بيروت ـ «القدس العربي» ووكالات: يُسجل يومياً تدفق مزيد من العائلات النازحة إلى قراها الجنوبية لتفقد منازلها وأرزاقها وسط مشاهدات ميدانية تظهر حجم الدمار الذي حلّ بكثير من البلدات في ظل التدمير الممنهج الذي مارسه العدو الإسرائيلي. وينتظر العديد من النازحين نداء رئيس مجلس النواب نبيه بري للعودة الآمنة والفعلية، في وقت شهدت شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت حركة ملحوظة للعائدين وسط مواكبة من عدد نواب «حزب الله».
وقد شدد الرئيس بري خلال استقباله قائد قوات «اليونيفيل» اللواء ديوداتو أبانيارا بحضور الممثل المقيم للأمم المتحدة منسق الشؤون الانسانية عمران ريزا على «أهمية بقاء هذه القوات وفقاً لولايتها في القرار 1701 حتى تطبيقه ومساعدة الجيش اللبناني في مهمته الوطنية بالانتشار إلى الحدود الدولية فور إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان وانسحاب قوات الاحتلال إلى ما وراء الحدود الدولية للبنان».
أما رئيس الهيئة الشرعية في «حزب الله» الشيخ محمد يزبك وخلال إحيائه الليلة الأولى من مجالس عاشوراء في بعلبك، فشدد «على ضرورة انسحاب قوات العدو الإسرائيلي إلى ما وراء الحدود، بما يتيح عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم، ووقف الاعتداءات المستمرة على المناطق الجنوبية». ودعا «إلى العمل على ملف تحرير الأسرى وعودتهم، باعتباره أحد الأولويات الوطنية والإنسانية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى «أهمية فتح حوار داخلي بين مختلف القوى اللبنانية، بما يساهم في معالجة الملفات الخلافية وتعزيز الاستقرار الداخلي». وختم بالتأكيد «أن هذه العناوين تشكل مدخلاً أساسياً لتعزيز الصمود الوطني في مواجهة التحديات الراهنة».
ومع تواصل عودة نازحين لبنانيين إلى بلداتهم وقراهم الجنوبية لليوم الثاني، بدأ يتكشف أمامهم حجم الدمار والخراب الذي خلفه العدوان الإسرائيلي، وسط مطالبات بتعويضات تساعدهم على إعادة تأهيل منازلهم. تلك العودة بدأت مع الإعلان عن التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، ما يشير إلى تعلق العائدين بديارهم، وانتظارهم اللحظة المناسبة للعودة.
والأحد، أعلنت الولايات المتحدة وإيران والوساطة الباكستانية توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق على مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب التي بدأتها واشنطن وتل أبيب على طهران في 28 فبراير/ شباط الماضي.
ومن المقرر، وفق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توقيع الاتفاق في مدينة جنيف السويسرية، الجمعة، على أن يعاد فتح مضيق هرمز عقب التوقيع، تمهيدا لإزالة الألغام واستئناف تدفق النفط.
وفي حين لم يكشف الجانب الأمريكي تفاصيل الاتفاق كاملة، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في تصريحات صحافية الثلاثاء، إن إنهاء الحرب في لبنان «جزء لا يتجزأ» من الاتفاق، وإنه يشمل أيضا انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبناني. بينما توعد مسؤولون إسرائيليون بمواصلة العدوان على لبنان رغم الإعلان عن اتفاق واشنطن وطهران. وهجرت إسرائيل أكثر من مليون نازح خلال عدوانها على لبنان منذ 2 مارس/ آذار الماضي، بينما لا توجد إحصائيات رسمية عن عدد العائدين.
محلات مدمرة
وشهد قضاء صور جنوبي لبنان، الثلاثاء، عودة لافتة للنازحين، باستثناء البلدات الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي وما يعرف بـ«الخط الأصفر». ووجد قسم كبير من العائدين أنفسهم أمام محلات مدمرة ومصادر رزق ضاعت خلال أشهر العدوان الإسرائيلي. الأناضول التقت عددا من النازحين العائدين، واستمعت إلى ما عاينوه من دمار جراء العدوان الإسرائيلي.
يقول «أبو حسن» وهو اسم مستعار لنازح عائد إلى قرية الشهابية بقضاء صور، إن خسائره كبيرة بسبب العدوان الإسرائيلي، وتقدر بعشرات آلاف الدولارات، جراء الأضرار التي لحقت بمحلات تجارية يملكها في المنطقة.
تقدر بنحو 15 مليار دولار… وينتظر الآلاف منهم نداء بري لتأكيد عودتهم الآمنة
ويضيف للأناضول: «المواطن اليوم تُرك وحيدا يكافح بعدما حل كل هذا الخراب، ونحن لا نريد الحروب». ويطالب أبو حسن بتعويضه عن الخسائر التي لحقت به، مؤكدا أن العودة إلى البلدة لا تعني انتهاء المعاناة، في ظل الحاجة إلى إعادة ترميم المنازل والمحال واستئناف الحياة الاقتصادية.
من جهته، يقول «أبو علي»، وهو اسم مستعار لنازح آخر عائد إلى القرية ذاتها، إنه خسر مصدر رزقه بسبب العدوان الإسرائيلي بعدما دمر القصف عملا بناه على مدى سنوات طويلة، حيث يملك محلات لبيع الأدوات المنزلية. ويضيف للأناضول: «خسرت رزقي بسبب هذه الحرب، والعمل الذي كان يشكل مصدر دخلي تدمر بين ليلة وضحاها، وهذا جنى 20 عاما من الجهد والتعب». وتابع مطالبا بالتعويض: «أصبحت اليوم عاطلاً عن العمل». وحسب التقديرات الأولية، فإن القيمة الإجمالية لخسائر العدوان الإسرائيلي الأخير الذي بدأ في مارس الماضي لا تقل عن 5 مليارات دولار، بانتظار المسوحات الرسمية، وفق مؤسسة «الدولية للمعلومات» الخاصة. أما العدوان السابق الذي بدأ في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، قدّرت الخسائر بنحو 15 مليار دولار، وفق المصدر نفسه.
جولة نائب «حزب الله»
وفي بلدة جويا بقضاء صور، تفقد النائب عن كتلة «حزب الله» البرلمانية حسين جشي، مركز الدفاع المدني الذي تعرض لقصف إسرائيلي سابق خلال العدوان. وقال جشي للأناضول، إن «العدو استهدف هذا المركز التابع للدفاع المدني»، مضيفا أن «المجازر ليست غريبة على هذا العدو، وهو يعمل وفق سياسة الأرض المحروقة».
واعتبر أن إسرائيل «ترتكب المجازر لأنها تريد أن تجثم على أرضنا وتقيم المستوطنات فيها، ولا تأبه للقوانين الدولية». وتابع: «سنبقى نقاوم ومرفوعي الرؤوس، ولن تبقى أرضنا محتلة، وسنواجه حتى يخرج الاحتلال منها».
وليست هذه المرة الأولى التي يعود فيها النازحون إلى مناطقهم في الجنوب، إذ شهدت فترات سابقة عودات مماثلة، غير أن تعثر وقف إطلاق النار جراء خروقات الجيش الإسرائيلي في كل مرة كان يدفعهم إلى النزوح مجددا.
ويأتي العدوان الإسرائيلي رغم أنه من المقرر أن تنعقد جولة خامسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن يوم 22 يونيو/ حزيران الجاري، عقب 4 جولات سابقة بين الطرفين انطلقت في أبريل/ نيسان الماضي.
ومنذ 2 مارس/ آذار 2026، تشن إسرائيل عدوانا على لبنان خلّف آلاف القتلى والجرحى، حسب أحدث المعطيات الرسمية.
وتحتل إسرائيل مناطق في جنوبي لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن لمسافة تزيد على 10 كيلومترات.