قضية منفصلة عن المفاوضات مع إيران.
وفي نيسان/أبريل، زعم فانس أن إيران ستكون “حمقاء” إذا “سمحت بانهيار هذه المفاوضات، في صراع منيت فيه بخسائر فادحة، بسبب لبنان، الذي لا علاقة لها به”. كما أقر بأن إسرائيل عرضت “ضبط نفسها قليلا في لبنان” للحفاظ على استمرار المحادثات.
ثم، في وقت سابق من هذا الشهر، شنت إيران هجوما على إسرائيل، متهمة إياها بانتهاك وقف إطلاق النار المبرم في نيسان/أبريل بمهاجمة لبنان.
وشكل هذا الحادث نقطة تحول بالنسبة للمفاوضين الأمريكيين، بمن فيهم فانس. وخلصوا إلى أنه من غير المرجح التوصل إلى اتفاق مع إيران ما لم تتم معالجة الصراع بين إسرائيل وحزب الله، حتى لو تطلب ذلك إقحام هذا الصراع طويل الأمد في اتفاق قصير المدى يهدف أساسا إلى فتح مضيق هرمز ووضع شروط للمحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني.
من جانب آخر، يجادل روبيو بأن مسألة علاقة إسرائيل بلبنان يجب معالجتها بشكل منفصل لأن “لبنان دولة ذات سيادة”، كما قال للصحافيين في أبو ظبي يوم الثلاثاء، وأن أي تواصل دبلوماسي يجب أن يتم مع الحكومة اللبنانية. وقد صور روبيو دور إيران في دعم حزب الله على أنه قضية خارجية وليست عنصرا أساسيا في المفاوضات التي يشرف عليها. ويرى أن التفاوض مع إيران على طاولة المفاوضات يهدد بتعزيز دورها في لبنان وإضعاف الحكومة اللبنانية نفسها.
ويتفق معه في ذلك مسؤولون ومحللون إقليميون تحدثت الكاتبة إليهم. ويشيرون إلى أن اتفاقا أوسع نطاقا بين الولايات المتحدة وإيران، يفضي إلى وقف إطلاق النار ويلزم إيران بكبح جماح وكلائها، بما في ذلك حزب الله، يمنح إيران في الواقع نفوذا من خلال ربطها، سلبا أو إيجابا، بمصير لبنان. فإيران لديها مصلحة في الحفاظ على موطئ قدمها على حدود إسرائيل، لكنها تستطيع استخدام نفوذها على حزب الله كورقة ضغط، لعلمها أن الولايات المتحدة ستضطر إلى إقناع الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية بأي اتفاق نهائي.
وترى يعقوبيان أن نهج روبيو ضروري لنجاح أي من هذه الجهود. وقالت: “إذا تم تنفيذ هذا النهج بشكل صحيح، فقد يكون وسيلة للحد من نفوذ إيران طويل الأمد في لبنان، وذلك بتقليص دور حزب الله”، مع تعزيز الحكومة في بيروت. لكنها أشارت إلى أنه باستبعاد الحكومة اللبنانية من المحادثات الأمريكية الإيرانية، التي يشرف عليها فانس، “يتم إضعاف الحكومة اللبنانية أكثر، ويتماشى ذلك مع نهج إيران، الذي يتمثل أساسا في تجاوز الحكومة اللبنانية والعمل مباشرة مع وكيلها”.
وقد اتخذ فانس وروبيو خطوات لتجنب تضارب الرسائل، حيث رفض روبيو علنا أي تلميح إلى وجود تناقض في جهودهما. وقد أجريا اتصالا هاتفيا مشتركا هذا الأسبوع مع الرئيس اللبناني، أطلعاه فيه على آخر مستجدات المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وعلى إمكانية إنشاء “آلية مراقبة” مشتركة لتنفيذ وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه مؤخرا، والذي يهدف إلى وقف الأعمال العدائية في لبنان.
وقد أصبح تحديد أهداف الولايات المتحدة وإيران أكثر صعوبة مع اتساع نطاق الخلافات المطروحة لتشمل قضايا تتجاوز بكثير القضية النووية.
وخلافا للظروف السابقة التي تمت فيها محادثات مع إيران بشأن ملفها النووي، ولم تكن أمريكا الطرف الوحيد فيها، فإن دبلوماسية فانس وروبيو تجري في ظروف مختلفة تماما. فقد ازدادت إيران جرأة بفضل قدرتها على الصمود لأسابيع أمام القصف الأمريكي والإسرائيلي العنيف، وتتفاوض واشنطن في الغالب بمفردها، في ظل مجموعة أوسع بكثير من المشكلات التي يتعين عليها معالجتها.
وكان الدرس المستفاد من سنوات باراك أوباما هو أن حتى المحادثات ذات التركيز الضيق حول البرنامج النووي الإيراني تعد عملية شاقة. كما أن عقودا من الجهود السابقة تقدم درسا مفاده أن أي صراع في الشرق الأوسط لا يحدث بمعزل عن الآخر. وستكشف الأسابيع القليلة المقبلة ما إذا كان بإمكان فانس وروبيو التغلب على الصعاب.