باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية إنه بعد المجازر التي ارتُكبت في شهر أكتوبر الماضي في الفاشر، عاصمة شمال دارفور، تخشى الأسرة الدولية أن تسير مدينة الأُبيّض على المسار نفسه.
ففي نهاية الأسبوع الماضي، عبّرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والعديد من القوى الغربية عن قلقها من احتمال شنّ هجوم حاسم وشيك من قبل قوات الدعم السريع، التي تحاصر المدينة منذ عدة أشهر.
ومنذ استعادة العاصمة الخرطوم في مارس 2025، وسقوط الفاشر في أكتوبر، بدأت خريطة السودان تتجمّد تدريجياً، منقسمة إلى منطقتي نفوذ: الأولى في الغرب تسيطر عليها قوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي)، والثانية في الشرق والوسط تسيطر عليها القوات المسلحة بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان.
تكتسب مدينة الأُبيّض أهمية استراتيجية كبيرة، إذ تشكّل عقدة طرق تربط دارفور بالخرطوم، ما يجعلها هدفاً لكلا الطرفين. ومنذ بداية الحرب في شهر أبريل عام 2023، بقيت المدينة تحت سيطرة الجيش، الذي حفر خنادق دفاعية حولها.
ويشرح عامل إغاثة إنساني، طلب عدم الكشف عن هويته، أن قوات الدعم السريع كانت في بداية النزاع تسعى للسيطرة على هذا المحور لتأمين مرور قوافلها، ثم حاولت لاحقاً قطع الطريق على الجيش وحلفائه الذين كانوا يدافعون عن الفاشر.
ويضيف أن خسارة الأُبيّض بالنسبة للجيش ستُعدّ هزيمة كبرى على المستوى الوطني، وقد تعني تثبيت تقسيم البلاد. كما قد تستخدمها قوات الدعم السريع كقاعدة خلفية لمحاولة استعادة العاصمة، وهو هدف لم يتخلّ عنه حميدتي.
من جهته، يرى ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل، أن الحديث عن هجوم وشيك يجب التعامل معه بحذر، مشيراً إلى أن قوات الدعم السريع تشن هجمات متقطعة منذ فترة، ولا توجد مؤشرات على سقوط سريع للمدينة.
ويرى أن السؤال الأساسي هو ما إذا كانت قوات الدعم السريع تمتلك القوة الكافية لاختراق دفاعات الجيش القوية في الأُبيّض، موضحاً أن صور الأقمار الصناعية غير واضحة حالياً بسبب كثافة السحب خلال موسم الأمطار، مما يجعل من الصعب تقييم الوضع بدقة.
منذ عدة أشهر، أصبح الوصول إلى المدينة التي تضم مئات الآلاف من السكان محدوداً للغاية، ولا تكاد أي منظمة إنسانية تتمكن من العمل هناك. وقد أدى الحصار، والهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت محطات الكهرباء والمستشفيات ومخيمات النازحين، إلى تفاقم الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.
يحذر ريموند من ثلاثة مخاطر رئيسية في حال سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة: أولاً، قد يردّ الجيش بضربات جوية انتقامية تستهدف مناطق مدنية مكتظة. ثانياً، يؤدي الاكتظاظ خلال موسم الأمطار إلى زيادة خطر انتشار الأمراض، خصوصاً الكوليرا. وثالثاً، هناك خطر ارتكاب قوات الدعم السريع أعمال عنف ضد المدنيين.
رغم التحذيرات المتكررة من المنظمات الإنسانية والمجتمع المدني، لم يُتخذ أي إجراء لمنع المجازر التي أودت بحياة عشرات الآلاف من أبناء المجتمعات غير العربية في دارفور. وفي تقرير صدر في شهر فبراير 2026، خلصت بعثة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إلى أن “النية الإبادة الجماعية كانت الاستنتاج الوحيد المعقول” من سلوك قوات الدعم السريع خلال السيطرة على الفاشر.
ويرى عامل الإغاثة أن سيطرة قوات الدعم السريع على الأبيض قد تؤدي إلى أعمال عنف عرقي ومجتمعي، لكنها لن تكون على الأرجح بنفس حجم ما حدث في الفاشر، حيث كانت النية الإبادة واضحة.
ومع ذلك، يرفض مدير مختبر الأبحاث الإنسانية مقارنة حصار الفاشر بحصار الأبيض، موضحاً أن الأول كان حصاراً كاملاً، بينما ما يزال الجيش في الأُبيّض يسيطر على طريق إمداد.
ويتفق عامل الإغاثة مع هذا التقييم، مشيراً إلى أن الوضعين مختلفان تماماً، وأن تحذيرات المجتمع الدولي تعود جزئياً إلى الشعور بالذنب تجاه ما حدث في دارفور، حيث استمر الحصار هناك 18 شهراً وكانت أهداف قوات الدعم السريع واضحة منذ البداية.