لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعدته فيفيان نيريم، قالت فيه إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران غيرت، وبعد ثلاثة أشهر، دول الخليج إلى الأبد.
وقالت إن سكان الخليج ظلوا، وعلى مدى العقود الماضية، بعيدين عن حروب المنطقة، وتابعوها عبر شاشات التلفاز، فقد كانت الحروب تندلع في دول الجوار، في اليمن وسوريا وغزة، إلا أنها لم تكن تصل إليهم.
وتبدد هذا الوهم مع اندلاع الحرب الأخيرة ضد إيران، حيث زعزعت شعور هذه الدول بالأمن، وأضعفت اقتصاداتها الغنية بالطاقة، ودفعتها إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية، وجعلت القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها أهدافا لآلاف الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، بدلا من حمايتها.
يخشى الكثيرون في دول الخليج من الاتفاق الذي يجري التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران، وأنه لن يخفف من حدة التهديد الذي تشكله إيران عليهم
ومع توقف القتال، على الأقل في الوقت الحالي، يخشى الكثيرون في دول الخليج من الاتفاق الذي يجري التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران، وأنه لن يخفف من حدة التهديد الذي تشكله إيران عليهم، بحسب المحللين.
وفي إشارة ضمنية إلى مخاوف الخليج، التقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذا الأسبوع عددا من القادة العرب في المنطقة، سعيا إلى طمأنتهم. وقال للصحافيين في الكويت، يوم الأربعاء، إن الولايات المتحدة “لن تفعل أي شيء يقوض أمن حلفائها”.
وتقول الصحيفة إن هذه التصريحات لا تكفي للتعبير عن حقيقة تغير دول الخليج إلى الأبد بسبب الحرب الأمريكية الأخيرة، فقد كشفت عن نقاط الضعف لديها، مما دفعها إلى تعزيز قوتها العسكرية وزيادة الإنفاق على المعدات العسكرية والدفاع.
وتعلق الصحيفة بأن هذا التوجه الجديد يمثل تحولا واضحا عن المشاريع الضخمة التي ميزت العقد الماضي في المنطقة.
ونقلت الصحيفة عن خالد الجابر، المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، وهو معهد بحثي في قطر، قوله: “لقد خلفت الحرب جرحا غائرا، وسيستغرق التعافي منه وقتا طويلا”.
وأضافت الصحيفة أن الصور التي خرجت من مدن خليجية مثل دبي والدوحة خلال الأشهر القليلة الماضية، بما في ذلك الانفجارات الهائلة والأبراج الفاخرة المحترقة، كانت في السابق ضربا من الخيال بالنسبة لمعظم سكانها.
وتجمع الآباء مع أطفالهم في الممرات، بينما كانت تنبيهات الصواريخ تدوي على هواتفهم.
وفي الإمارات، أغلقت المدارس لأسابيع، وفر بعض المقيمين الأجانب الأثرياء.
وكان الغزو العراقي للكويت، قبل أكثر من ثلاثة عقود، هو المقارنة التاريخية الوحيدة التي استند إليها الكثيرون في المنطقة.
وقال محمد بحرون، مدير مركز “بحوث” في دبي، إن الحرب أرست سوابق خطيرة في المنطقة، مشيرا إلى أن تصرفات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران خلقت “استخفافا باستخدام القوة الغاشمة”.
وبينما تتبنى كل حكومة نهجها الخاص تجاه إيران، يبدو أن الحرب قد وسعت الخلافات بين بعض دول الخليج، بدلا من توحيدها.
فقد عززت الإمارات تحالفاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولعبت قطر دور الوسيط الرئيسي في جهود التفاوض على اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وسعت السعودية إلى إبقاء خياراتها مفتوحة، محاولة التأثير على قرارات إدارة ترامب، مع الحفاظ على قنوات اتصال مع المسؤولين الإيرانيين.
أثارت عمان غضب الرئيس ترامب بانخراطها في محادثات مع إيران بشأن فرض رسوم خدمة محتملة في مضيق هرمز
وأثارت عمان غضب الرئيس ترامب بانخراطها في محادثات مع إيران بشأن فرض رسوم خدمة محتملة في مضيق هرمز، الممر المائي الذي تصدر عبره دول الخليج النفط والغاز.
وكان أحد أبرز التحولات الجذرية إغلاق إيران الفعلي للمضيق، ويخيم الآن على المنطقة خطر احتمال إغلاق إيران له مجددا، ونتيجة لذلك تعيد دول الخليج النظر في كيفية دخول وخروج النفط والغذاء والسلع الأخرى من وإلى أراضيها.
والسؤال الذي يلوح في الأفق وسط كل هذه التحولات هو: هل انتهى الصراع حقا؟
ورحب قادة الخليج بالاتفاق الذي أنهى الحرب، والتي كانت كارثية على بلدانهم، لدرجة أن قلة منهم أرادت استمرارها.
وفي اجتماع مجموعة السبع الأسبوع الماضي في فرنسا، وجه الشيخ محمد بن زايد، رئيس الإمارات، رسالة شكر إلى ترامب.
وفي الكواليس، يقول المحللون إن العديد من المسؤولين الخليجيين يشعرون بمزيج من الإحباط وخيبة الأمل تجاه حلفائهم القدامى، بمن فيهم الولايات المتحدة.
فلم يتطرق الاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران إلا قليلا إلى مخاوف حكومات الخليج، مثل ترسانة إيران من الصواريخ والطائرات المسيرة أو دعمها للجماعات الوكيلة.
وقد أبرزت زيارة روبيو هذا الأسبوع إلى الإمارات والكويت والبحرين هذه التوترات، حتى مع سعيه إلى التأكيد على حرص المسؤولين الأمريكيين على الأخذ بوجهات النظر المختلفة في المنطقة.
وفي يوم الخميس، وبعد اجتماع مع وزراء خارجية دول الخليج في البحرين، قال روبيو للصحافيين إنهم “أطلعونا على بعض المخاوف الملموسة للغاية”، وإنه تعهد بإشراك حكوماتهم “في كل خطوة” خلال المفاوضات مع إيران.
ولكن “هناك شعور في الخليج بأن الردع ضد إيران قد تراجع”، كما قال مهدي غلوم، الباحث البحريني، ما يعني أن التهديدات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران قد تكون أقل فعالية في المستقبل.
وبينما تضررت إيران بشدة جراء حملة القصف، نجت حكومتها في نهاية المطاف، واكتسبت خبرة في استخدام أدوات قوية، مثل سيطرتها على مضيق هرمز.
ونتيجة لذلك، قال غلوم إن الوقت حان لكي تنخرط دول الخليج في محادثات منفصلة مع إيران، وربما تسعى إلى إبرام اتفاقية عدم اعتداء مع جارتها.