حين تستذكر جنوب أفريقيا ماضيها الثقيل كي لا يتكرر



عبد الله مولود

نواكشوط ـ «القدس العربي»: في مدينة جوهانسبرغ، يبرز متحف الأبارتهايد بوصفه أحد أهم فضاءات الذاكرة التاريخية في جنوب أفريقيا، وواحدًا من أكثر المتاحف قدرة على إرباك الزائر وإشراكه في سردية الألم والاعتراف.
افتُتح هذا الصرح عام 2001 قرب مجمع «غولد ريف سيتي»، ليؤرخ لفترة من أشد فترات التاريخ المعاصر قسوة، حين تم تقنين الفصل العنصري رسميًا سنة 1948 على يد حزب «الوطنية»، واستمر حتى سقوطه عام 1994 مع ميلاد الدولة الديمقراطية متعددة الأعراق.
ومنذ اللحظة الأولى، لا يترك المتحف للزائر فرصة الاكتفاء بالمشاهدة؛ فبطاقات الدخول تُوزَّع بشكل عشوائي بين «أبيض» و«غير أبيض»، ليُجبر الزائر على المرور عبر مداخل ومسارات منفصلة، في محاكاة مباشرة لبنية التمييز التي حكمت البلاد لعقود.
ويشكل هذا الأسلوب الصادم مدخلًا نفسيًا قويًا لفهم طبيعة النظام الذي قام على تقسيم البشر قانونيًا على أساس اللون.
ويمتد المسار الداخلي للمتحف عبر 22 قاعة عرض، تتداخل فيها الصور الفوتوغرافية والأفلام الوثائقية والمواد الأرشيفية مع شهادات صوتية وتجارب عرض تفاعلية. ولا يكتفي المتحف بسرد القوانين العنصرية، بل يغوص في تفاصيل تأثيرها اليومي على حياة السود والملونين والهنود في جنوب أفريقيا. وتبرز هنا مشاهد التهجير القسري، وقوانين «تصاريح المرور»، وأشكال الإذلال المؤسسي، إلى جانب محطات دامية مثل مجزرة شاربفيل عام 1960 وانتفاضة طلاب سويتو عام 1976.
وتحتل سيرة نيلسون مانديلا حيزًا واسعًا داخل المتحف، حيث تُعرض مسيرته من مناضل في صفوف الحركة المناهضة للأبارتهايد إلى قائد مرحلة الانتقال الديمقراطي وأول رئيس أسود للبلاد. وتُبرز الوثائق والصور والمواد السمعية والبصرية سنوات الاعتقال الطويلة التي امتدت 27 عامًا، ثم دوره الحاسم في المفاوضات التي أنهت النظام العنصري وأرست أسس التسوية السياسية.
كما يلعب التصميم المعماري دورًا أساسيًا في التجربة المتحفية، إذ تعكس الممرات الضيقة والإضاءة الخافتة والفراغات المغلقة أجواء القمع والاختناق السياسي الذي طبع تلك المرحلة. ومن بين أكثر الأعمال تأثيرًا، تركيب فني يضم 131 حبلًا معلقًا، يرمز إلى ضحايا الإعدامات التي طالت معارضي النظام بموجب قوانين مكافحة «الإرهاب» آنذاك.
وخارج جدران المتحف، تمتد رسالة أخرى ذات بعد رمزي، حيث تقف «أعمدة الدستور» شاهدة على القيم التي أرستها الدولة بعد التحول الديمقراطي: الحرية، المساواة، الكرامة، التنوع، والمسؤولية الجماعية.
وهكذا يتحول المتحف من مجرد فضاء للعرض التاريخي إلى منصة للتأمل في معنى العدالة، وحدود الإنسان مع ماضيه، وإمكانية بناء مستقبل لا يعيد إنتاج المأساة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *