ترامب قد ينجو من إهانة إيران أما نتنياهو فقد أصبح في طي المجهول ويواجه عواقب كوارثه في الشرق الأوسط


لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للمعلق في الشؤون الخارجية الدولية، سايمون تيسدال، قال فيه إن الرئيس دونالد ترامب قد ينجو من الإهانة الناجمة عن اتفاق السلام مع إيران، بخلاف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي قد لا ينجو.

وقال إن نتنياهو هو الخاسر الأكبر في اتفاق واشنطن المبدئي مع إيران، و”سيتم تذكره وشجبه باعتباره الرجل الذي أشعل فتيل الحرب في الشرق الأوسط، سواء أكانت “المشكلة” حماس في غزة، أو الاستيلاء غير القانوني على أراضي الضفة الغربية، أو ما يزعم أنه طابور خامس من العرب الإسرائيليين، أو مهاجمة أساطيل المساعدة التابعة لدعاة السلام، أو شن حرب ضد حزب الله في لبنان، أو الميليشيات المعادية في سوريا والعراق واليمن، أو قادة طهران الإسلاميين المتشددين، وفي كل هذا كان الحل الذي تبناه نتنياهو واحدا: العنف الخارج عن القانون بشكل زاد من الأمور سوءا”.

ويضيف تيسدال أن الحرب غير المبررة وغير القانونية ضد إيران هي المظهر الأوضح لعقيدة نتنياهو، والتي قامت على استخدام القوة الغاشمة بشكل غير متناسب، وقد فشلت، كما هو متوقع، أيضا.

ويقول تيسدال إن الرئيس دونالد ترامب حاول يائسا إقناع الناس بأن مذكرة وقف إطلاق النار التي وقعها في فرساي (يا للمفارقة! لأنها تذكر بترتيبات الحرب العالمية الأولى) ليست استسلاما وضعفا كما هو واضح جدا.

وربما نجا الرئيس الأمريكي من هذه الإهانة، رغم الشكوك والسخرية العالمية، إلا أن العواقب المحتملة لهذه النكسة على نتنياهو، حليفه في المحنة، خطيرة لدرجة أنها قد تنهي مسيرته السياسية.

ويعتقد تيسدال أن نتنياهو، الذي يعد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأطول خدمة، بات ومن عدة نواح رجلا من الماضي.

وقال إن إعلان نعيه السياسي يبدو وكأنه لائحة اتهام جنائية: فعلى مدى عقود، قاوم نتنياهو حل الدولتين مع الفلسطينيين، وفشل في منع هجمات حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ثم شن انتقاما إباديّا على غزة، كما تشبث بالسلطة بمنح سياسيين من اليمين المتطرف مناصب حكومية رئيسية، مما سبب عارا وخزيا لا مثيل له عليه وعلى إسرائيل.

كما قوض الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، الذي حظي بتأييد دولي، والذي أدى رفضه اللاحق من قبل ترامب الساذج مباشرة إلى الحرب الكارثية التي شنت هذا العام، والتي دمر من خلالها نفسه.

ويشير إلى أن هذه الأسباب مهمة، إلا أنها ليست السبب الرئيسي وراء دخول نتنياهو المجهول، وبرغم اقتراب الانتخابات في الخريف، فإن السبب نابع من تسميمه، وربما إضعافه بشكل قاتل، “العلاقة الخاصة” الحيوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

ولم يعد نتنياهو يتحدث مع ترامب إلا نادرا. ومهما كان الحال، فإن البيت الأبيض والرأي العام الأمريكي، الذي صدم واستاء بالفعل من حرب إسرائيل على غزة، يحملونه مسؤولية جر الولايات المتحدة إلى معركة خاسرة بناء على تنبؤات ساذجة ونصر سهل وانهيار سريع للنظام. وهو يواصل التخريب عبر مواصلة الحرب في لبنان.

ويضيف تيسدال أن العلاقة منذ إعلان إسرائيل عام 1948 شهدت توترات، بدءا من حرب السويس عام 1956، مرورا بالحروب التي خاضتها مع الدول العربية وخطط السلام والحدود والمستوطنات.

ولكن مع انتهاء الحرب الباردة وتبخر التهديد السوفيتي، تقاربت مصالحهما الاستراتيجية والأمنية، المدعومة بقيم ديمقراطية مشتركة.

وتزايدت المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل بشكل كبير، كما ازداد نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لها في واشنطن. وأصبحت الولايات المتحدة المدافع الرئيسي عن إسرائيل وحليفها الذي لا غنى عنه، وإسرائيل الشريك الإقليمي الأبرز لأمريكا.

وقد بدأ هذا التوافق بالتلاشي عام 2015 عندما شن نتنياهو ومنظمات مؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة حملة واسعة النطاق لعرقلة مساعي باراك أوباما للتقارب مع إيران.

وكتب جوشوا ليفر، كاتب عمود في صحيفة “هآرتس”: “فشلت حملة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في إيقاف الاتفاق النووي، بل هدمت ما تبقى من واجهة التوافق الحزبي. وسرعان ما بدأت الجماعات المؤيدة لإسرائيل تعمل علنا كجناح للحزب الجمهوري”.

وقد أدت ولاية ترامب الأولى إلى تعميق الاستقطاب السياسي، حيث تجاهل منظمة التحرير الفلسطينية، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعترف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان.

وأشار ليفر إلى أن “ترامب ربما يكون قد بذل جهودا أكبر من أي ناشط مؤيد للفلسطينيين في دفع الديمقراطيين العاديين بعيدا عن إسرائيل”.

ويقول تيسدال إن تصرفات نتنياهو اللاحقة زادت من تصدع الإجماع الحزبي الأمريكي القديم بشأن إسرائيل.

وتشمل هذه تبنيه السياسات القومية الشعبوية اليمينية المتطرفة، ودعمه للتوسع الإقليمي غير المقيد، والاستيلاء الاستيطاني على الأراضي الفلسطينية، وحروبه الفاشلة في غزة ولبنان، والآن إيران.

وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تحول مفاجئ، فللمرة الأولى يتعاطف عدد أكبر من الأمريكيين مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين.

ويتساءل الكثيرون فيما إذا كان التحالف هذا يخدم مصالح الولايات المتحدة، ويرغبون في وقف المساعدات العسكرية أو الحد منها.

ومن المفارقات أن الانتقادات الحالية، مثل الإشادة السابقة، تحظى بتأييد الحزبين، إذ تأتي من كل من التقدميين اليساريين ومؤيدي حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”.

وإذا صدقت التقارير التي تتحدث عن هجمات ترامب الشخصية البذيئة على نتنياهو “المجنون”، فإنها تعكس انهيارا أوسع في الثقة المتبادلة، وقد تكون للصدمات الناتجة عن ذلك عواقب جيوسياسية دائمة.

فبعد أن حقق ما لم يحققه أي من أسلافه، وهو جر الولايات المتحدة إلى حرب شاملة، أصبح نتنياهو الآن في قلب تطور غير مسبوق آخر: انقسام استراتيجي عميق بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويقول تيسدال إن الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه ترامب مع إيران أثار استياء واسعا بين الإسرائيليين، وليس فقط داخل اليمين.

فقد حظيت الحرب بتأييد شعبي كبير استنادا إلى وعود نتنياهو بالقضاء نهائيا على التهديد النووي والصاروخي الإيراني، وإضعاف حلفاء طهران الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله، وإحداث تغيير في النظام.

إلا أن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والأسوأ من ذلك، من وجهة نظر إسرائيل، أظهر النظام الإيراني المعاد تشكيله، والذي يهيمن عليه الحرس الثوري، جرأة وتحديا، وأوضح مثال على ذلك خطته لفرض رسوم عبور في مضيق هرمز.

وفي كلمته عقب قمة مجموعة السبع الأسبوع الماضي، فند ترامب بشدة الخطوط الحمراء التي وضعها نتنياهو.

وقال إنه يجب السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم، وأن يكون لها الحق في امتلاك صواريخ باليستية، وأن تعاد إليها مليارات الدولارات من الأصول المجمدة كجزء من رفع أوسع للعقوبات.

كما أيدت الولايات المتحدة مطلب إيران بوقف فوري ودائم لإطلاق النار في لبنان، وهو موقف أكده نائب الرئيس جي دي فانس الذي أمر نتنياهو غاضبا بوقف القتال والالتزام بالاتفاق.

وحذر فانس بنبرة تنذر بالسوء من أن الولايات المتحدة هي “الحليف القوي الوحيد” المتبقي لإسرائيل، وبأي مقياس تقليدي، تعد هذه المواجهة المفتوحة كارثية على إسرائيل.

ويعلق تيسدال أن نتنياهو يجد نفسه في مأزق، فإذا حاول إظهار سيادته وحرية تصرفه بتحدي ترامب، فقد يستفز إيران لإشعال الحرب من جديد، مما قد يفشل اتفاق السلام.

وبعد انسحاب طهران من محادثات المتابعة يوم الجمعة في سويسرا بسبب الضربات الإسرائيلية على حزب الله، ادعى مسؤولون أمريكيون أن الجانبين اتفقا على إعادة العمل بوقف إطلاق النار السابق.

ومع ذلك، إذا خضع نتنياهو بسهولة لإملاءات ترامب، لا سيما فيما يتعلق بالانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية، فقد يفقد ما تبقى له من مصداقية لدى الناخبين وحلفائه من اليمين المتطرف.

وفي كلتا الحالتين، من غير المرجح أن تتعافى “العلاقة الخاصة” بسرعة.

وعليه، فالتداعيات المحتملة لهذا الشرخ ستكون مذهلة.

وربما بات هذا الانقسام نهاية ما يعرف بـ”الخصوصية الإسرائيلية”، وانهيار حلم نتنياهو بإسرائيل الكبرى كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط، وبالتالي نهاية الدعم الأمريكي المطلق والمساعدات العسكرية غير المشروطة.

وقد يهدد آمال توسيع اتفاقيات إبراهيم التي أبرمها ترامب لتشمل السعودية ودول الخليج الأخرى التي تعيد تقييم ولاءاتها بعد الحرب.

فقد فشلت خطة ترامب الظالمة للسلام في غزة فشلا ذريعا.

وقد تكون هذه اللحظة التي تخف فيها عزلة إيران أخيرا وتعود طهران إلى الساحة الدولية.

والأهم من ذلك، أن إسرائيل ستكون أقل أمانا، لا أكثر.

فقد راهن نتنياهو بكل شيء على نصر شامل يعزز إرثه على خصمه الإيراني، لكنه خسر خسارة فادحة، والآن عليه أن يتحمل عواقب أفعاله.

ويقول: “لا تثر المزيد من المشاكل أو الأعذار يا بيبي، لا تنتظر أن تجبر على الاستقالة أو تجبر عليها. قدم استقالتك”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *