كيف سيواجه نتنياهو احتجاجات “مجلس أكتوبر”؟


بعد مرور أسبوع وأكثر، أصبح أمر واحد واضحاً تماماً، وهو أن الاتفاق الذي صاغته الولايات المتحدة وإيران بمساعدة الوسطاء ما زال قائماً حتى الآن. هناك تقلبات ترتبط أيضاً بشخصية وتصريحات الشخصية الرئيسية في هذه الملحمة المعقدة، دونالد ترامب، ولكن رغبته الواضحة في إنهاء الحرب تملي كل التطورات الأخرى. النظام في إيران الذي يعرف ذلك جيداً يواصل محاولة انتزاع المكاسب، لكنه لا يخالف القواعد بطريقة تؤدي إلى تجدد الحرب.
لقد جلب الهدوء في إيران الهدوء أيضاً في لبنان. فبعد أسابيع مضطرة تكبد خلالها الجيش الإسرائيلي خسائر فادحة جراء هجمات المسيرات المفخخة وجبت أرواح المئات من عناصر حزب الله والمدنيين اللبنانيين في هجمات مضادة، ساد هدوء حذر في هذا الأسبوع على الجبهة الشمالية. وعلى النقيض تماماً مما يحاول رئيس الحكومة، نتنياهو، تسويقه للرأي العام، فإن يد الجيش هناك مقيدة هناك تقريباً. فقد قلص الجيش الإسرائيلي نشاطاته الهجومية بشكل كبير، ويركز حالياً على تثبيت مواقعه على خط التماس. وأعلن وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، أن الجيش لن ينسحب من جنوب لبنان حتى لو طلبت الولايات المتحدة ذلك. سننتظر ونرى.
ثمة قاسم مشترك في جميع الساحات، يعكس وضع إسرائيل بعد أكثر من 32 شهراً من الحرب التي بدأت بمذبحة 7 أكتوبر. لقد زجت تحركات نتنياهو إسرائيل في مأزق استراتيجي ينذر بالتفاقم في السنوات القادمة. لقد ألحق بأعداء إسرائيل في المنطقة خسائر فادحة، ولكنه لم يؤد إلى ترتيبات مستقرة بعيدة المدى، ولم يرسخ أي تقدم سياسي. وفي غضون ذلك، اندلعت أزمة شديدة مع الولايات المتحدة، بالتحديد في ولاية الرئيس الذي وصف بأنه أكثر الرؤساء الأمريكيين وداً على الإطلاق.
في الأسبوع القادم، سيعقد مؤتمر هرتسليا السنوي لمعهد السياسة الاستراتيجية في جامعة رايخمان. وقد تم تأجيل هذا المؤتمر لشهر على خلفية ما ظهر في نهاية أيار وكأنه تصعيد جديد في الخليج. ولكن تهديدات ترامب لم تتحقق في نهاية المطاف، وتوقفت الحرب، ما سمح بوصول الضيوف من الخارج، رغم الانخفاض الكبير في عدد رحلات شركات الطيران الأجنبية إلى إسرائيل (ما زال مطار بن غوريون، رغم وقف إطلاق النار في الخليج، قاعدة التزود بالوقود الرئيسية لسلاح الجو الأمريكي في الشرق الأوسط، وأي نشاطات جوية أخرى في المطار ما زالت تخضع لاعتبارات الأولوية القصوى).
كانت هناك سنوات تصدر فيها المؤتمر عناوين الأخبار. هناك، في كانون الأول 2003 اختار رئيس الحكومة أريئيل شارون البدء في الترويج لخطة الانسحاب من قطاع غزة، التي نفذت بعد سنة ونصف تقريباً. وقد شغل العقيد المتقاعد عاموس جلعاد، رئيس المعهد، سلسلة من المناصب الرئيسية في المؤسسة الأمنية في تلك السنوات: رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية، منسق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة، رئيس القسم السياسي في وزارة الدفاع.
وقد قال جلعاد لـ “هآرتس” بأن التطورات الأخيرة في إيران “مثال كلاسيكي لما تم التحذير منه – لا يوجد نصر مطلق في الحرب بدون عمل دبلوماسي في نهاية المطاف”. وأضاف: “كان للاتفاق النووي الذي صاغه باراك أوباما في 2025 الكثير من أوجه القصور، لكن أعتقد حتى الآن أنه كان أفضل من الوضع الذي ظهر بعد انسحاب ترامب منه في 2018. ومنذ ذلك الحين، حققت إيران اختراقاً وتقدمت في مراكمة اليورانيوم عالي التخصيب”.
وتابع جلعاد: “لقد ألحقنا بالفعل أضراراً كبيرة بالأعداء الآخرين، حزب الله وحماس والحوثيين في اليمن، لكننا لم نهزمهم في أي مكان. ربما الأمر الأسوأ هو أن خامنئي الابن يقود الآن فصيلاً متطرفاً من المحاربين القدامى في الحرس الثوري، الذين لا يثقون بالغرب، وفي المقابل، لديهم رغبة كبيرة وعزيمة قوية على تدميرنا. هذه ليست أقوالاً عابرة فقط”. وبحسبه، فإن الخطة الإيرانية لتدمير إسرائيل تم تنفيذها عندما كان علي خامنئي هو المرشد الأعلى، ولكن نجله مجتبى أكثر إيماناً بها من والده.
أما الأزمة الحالية في العلاقة بين ترامب ونتنياهو في ظل اتفاق الاستسلام الذي وقعته الولايات المتحدة مع إيران ليست مفاجئة. فقد أجل نتنياهو صفقة الرهائن طوال عام 2024، بانتظار فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني، وحصل بالفعل على دعمه وحقق بعض الإنجازات بعد ذلك. لقد انحاز الرئيس في البداية إلى موقف رئيس الحكومة بشأن غزة، وأعطى الضوء الأخضر للهجوم الإسرائيلي الأول على إيران في حزيران السنة الماضية، وانجر وراء حماسة نتنياهو بشأن إمكانية تغيير النظام في طهران استعداداً للهجوم الثاني هناك في شباط الماضي.
لا حاجة إلى المجاملة
في ظل تجاهل ترامب العلني، والخوف من عرقلة اتفاق المساعدات الأمنية الأمريكية القادمة، المقرر دخوله إلى حيز التنفيذ في 2028، يعد نتنياهو ذريعة لنفسه؛ ففي هذا الأسبوع، خلال اجتماع مع دورة ضباط احتياط في “غوش عصيون”، صرح: “أقدر جداً الدعم الذي حصلنا عليه من الأصدقاء الأمريكيين، ولكننا بحاجة إلى التحرر من التبعية وبناء نظام تسلح مستقل خاص بنا”. هذه الأقوال تضاف إلى تصريحات سابقة كثيرة في نفس الاتجاه، فضلاً عن محاولة نتنياهو تصوير إسرائيل كـ “إسبرطة عظيمة” في المستقبل، كما وصفها، بعد إملاءات ترامب السابقة في صفقة الرهائن الأخيرة.
يجري رئيس الحكومة في الخفاء نقاشات كثيفة في محاولة هي الأولى من نوعها لتحديد ميزانية الدفاع للعقد القادم. وقد تم إسناد هذه المهمة لرئيس هيئة الأمن القومي الذي تم تعيينه حديثا، شموئيل بن عزرا. ومثلما هي الحال مع التعيينات العليا التي يسعى نتنياهو إلى ترسيخها والتشريعات المعادية للديمقراطية التي يسوقها لخدمة مصالحه الضيقة ومصالح شركائه في الائتلاف، فثمة منظور بعيد المدى لا يشير إلى نية الانسحاب من الساحة السياسية في أي وقت قريب.
يتحدث نتنياهو في النقاشات عن ميزانية خيالية، تبلغ 130 مليار شيكل، أي ضعف ميزانية الدفاع قبل الحرب الحالية. وتهدف هذه الميزانية الضخمة نسبياً إلى تعويض الانخفاض المتوقع في المساعدات الأمريكية، لكنها تهدف أيضاً إلى تمويل عدد كبير من أيام الاحتياط وزيادة إنتاج الصواريخ والأسلحة الأخرى. ويفترض أيضاً أن تمول هذه الزيادة ما يصمم عليه نتنياهو في ضوء الفشل الذي لا يعترف به في الحملة الحالية في إيران، وهو الحفاظ على قدرة الضرب في المستقبل هناك. كيف يتلاءم هذا مع وجود دولة تهتم برفاه مواطنيها؟ باستثناء الشعارات التي تشبه شعار “سوبر إسبرطة”، لم نحصل على أي رد حتى الآن.
يصف عاموس جلعاد التدهور المستمر في الضفة الغربية، لا سيما فيما يتعلق بعنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، بأنه تطور يتسبب بضرر كبير للعلاقات مع الولايات المتحدة. وقال: “إن القضية الفلسطينية تقوض مكانتنا مثلما يفعل القرش. إن تجنب التعامل مع الإرهاب اليهودي سيضر بنا في نهاية المطاف، رغم ان الأحداث هناك لا تثير اهتمام أي أحد تقريباً في إسرائيل. علاقاتنا مع أمريكا تتضرر، ونحن من يحتاج إلى دعم ترامب وليس العكس”.
هم لن يقرروا
في هذا الأسبوع، أوضح وزير الدفاع النقاط الرئيسية لسياسة إسرائيل في جنوب لبنان: الجيش الإسرائيلي سيبقى في منطقة أمنية لإبعاد التهديد عن مستوطنات الشمال، وسيتم تدمير القرى اللبنانية في المنطقة ولن يتمكن سكانها من العودة إليها. عملياً، مشكوك فيه أن يكون لكاتس رأي في هذا الأمر؛ فقرار انسحاب إسرائيل من هناك لا يعتمد عليه، ولا على نتنياهو أيضاً، فالقرار بيد ترامب وحده، الذي منح إيران وباكستان موطئ قدم في الآلية الجديدة لمنع الاحتكاك التي يتم إنشاؤها بحسب الاتفاق في لبنان. وإسرائيل ليست عضوة في هذا المنتدى.
أيضاً تم عقد محادثات مباشرة بين الوفد الإسرائيلي والوفد اللبناني هذا الأسبوع في واشنطن. وأشار السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة يحيئيل ليتر، وبحق، إلى أن المفاوضات التي تم إرساله إليها تجرى مجدداًفي وقت أصبح فيه الوضع على وشك الانهيار. وألمح السفير إلى الواقع السياسي: إسرائيل لا تملك القدرة الحقيقية على فرض بنود الاتفاق، لأنه سيتم تحديدها بدرجة كبير في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. لذلك، فمن غير الغريب وجود تقارير تفيد بعدم إحراز أي تقدم في المحادثات في واشنطن.
والحكومة تضلل الرأي العام في إسرائيل حول الوضع السائد على أرض الواقع في لبنان. بعد دخول وقف إطلاق النار إلى حيز التنفيذ في إيران ولبنان، تقلصت صلاحيات الجيش الإسرائيلي العملياتية في لبنان بشكل كبير. ولم يبق أمام القوات إلا خيار إزالة أي تهديد مباشر لها أو لمستوطنات الشمال. وقد وصف رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت، الذي في العادة يتحدث مباشرة مع القادة والمقاتلين على الجبهة، الوضع بدقة، في حين حاول وزراء الحكومة التغاضي عنه في تصريحاتهم، بل ذهب بعضهم إلىحد الادعاء بأن الجيش الإسرائيلي يتمتع بحرية عمل فعلية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات يحكم رئيس الحكومة قبضته على الموقف: يسيطر على الذاكرة والرواية المحيطة بالفشل والمسؤولين عنه، ويحقق أقصى قدر من السيطرة على المؤسسة الأمنية.
في ظل غياب القتال الفعلي حالياً، ينشغل الإعلام بالدراما التي نشأت حول مجمع حزب الله تحت الأرض في قرية تبنيت، شمال قلعة شقيف. ويضم الموقع مقر الجبهة الجنوبية لحزب الله وقوة “بدر” التابعة له. وحسب الجيش الإسرائيلي، ما زال عشرات عناصر حزب الله يتحصنون هناك. بتقدمها شمالاً، أنشأت القوات الإسرائيلية ما يشبه جيباً معزولاً أو “أصبعاً” بعيداً نسبياً عن المنطقة التي سيطرت عليها في السابق، مايضعها في موقف تكتيكي غير موات.
يتحدث بعض الضباط الذين يقدمون إحاطات إعلامية عن نصر عسكري هناك، لكن في الواقع لم يبق إلا أسبوع واحد على نهاية الحرب. إضافة إلى ذلك، مشكوك فيه إمكانية استخدام تبنيت كأداة ضغط في ظل المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. تحتاج إسرائيل إلى تحديد توجهها في لبنان بسرعة. قد يكون من الأفضل لها الانسحاب من جزء من المناطق بمبادرة منها، بدلاً من انتظار فرض ذلك عليها وتفسيره بأنه إنجاز آخر للنظام الإيراني، بفضل الرئيس الأمريكي.
لكن من الذي يهتم، سيصادف الأسبوع القادم مرور ألف يوم على الحرب، التي بدأت بالمذبحة في الغلاف. ستتجاهل الحكومة التي تفضل تسمية هذه الحرب بـ “حرب النهضة” هذه المرحلة. ولكن مئات العائلات الثكلى المتوحدة في “مجلس أكتوبر”، ستحيي ذكرى المذبحة في فعاليات احتجاج في كل أرجاء البلاد، وسيكون على جدول الأعمال طلب وحيد، سيبذل نتنياهو قصارى جهده لإحباطه، وهو تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة للتحقيق في المذبحة وفي الحرب.
في هذا الأسبوع، في إطار جهود الائتلاف للحفاظ على التحالف بين الليكود والأحزاب الحريدية، وردت أنباء عن تبلور اتفاق: تمرير قانون الإعفاء من الخدمة مقابل تشكيل لجنة تحقيق سياسية لخدمة نتنياهو. ويبدو أن الجهاز الأمني الوحيد الذي لم يرسخ نتنياهو سيطرته الكاملة على قيادته العليا هو الجيش الإسرائيلي. رئيس الأركان، إيال زامير، هو الشخص المنعزل جداً في قيادة الدولة. الجنرالات تحته يرون كيف أن اثنين من أصدقائهم في المنتدى، دافيد زيني ورومان غوفمان، قفزا بسهولة عن سلم التراتبية الهرمي المقبول وحصلا على مناصب رفيعة جداً بفضل نتنياهو. لا يوجد في إسرائيل جهاز ينشغل أكثر من الجيش الإسرائيلي في مسألة الترقية الشخصية والعثور على طريق قصيرة للتقدم.
عاموس هرئيل
هآرتس 26/6/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *