تعد ظاهرة التوريث السياسي من بين أبرز الظواهر السياسية والاجتماعية التي تميز الحقل السياسي بالمغرب، وبذلك تستحوذ العائلات السياسية على عدد كبير من المقاعد البرلمانية، كما أنها تحتكر القرار الانتخابي وتسهم في تدويره بين عائلات بعينها، وتسهم في عرقلة المسلسل الديمقراطي والحد من قيم الديمقراطية من قبيل التعددية والمنافسة والشفافية وإنتاج الزبونية الانتخابية.
للاقتراب أكثر من الموضوع، نطرح مجموعة من الأسئلة على الدكتور عبد المنعم لزعر، أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط؛ تتركز اهتماماته البحثية على القانون البرلماني والممارسة البرلمانية والانتخابية بالمغرب.
في هذا الحوار مع «القدس العربي»، يسلط الدكتور لزعر، الضوء على ظاهرة التوريث السياسي ويفكك أصولها الاجتماعية والثقافية، كما يبرز مدى إسهامها في انتشار الزبونية الانتخابية والاحتكار السياسي للسلطة وانعدام شروط المنافسة الشريفة من قبل بعض العائلات، كما يبزر الفرق بين سلوك الناخب المغربي في اختيار ممثليه في مجلسي البرلمان، ويسعى من خلال هذا الحوار إلى توضيح مسؤولية الأحزاب في تكريس ظاهرة التوريث السياسي وتأثيرها السلبي على المشهد الانتخابي.
○ هل يمكن اعتبار ظاهرة توريث المقاعد البرلمانية في المغرب شكلاً من أشكال إعادة إنتاج النخب السياسية؟
• بداية يجب الإشارة إلى أن توريث المقاعد البرلمانية هو تعبير من تعبيرات ظاهرة سياسية أعمق وأشمل هي ظاهرة العائلات الانتخابية والسياسية التي أصبحت تهيمن وتسيطر وتتمدد مع مرور الزمن وتوالي الاستحقاقات الانتخابية على مساحات واسعة من اللعبة الانتخابية محليا ووطنيا أفقيا وعموديا سياسيا وتمثيليا، بمعنى أن توريث المقاعد البرلمانية ينظر إليه كأحد تعبيرات هذه الظاهرة وإحدى إفرازاتها وأدوات اشتغالها، وهي ظاهرة تتحرك عبر آليات متعددة من قبيل التوريث والاحتكار والاستثمار السياسي وغلق الامكانات أمام باقي المنافسين، هذه العائلات يتم إعادة إنتاج نفوذها وهيمنتها عبر التوريث والتمدد التمثيلي العائلي، في حين يؤدي الاحتكار التمثيلي واحتكار الموارد من قبل هذه العائلات إلى نهاية التنافس الانتخابي والصراع على السلطة.
○ أين ينتهي الحق الديمقراطي في الترشح وأين يبدأ منطق الوراثة السياسية؟
• الحديث عن الديمقراطية يستدعي ثلاثة عناصر أساسية على الأقل تعمل بشكل متناغم، أولا مجموعة من المقولات القيمية والنظرية من قبيل الحرية، المنافسة، التعددية، التنافس، التناوب، المعارضة، وغيرها، وثانيا مجموعة من الترتيبات المؤسساتية والمعيارية والسياسية والإجرائية، وأخيرا طبيعة الخصوصيات الثقافية والمجتمعية، مجموع هذه العناصر تعمل بتناغم وتكامل، قد تحفز بعض البيئات الثقافية والاجتماعية ظواهر معاكسة للديمقراطية لكن العناصر المؤسساتية والمعيارية والإجرائية يجب أن تتدخل لحماية فرص بقاء الديمقراطية، على هذا المستوى يلاحظ بأن العائلات السياسية في التجربة المغربية أصبحت تتحكم في قواعد اللعبة بل وأصبحت تشكل قواعد جديدة ومنطق جديد للممارسة الانتخابية بحيث يلاحظ أن آليات توريث المقاعد والمناصب التمثيلية وتمديدها أصبحت تتسع في مقابل انحصار منطق التداول والتناوب والتنافس على السلطة، ما أود قوله هنا، هو أن الديمقراطية الكاملة لا يمكنها أن تتعايش مع العائلة السياسية الكاملة، حيث تنتهي الديمقراطية عندما تعطل آليات اشتغالها وتتغول العائلة السياسية عندما تعوض آليات اشتغالها آليات اشتغال الديمقراطية، طبعا هناك هامش للتعايش بين الاثنين حيث لا تتحول العائلة إلى خصم للديمقراطية ولا تتحول الديمقراطية إلى خصم للطموحات العائلية.
○ ألا يمكن اعتبار أن هذه الظاهرة تعكس قوة العائلة داخل الحقل السياسي أم ضعف المؤسسات الحزبية؟
• يجب التأكيد هنا على التحولات التي عرفتها وتعرفها الممارسة الانتخابية في التجارب الدولية المقارنة والتي تحيل إلى تراجع الرهان على الأحزاب السياسية مع بروز الرهان على الشخصيات السياسية، لكن في التجربة المغربة تجاوزنا هذا التحول وبدأ المشهد يؤسس لتحول عميق دراماتيكي ينقل المشهد من الرهان على الشخصيات إلى الرهان على العائلات الانتخابية والسياسية، على هذا المستوى تبرز مخاطر مزدوجة، على مستقبل التجربة الحزبية وعلى مستقبل تبيئة قيم التنافسية الانتخابية، العائلة الانتخابية تستثمر كما قلت في التوريث والاحتكار والإقصاء وغلق المنافسة، وهذا هو سر قوتها واستمرارها، وبذلك، يمكن القول إن قوة بعض العائلات أصبحت تتجاوز قوة بعض الأحزاب السياسية، هذه القوة ما كان لها أن تتجدر وتتعمق بدون وجود تسامح معياري وسياسي وبدون استراتيجيات متواصلة لتبخيس العمل الحزبي وإضعاف تأثيره.
○ إلى أي حد يمكن الحديث عن وجود عائلات سياسية بالمغرب شبيهة بالسلالات السياسية في الديمقراطيات العالمية مثل فرنسا وأمريكا؟
• البعد العائلي والاستثمار في العائلة كان وما زال إحدى سمات المجتمع المغربي بمختلف فئاته، الذي يمنح مؤسسة العائلة الأولوية على حساب باقي المؤسسات، وتساهم الثقافة والمؤسسات الاجتماعية والسلوكيات الاجتماعية في تعزيز هذه السمات، هنا نستحضر العديد من الأمثال الشعبية التي تؤكد مركزية العائلة في التاريخ والحاضر المغربي من قبيل «حرفة بوك لا يغلبوك»، كما أن الدراسات السوسيولوجية تستحضر تعبيرات توريث المهن والرساميل النوعية لجيل الأبناء والأحفاد، إذن نحن أمام تاريخ وإرث متجذر، أفرز شبكات عائلية مهيمنة ومترابطة عبر متصل القرابة والنسب، أصبحت تتحرك على المستوى الاقتصادي والسياسي والتمثيلي وحتى المهني، ما أود قوله هو أن لكل تجربة خصوصيتها، والتجربة المغربية تختلف عن باقي التجارب المقارنة، وهي ما زالت تحتاج إلى العديد من الأبحاث للتعرف على ما هو مخفي تحت الحجر.
○ كيف يفسر علم الاجتماع السياسي انتقال الرأسمال السياسي من الآباء إلى الأبناء؟ هل يشكل الاسم العائلي رأسمالاً رمزياً يمنح أفضلية انتخابية؟
• كل عائلة سياسية تستند للوصول على المركز إلى شبكة زبائنية ممتدة أفقيا وعموديا، ومن أجل ضمان استمرار نفوذ العائلة تستثمر في جملة من الرساميل المادية والنوعية، امتيازات، خدمات قرب، وساطات، تدخلات، وغيرها، وتكامل مركزية العائلة مع فعالية الشبكة الزبائنية يؤدي إلى بناء العائلة المؤسسة التي تتغذى على شبكة ولاءات تحتية غنية وعميقة، كل هذا يحول العائلة إلى مؤسسة بعلامة تجارية سياسية جذابة، يختصرها الاسم، الأهم هنا ليس هو الاسم، ولكن الأهم هو تتبع المصادر التي أسهمت في شحن الاسم بالطاقة السياسية والتمثيلية.
○ وما دور الشبكات الزبونية المحلية في استمرار العائلات داخل البرلمان المغربي؟ وهل الناخب يصوت للبرنامج أم للانتماء العائلي؟
• بناء النفوذ السياسي والانتخابي قد يبدأ من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل، المهم أن يتم الربط بين المركز والمحيط أو بين المحلي والوطني، عبر هذا الربط تتصل الشبكة الزبائنية الوطنية مع الشبكة الزبائنية المحلية، بدون هذا الربط وبدون فعالية هذه الشبكات وبدون الاستفادة من دعم السلطة وامتيازاتها، تسهيلات، صفقات، إعفاءات، تفويتات، يصعب بناء عائلة سياسية نافذة، وبدون سلع وخدمات قابلة للرسملة في السوق الانتخابي يصعب تشكيل ولاء انتخابي قار وجذب المصوتين لصندوق الاقتراع، في نهاية المطاف هناك جانب من الناخبين يصوت للسياسات وهناك جانب آخر يصوت للشخصيات، وهناك جانب آخر يصوت تحت تأثير ولاء نفعي مع عائلة سياسية أو انتخابية، كل ناخب ينجذب إلى مركز الطاقة الذي يلبي احتياجاته.
○ هل هذه الظاهرة مرتبطة بالمجال القروي أكثر من المجال الحضري؟
• عندما أقول بأن الاستثمار في العائلة والرصيد النوعي للعائلة تعد خصوصية مجتمعية، فهذا يعني أنه لا توجد فروقات بين النخب الحضرية والنخب القروية، جميع هذه النخب تشتغل بنفس الآليات وتسعى لنفس الهدف وهو الهيمنة السياسية والانتخابية، لدينا العديد من العينات الحضرية استثمرت في التوريث والتمدد العائلي، ومن هذه العوائل، الفاسي الفهري، اليازغي، لشكر، السنتيسي، الأزرق، بنخلدون، رفوش، حجيرة، أفيلال، وعائلة البحراوي. والقائمة طويلة وبالمقابل هناك عائلات قروية استثمرت بدورها في التوريث والتمدد العائلي من قبيل عائلة عبو، لحموش، المحارشي، الراضي، غريب، بنزروال، أحيزون، وغيرها.
○ هل الأحزاب المغربية تنتج نخباً جديدة أم تعيد تدوير نفس العائلات؟ هل ضعف الديمقراطية داخل الأحزاب يساهم في توريث الترشيحات والتزكيات الحزبية؟
• على هذا المستوى يلاحظ ثلاثة مسارات الأول، يهم الاستثمار في نخب محترفة برصيد انتخابي نوعي وهنا نستحضر العائلات السياسية ومحترفي الانتخابات، هذه النخب تكون لها الأفضلية دائما في الحصول على التزكية وتكون موضوع صراع ويكشف لنا الترحال الذي ينتعش على هامش كل انتخابات تشريعية بعض تعبيرات هذا الصراع، ثم هناك مسار آخر يهم الاستثمار في نخب تفتقر إلى الرصيد النوعي مع غياب التجربة والرصيد الانتخابي وعادة ما يتم الانفتاح على هذه النخب لخدمة رهان تغطية الدوائر الانتخابية، في حين يشير المسار الثالث إلى مناضلي الأحزاب السياسية، على المستوى الكمي، تشير الأرقام إلى أن النسبة الأولى من المدمجين في الانتخابات عبر مسطرة الترشيح تهم نخب المسار الثاني، يليها نخب المسار الأول ثم أخيرا نخب المسار الثالث، لكن المسار المؤثر في اللعبة هو نخب المسار الأول، أما نخب المسار الثاني والثالث فهدفها هو خدمة رهان التغطية الانتخابية للدوائر الانتخابية، لكن أحيانا يقود المسار الثاني والثالث إلى إفراز نخب جديدة تندمج مع مرور الوقت في رهانات وصراعات المسار الأول.
○ هل الظاهرة مؤشر على أزمة الوساطة السياسية بين المجتمع والدولة؟
• كما قلت ظاهرة التوريث والتمديد العائلي ترتبط بخصوصية وطبيعة المجتمع، وتغول العائلات السياسية يعني بأن المجتمع والدولة معا فشلا في تبيئة قيم ومؤسسات وتعبيرات الديمقراطية، وهذا الفشل ولد أزمات، أزمة التمثيلية، الثقة، أزمة الوساطة…وغيرها، وبالتالي فإن الحل هو الرهان على الديمقراطية وليس الرهان على العائلات السياسية والاستثمار في الأحزاب السياسية بدل الاستثمار في الشخصيات والعائلات السياسية.
○ هل القانون الانتخابي المغربي يشجع بشكل غير مباشر على استمرار العائلات السياسية؟
• لا يمكن الحديث عن انتخابات بدون إطار معياري- قانوني يضبط تعبيرات اللعبة الانتخابية ويضمن حدا أدنى من ارتباط هذه التعبيرات بالمصادر المؤسسة للديمقراطية، لكن الرهان على المعايير الدستورية والقانونية لوحدها يظل غير كافي لتبيئة قيم الديمقراطية وضبط الانتخابات على ميزان هذه القيم، بل يحتاج الأمر إلى نخب سياسية تؤمن بجدوى هذه القيم وفائدتها وضرورتها للحياة السياسية والانتخابية، بدون هذه الإرادة سيكون هناك تنافر معرفي وسياسي عميق بين المعايير القانونية والممارسة الانتخابية والسياسية.
○ ختاما، هل صعود وسائل التواصل الاجتماعي سيكسر احتكار العائلات للمجال البرلماني؟ وهل يمكن أن يظهر جيل سياسي جديد خارج منطق الأسماء العائلية؟ وما الإصلاحات الممكنة لضمان تجديد النخب السياسية في المغرب؟
• بداية يجب الإشارة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤسس لنسخة ثانية من المشهد السياسي والانتخابي، ولكن هذه النسخة تتحرك على مستوى الرهانات وأدوات الاشتغال والتأثير بعيدا عن النسخة التقليدية من المشهد السياسي والانتخابي، وأبرز فاعل معمق للفجوة بين الافتراضي والواقعي هو قيد التسجيل في اللوائح الانتخابية، وجود فئات عريضة من الشباب خارج الجسد الانتخابي يجعلهم خارج دوائر التأثير الفعلي عبر الترشيح والتصويت، وبالتالي، فالمدخل الأول للحد من احتكار العائلات السياسية هو الاستثمار في السياسة كمعنى، والتنافس كرهان، وربط السياسة بقيم الديمقراطية كخيار، مع الاستثمار المؤسساتي والمجتمعي في قيم المنافسة والشفافية والنزاهة وحياد السلطة، بعد ذلك يمكن للحركات البسيطة أن تشكل كرة الثلج العظيمة الدافعة للتغيير.