«ذهولٌ قبل النَّسف، يليهِ هدوءُ البحيرة»


باريس ـ «القدس العربي»: «ذهولٌ قبل النَّسف، يليهِ هدوءُ البحيرة» كتاب ثالث للشاعر والروائي السوري سليم بركات، يستكمل به مشروعه في «النثر»، بعد كتاب «التعجيل في قروض النثر»، 2010؛ وكتاب «تأليب المعاني على أصولها، وتصعيدُ المَطَالِب بحقوق النثر»، 2024. وقد وضع بركات للكتب الثلاثة صفة «نصوص» للتعريف بمحتوياتها، بما يفرقها عن الشعر. وللنصوص مسيرة الخيال النثري في أكثر لحظاته تكثيفاً، مقترنة أيضاً بقبسات من أكثر لحظات الشعر المكثَّفة في أعماله.

إنه يعيد إلى النثر ما يليق به من البلاغة والأناقة، كما في:
«مذهلاتٌ هؤلاءِ النساءُ دخلنَ بقباقيبهنَّ إلى الأشعارِ؛
تحجَّبْنَ بالأشعارِ
ارتديْنَها واختبأنَ ـ لا يكشفهنَّ إلاَّ صدى قباقيبهنَّ يردِّدهُ النثر».
أو كما يكرر بركات في موضع آخر:
«مذهلاتٌ أولاءِ النجومُ في أقنعةٍ من بلاغةِ النثرِ،
«شُرَطياتُ سَيْرٍ على المَفَارقِ المزدحمةِ بمرْكباتِ الشِّعر».
معروفٌ عن الشاعر قصائده الطويلة، حيث تستغرق القصيدة الواحدة كتاباً كاملاً أحياناً. وآخر مجموعة شعرية له، «التحرُّشُ بالرعد»، احتوت على ثلاث قصائد لها علاقة بالأمكنة، ومُلفت أن عنده كتاباً شعرياًّ واحداً خارج سرب القصائد الطويلة، هو «الشظايا الخمسمائة».
قد يبدو بركات أكثر اختزالاً للجُمل في هذا الكتاب، وثمة كثافة تُقارب الشعر وتتداخل فيه. لكنه يصنف السطور تحت عنوان «نصوص». ربما لا يهم كثيراً أين علينا البحث عن إبرة الشعر في بيدر النثر، فالأمرٌ شبيه بعبارته التي يبدو فيها الشعر والنثر هائلين: «مذهلٌ هذا البحثُ عن الأرضِ في أكوامٍ من قشِّ الكون».
كلمة «الذهول» بكل صياغات الضمائر من المفرد والجمع، والتذكير والتأنيث، هي مطلع الفقرات التي تتكون أحياناً من سطر واحد ومن سطرين ومن ثلاثة. إلاَّ في موضعين طويلين أحدهما عن «الأصوات» التي لا يترك وصفاً لم يصفها به في طرافةٍ مجنونة. والآخر هو نهاية الكتاب حيث تجري الجُمل كالهذيان («هذيانٌ مذهلٌ مُسْتلْطَف»، كما يقول النص)؛ قبل أن يصير الهذيان كأنه «ذهولٌ مستلْطَفٌ قبل النَّسْفِ يليه ذهولُ البحيرة».
المنطق مختلف في العنوان: الذهولُ يجيء بعد النسف عادةً. يصيبُ الناسَ ذهول بعد الانفجارات. وبركات يريد «حقوقاً للنثر» خارج المنطق المرافق للأحداث الواقعية، والذهول عنده يسبق الانفجار، وبعد الانفجار تحصل البحيرة على هدوئها.
ما هي بحيرة بركات النثرية هنا؟
معروف أن الشاعر والروائي يعيش في ضاحية قرب العاصمة السويدية هي عبارة عن غابة كبيرة جداًّ ممتدة على مساحات شاسعة توجد فيها بحيرات، من أشهرها بحيرة أودن إله الفايكنغ الأسطوري المحارب، الذي ينبغي على أتباعه المحاربين أن يموتوا بسيوف في أيديهم. من غير سيف لن يدخل المؤمنُ المحارب جنة فالهالا المعروفة في أساطير الإسكندنافيين. فهل الكتاب الشديد التكثيف هو هدوء بحيرة أودن راضية بالمحاربين الذين قُتلوا قبل «النسف» وليس بعده، بسيوف من «النثر» في أيديهم؟
يصدر الكتاب قريباً عن «دار الزمان»، في دمشق، وهنا فقرات خصَّ بها المؤلف «القدس العربي الأسبوعي»، جرياً على عادته لدى كلّ إصدار جديد.
1ـ مذهلٌ هذا الإقناعُ بالصراخِ،
وبحجزِ المقاعدِ للتماثيلِ في مسارحِ الدُّمى.
مذهلٌ هذا البحثُ عن الأرضِ في أكوامٍ من قشِّ الكون.

2ـ مذهلةٌ هذه المصانعُ: مُحرِّكاتٌ ذهبية.
وَقُودٌ ذهبيٌّ.
جدرانٌ ذهبية.
مديرون بأحذيةٍ ذهبية.
مراقبونَ بأعينٍ ذهبية.
سَيْرٌ للعملِ على التوقيتِ الذهبِ.
فواصلُ استراحةٍ ذهبيةٍ للطعامِ،
وللتدخينِ،
وللغَزَلِ الذهبيِّ من عاملةٍ إلى عاملٍ.
مذهلون عمالُها الذهبيونَ بقلوبٍ فضَّةٍ،
وبدمٍ من الفحم الحجريِّ.

3ـ مذهلةٌ هذه الحروبُ النظيفة،
وهؤلاء المحاربون القذرون.

4ـ مذهلةٌ هذه العاصفةُ،
تقلِّبُ صفحاتِ البحرِ بأناملِ الزبد.

5ـ مذهلةٌ هذه العصورُ السِّلَعُ المتهاودةُ أسعاراً،
وهذه الآفاقُ السِّلعُ،
وهذه الأممُ البضائعُ كاسدةً،
مركومةً في مخازن الجحيم.

6ـ مذهلٌ هذا الشكلُ المحتكِرُ أناقةَ الهندسةِ المعمارية،
وأناقةَ هندسةِ الأجسادِ في الكائناتِ،
وأناقةَ هندسةِ الأوبئة.

7ـ مذهلٌ هذا الماضي،
الذي ليسَ ماضيكِ،
أو ماضي أحدٍ.

8ـ مذهلةٌ هذه الأخطاءُ التي تتذكَّرُك حين لا تتذكَّرُها.

9ـ مذهلٌ أن يُضحِّي الموتُ بنفْسه.

10ـ مذهولون هؤلاء الغرقى،
أقالوا الحياةَ من مَنْصِبها.

11ـ مذهلٌ هذا الرِّفْقُ بالشرِّ إن ظُلِمَ، أو أُهين.

12ـ مذهلةٌ هذه الجسارةُ بقواعدَ استعارتها من الخوف.

13ـ مذهلٌ هذا الليلُ المتفجِّرةُ الموقوتةُ،
ومذهلٌ هذا النهارُ اللُّغمُ الأرضيُّ.

14ـ مذهلةٌ هذه الحلاقةُ بمقصِّ النارِ،
وتسريحُ الشَّعرِ بمشطِ الدخان.

15ـ مذهلٌ هذا اللِّيْنُ الموجعُ ـ ليْنُ الحسرةِ العادلة على الألمِ المخذولِ،
والجراحِ المخذولةِ لم يعترف أحدٌ بإخلاصها.

16ـ مذهلٌ هذا القطنُ،
المتحصِّنُ بخشونةِ الصوف.

17ـ مذهلونَ هؤلاءِ العمالقةُ الفوضويون فوضى الملاحمِ،
المنهجيونَ، عزلوا اللاعبين بكُرةِ الدمِ في السماءِ،
وأخَّروا الأرضَ ساعةً عن افتتاحِ السأم.

18ـ مذهلٌ أن يُشرى المزيدُ من الوقتِ بنقودٍ من حصةِ الوقتِ في الجنونِ،
ومِنِ استثمارِ الزمنِ كمزرعةٍ.

19ـ مذهلٌ رحيلُ الأمكنةِ،
ورحيلُ الزمنِ،
ورحيلُ البشرِ ليستردوا من آلهةِ الخيبةِ أمكنةً،
وأزمنةً،
وأعداءً ينظِّفون معهم مراحيضَ الأمكنةِ والأزمنة.

20ـ مذهلٌ هذا القاتلُ اعترفَ بكلِّ شيءٍ،
ثمَّ أنكرَ كلَّ شيءٍ،
بين ظهورِ دِيْنٍ وأفولِ دِينٍ.
21ـ مذهلٌ تزلُّفُ النجومِ إلى الكواكبِ،
وإنقاصُ الآلهةِ أوزانَها الزائدةَ عن رشاقةِ أجسامها.

22ـ مذهلةٌ مناهجُ الماءِ،
حَوَتْ حصْراً ما شرَّعَ الرمادُ.
23ـ مذهلةٌ هذه الغيومُ المَرَاهمُ،
ليَّنتْ ما تشنَّجَ من عضلِ الحقولِ استخداماً بلا وَصْفَةٍ.
24ـ مذهلٌ ملاقاةُ الإيمانِ في منتصفِ الطريقِ
الذي لم يعُدْ طريقاً؛
لم يكن طريقاً؛
لم يُنجَزْ طريقاً بعدُ.
25ـ مذهلٌ هذا الوحشُ ـ الضرورةُ،
المُلْهِمُ،
البَنَّاءُ بخُطاطاتِ التصاميمِ الناقصةِ حصونَ كلِّ إلهٍ.

26ـ مذهلةٌ هذه الحروفُ العصبيةُ في الصوتِ الهادئ.

27ـ مذهلةٌ هذه الأشغالُ اليدويةُ في مُعْتَقَلاتِ الجنون.

28ـ مذهلةٌ هذه الشُرفاتُ في انهيارها،
لم يقف عليها المتقاذفون بالمدافع في المُجابهاتِ الرمزية فانهارت،
بل استوحشت أن تكونَ شرفاتٍ مراصِدَ للغروبِ الفاتن.

29ـ مذهلةٌ هذه المَواكبُ الحمايةُ للأقدارِ الجريحةِ ناجيةً من اغتيالها.

30ـ مذهلٌ هذا الخروجُ من الموتِ بكفالةٍ،
أو بإجراءٍ شكليٍّ.

31ـ مذهلةٌ مكبِّراتُ الصوتِ نداءً من فوق أنقاضِ الفردوسِ إلى الناجيْنَ،
كي يجتمعوا نزوحاً تحت خيامِ الفضائحِ الدِّينية.

32ـ مذهلةٌ هذه الصحونُ تُؤكلُ أيضاً بعدَ استنفادِها ما فيها مِن مأكولٍ:
صحونٌ زجاجيةٌ،
وصحون خزفية،
وصحون آجُرِّية.
صحونٌ مُفضَّلةٌ أن تكونَ بلا زخارفَ،
كي تُهْضَم بعد أكلها.

33ـ مذهلٌ أن تتلاسَنَ التعريفاتُ؛
أنْ تتشاتمَ؛
أنْ يمزق بعضُها قمصانَ بعضٍ جذْباً إلى مواخيرِ المنطق.

34ـ مذهلةٌ حسرةُ البرتقالةِ أنها لم تُثْمِر مرةً على غصنِ شجرة التين.

35ـ مذهلٌ هذا الخبرُ على كلِّ لسانٍ مقطوع.

36ـ مذهلٌ المشيُ معَ النومِ في النوم.

37ـ مذهلٌ هذا العقلُ المِكواةُ،
وذكاؤه ـ مُكيِّفُ الهواءِ في الصيف.

38ـ مذهلةٌ هذه الأزرارُ تقطَّعت من مِعْطفِ الكونِ في انفجارهِ،
متناثرةً أقماراً على مداراتِ الكواكب.

39ـ مذهلةٌ هذه الحياةُ اللَّبوةُ بزئيرٍ كزئيرِ التوابل.

40ـ مذهلٌ هذا الشيطانُ ألغى مواعيدَه كلَّها،
مختلياً بالمرأة التي ستُنجبُ منه ملاكَها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *